التدافع لإعادة إعمار سوريا بين الفرص والمخاطر

تنشر دراسة لمركز أبحاث ألماني

دمار في مدينة حلب (أ ف ب)
دمار في مدينة حلب (أ ف ب)
TT

التدافع لإعادة إعمار سوريا بين الفرص والمخاطر

دمار في مدينة حلب (أ ف ب)
دمار في مدينة حلب (أ ف ب)

تنشر «الشرق الأوسط»، اليوم، ترجمة خاصة مختصرة لدراسة كتبها موريل اسبورغ وخالد يعقوب عويس، الباحثان في «المركز الألماني للدراسات الدولية والأمنية».
في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 الجاري، ومع هدوء الحرب السورية، وهزيمة «داعش»، زادت موسكو من جهودها للتوصل إلى ما تعتبره حلاً للنزاع السوري في العديد من المحافل، بعيداً عن عملية جنيف التي تشرف عليها الأمم المتحدة.
وعلاوة على ذلك، وبعدما أعلنت الإدارة الأميركية بكل وضوح عن عدم مشاركتها في جهود إعادة الإعمار الخاصة بسوريا، قصدت روسيا الاتحاد الأوروبي بغية الحصول على المساعدات المالية والمعاونة في تغطية تكاليف إعادة إعمار البلاد، جنباً إلى جنب مع دول الخليج العربي.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي استبعد في أبريل (نيسان) الماضي، المشاركة في جهود إعادة الإعمار من دون انتقال سياسي للسلطة، تتصاعد الدعوات في الوقت الراهن داخل أوروبا مطالبةً باستيعاب وجود بشار الأسد على رأس السلطة، والمساعدة في إعادة إعمار سوريا، وإعادة اللاجئين إلى بلادهم. ومع ذلك، فإن أعمال القتال لم تتوقف نهائياً بعد. والأهم من ذلك، فإن البناء المجرد لهياكل البنية التحتية في البلاد لن يسفر عن الاستقرار المنشود، لكن من شأنه أن يزيد من احتمالات اندلاع النزاعات الداخلية الأخرى. وينبغي على الجانب الأوروبي أن يوضحوا لروسيا تمسكهم الحازم بموقفهم السابق. وينبغي عليهم كذلك اللعب بسياسة النفَس الطويل، بهدف تأمين النفوذ المطلوب لكي تكون المساهمات المستقبلية في خدمة أغراض بناء الدولة والسلام معاً. وفي الأثناء ذاتها، ينبغي التركيز على رفع مستويات المساعدات الإنسانية، وتدابير التعافي المبكر، مثل إزالة الألغام، واستعادة البنية التحتية الخاصة بالمياه والرعاية الصحية، وبناء رأس المال البشري في سوريا وبين مجتمعات اللاجئين السوريين، بالإضافة إلى تركيز الجهود على المجتمع المدني ودعم الحكم المحلي في المواضع التي تحظى بالشركاء الموثوق بهم.
بحلول أواخر علم 2017 الحالي، تمكن النظام من استعادة السيطرة على أغلب المراكز الحضرية في البلاد، وخسر «داعش» المزعوم، كلَّ شيء باستثناء بعض القواعد الإقليمية المحدودة. ولقد تعرضت قوات المعارضة لضغوط هائلة دفعت بهم إلى جيوب عديدة للمقاومة ولكنهم لا يزالون يسيطرون على بعض المنعطفات الاستراتيجية وبعض المعابر الحدودية الرئيسية. وفي الوقت نفسه، ومنذ بداية تدخلها العسكري في الحرب السورية، تحولت روسيا إلى قوة عسكرية مهيمنة. وكانت موسكو حريصة على تحويل هذا الإنجاز إلى تولي زمام القيادة على الصعيد الدبلوماسي والاضطلاع بدور الوسيط في تسوية الصراع الدائر.
أما واشنطن، التي تقلص نطاق مصالحها في الأزمة السورية منذ عام 2014 وبشكل كبير إلى محاربة تنظيم داعش، فلم تكن مستعدة لتتحدى النهج الروسي هناك. كما أنها لم تعرب عن رغبتها الحقيقية في المساهمة الجادة في جهود إعادة إعمار سوريا بعد القصف الشديد على شرق البلاد. والقصف الروسي، ولا سيما على حلب في عام 2016، أسفر عن دمار واسع النطاق، مما أدى إلى صدور إدانة شديدة اللهجة من قبل الاتحاد الأوروبي بسبب الاستهداف المتعمد للمستشفيات، والأفراد العاملين في الإغاثة الطبية، والمدارس، والبنية التحتية الرئيسية هناك. ومع ذلك، توجهت موسكو إلى أوروبا طلباً للمساعدة في جهود إعادة الإعمار مع تأنيب الجانب الأوروبي على ربطه دعم إعادة الإعمار بالانتقال السياسي للسلطة، مع تنبؤات بقرب نهاية الصراع الدائر هناك. ولقد سُلطت الأضواء على «خفض التصعيد» من واقