كريستال بالاس مصدوم من القصص الكاذبة حول شغب جماهيره

مطالبات للشرطة باقتفاء جذور المعلومات المضللة حول سكاكين وأسلحة مع المشجعين في ملعب برايتون

جماهير كريستال بالاس اشتهرت دائماً بكونها الأكثر التزاماً
جماهير كريستال بالاس اشتهرت دائماً بكونها الأكثر التزاماً
TT

كريستال بالاس مصدوم من القصص الكاذبة حول شغب جماهيره

جماهير كريستال بالاس اشتهرت دائماً بكونها الأكثر التزاماً
جماهير كريستال بالاس اشتهرت دائماً بكونها الأكثر التزاماً

من الضروري اقتفاء جذور المعلومات المضللة الغامضة التي أثيرت حول وجود سكاكين وأسلحة حادة مع جماهير كريستال بالاس خلال مباراة على استاد برايتون.
في حلقة قديمة من مسلسل «كيرب يور إنثيوزيازيم»، يجلس لاري ديفيد داخل سيارته في إشارة مرور عندما يتحول الضوء إلى اللون الأخضر لكن السيارة الواقفة أمامه تبقى ساكنة ولا تتحرك. المشكلة الوحيدة هنا أن هذه السيارة تخص الشرطة، وفي تلك الظروف تجد نفسك تتساءل: ما الإتيكيت اللائق للتعامل مع سيارة الشرطة؟ من الذي يجرؤ على إطلاق أبواق السيارة في وجه سيارة شرطة؟ هنا، يقدم لاري الإجابة: «ليس ثمة أحد فوق أبواق السيارة»، وذلك عندما ترجل أحد رجال الشرطة لمعاتبته.
في الواقع، الأمر برمته لم يكن شديد الجدية، خاصة أن لاري نفسه في هذا المشهد كان يرتدي شعرا وشاربا مستعارين من أجل عرض غنائي يقدمه في «برودواي». ومع هذا، من السهل التعاطف مع الحجة التي دفع بها، وفي نهاية الأمر يدرك الأمر أن استخدام بوق السيارة لم ينفعه في شيء، بل ويتعرض لاري لمخالفة وعندما يرفع الأمر أمام إحدى المحاكم للتظلم، يقر القاضي بأن الضابط كان «في مهمة شرطية مهمة». وبالتالي، يقابل الاستئناف الذي تقدم به لاري للرفض ويتعلم لاري درس بسيط مفاده أنه ليس من الحكمة دوماً الدخول في مواجهة مع الشرطة.
ومع هذا، أحياناً يكون الأمر على درجة بالغة من الأهمية لا تسمح للمرء بتجاوزه. ولدى العودة إلى العالم الواقعي، كان هذا بالتأكيد بعض النصر لصالح جماهير «كريستال بالاس» في وجه بعض أكثر المزاعم كذباً عندما تراجعت شرطة «ساسكس» عن موقفها وقدمت اعتذاراً عن القصة التي روجت لها حول ما جرى أثناء مباراة على استاد «برايتون».
وتبدو هذه الحادثة أخطر كثيراً عن مجرد توقف ضابط شرطة طويلاً في إحدى إشارات المرور، خاصة عندما نضع في اعتبارنا أن الرواية الرسمية للأحداث التي وقعت الأسبوع ونصف الأسبوع الماضيين تذكر أن مشجعي «كريستال بالاس» الذين كانوا يناصرون فريقهم خارج أرضه كانوا يتسلحون بسكاكين وأسلحة حادة.
الآن، بات واضحاً أنه لم يعثر على أي أسلحة وأن الأمر برمته كان محض اختلاق. إلا أنه من غير الواضح المصدر الذي اختلق القصة. والمعروف أن البيانات الصحافية الصادرة عن الشرطة لا تتضمن عادة مثل هذه التفاصيل وقبيل ساعات من صدور البيان الرسمي من مقر رئاسة شرطة ساسكس، أصبح واضحاً أن الشرطي الذي روج لهذه المعلومات المضللة توارى عن الأنظار. كان الضابط سيمون نيلسون قد كتب عبر حسابه في «تويتر»: «اسمحوا لي ببعض الصمت عبر (تويتر) أثناء قضائي عطلة وسفري للخارج بضعة أيام. أترككم في رعاية الله». من الواضح أن العطلة كانت للاحتفال بعيد ميلاده الـ50.
إلا أنه على ما يبدو وجد نيلسون صعوبة في البقاء بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي في أعقاب الأحداث التي شهدتها الأيام القليلة الماضية، ومن المؤكد أن ضابطاً في مثل رتبته الرفيعة (كبير مفتشين) وخبرته يدرك جيداً أنه يتعين عليه التأكد تماماً من الحقائق قبل التشارك فيها عبر وسائل الإعلام والحديث عن «العودة إلى الأيام السوداء في تاريخ كرة القدم».
المؤكد أن نيلسون تحدث كثيراً في أعقاب المباراة، وبدا فخوراً بالاهتمام الواسع الذي اجتذبته تعليقاته. كما خرج عبر «تويتر» لنشر واحدة من المقالات الصحافية الكثيرة التي أوردت ذكر تصريحات له. الحقيقة أن جميع الصحف على مستوى البلاد تناولت القصة، مع تركيزها جميعاً على مسألة حيازة الجماهير لسكاكين وأسلحة بيضاء. وجرى تداول هذه الأنباء عبر مختلف المحطات التلفزيونية والإذاعية والخدمات الصحافية - وبدت صادمة للغاية بالنظر إلى الضرر الذي كان يمكن لها التسبب فيه. وأعلن نيلسون صباح اليوم التالي أنه يشعر «بامتنان بالغ» إزاء العدد الضخم من الرسائل اللطيفة التي تلقاها بخصوص الشجاعة التي أبداها الضباط العاملين تحت قيادته.
ورغم أي شيء، تبقى مسألة شجاعة ضباط الشرطة المعنيين بتأمين مباريات كرة القدم أمر لا جدال فيه. في الواقع، كان أحد أصدقائي يعمل في وحدة شؤون كرة القدم في شرطة العاصمة وكان عمله ينطوي على درجة بالغة من الخطورة. ورغم أن جماهير «كريستال بالاس» ليست من بين الأسوأ على مستوى شغب ملاعب كرة القدم، فإنه من السذاجة افتراض أنهم لا يضمون بعض الوجوه القديمة المعروفة من مشاغبي الملاعب.
وقد احتاج اثنان من أفراد الشرطة لتلقي العلاج بالمستشفى، وهناك مقاطع مصورة لحشود من الجماهير تقتحم عنوة أحد الأبواب الدوارة للدخول. وخلال المباراة، جرى إشعال بعض الشعلات الضوئية ووقعت بعض الحوادث الأخرى بمحطة القطارات. والمعروف أن برايتون بها بعض المشاغبين من أبنائها. والمؤكد أنها لم تكن ليلة لطيفة بالنسبة للشرطة.
إلا أن الأمر يصبح مريباً وخطيراً لدى تواتر أنباء عن وجود أفراد يحملون سكاكين وأسلحة بيضاء في طريقهم إلى دخول الاستاد. بالتأكيد هذا مستوى مغاير تماماً من العنف - غير مسبوق على امتداد الحقبة المزدهرة لبطولة الدوري الإنجليزي الممتاز في صورتها الجديدة - ولا يزال هناك عدد من الأسئلة دون إجابة بالنسبة لشرطة ساسكس حول تسلسل الأحداث الذي أدى إلى صدور البيان الأصلي المؤلف من 543 كلمة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، مقارنة ببيان التصحيح الصادر في 87 كلمة ويقر بأن ما ورد في البيان الأصلي جانبه الصواب.
يذكر أنه قبيل صدور الاعتذار بفترة قصيرة، أعلن نيلسون الأسبوع الماضي أن مشجعي «كريستال بالاس» ينبغي أن يتناولوا الأمر مع «برايتون» لأن «فريق العاملين لديهم هم من عثروا على هذه الأدوات في الطرف الخاص بالجماهير الزائرة». وأقرت الشرطة في غضون ساعات بأن هذه المعلومة أيضاً غير صحيحة. وخرج علينا نيلسون اليوم التالي باعتذار كان نصه كالتالي: «جرى تمرير المعلومات المتعلقة بالأسلحة والألعاب النارية داخل مدرجات الجماهير الزائرة داخل الاستاد من قبل طرف آخر ومن المعتقد أنها غير صحيحة - من الواضح أن ذلك لم يحدث».
الآن، بات لزاماً على الشرطة التحلي بمزيد من الشفافية والكشف عن حقيقة الخطأ الذي وقع ومن أثار الأمر في البداية. وتتجلى أهمية هذا الأمر لدى الأخذ في الاعتبار بالأضرار المحتملة لسمعة نادي «كريستال بالاس» ومشجعي النادي وجماهير كرة القدم بوجه عام، ناهيك عن تفاقم التوترات بين الجانبين قبيل لقائهما من جديد في الدور الثالث من بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي. والمؤكد أن مهمة تأمين هذه المباراة لن تكون مهمة يسيرة أو ممتعة بالنسبة للشرطة.
من جانبنا، نشك أن الشرطة كانت لتصدر بياناً آخر في هذا الصدد، ناهيك عن اعتذار، لولا يقظة فريق العمل بمجلة «فايف يير بلان» التي سرعان ما تشكك فريق العمل التحريري بها بأن ثمة معلومات غير حقيقية وراء القصة.
ودعونا لا نغفل حقيقة أن بعض جماهير «كريستال بالاس» بعدما تكبدت مشقة السفر وثمن التذاكر لم تتمكن من دخول الاستاد وجرى احتجازها بالخارج قبل أن ترافقهم قوات من الشرطة إلى محطة القطار دون أن تتسنى لهم مشاهدة ولا حتى دقيقة واحدة من المباراة. ومع هذا، لم تلتفت وسائل الإعلام في الجزء الأكبر منها إلى هذا الأمر على امتداد الأسبوعين الماضيين.
والتساؤل هنا: هل شكلت هذه المباراة بالفعل عودة إلى الأيام السوداء بعالم كرة القدم؟ حسناً، ربما كان هذا صحيحاً إذا كانت المعلومات المضللة المثيرة للجلبة حول مشجعي كرة القدم يجري الترويج لها ونشرها دون عقاب أو رادع.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.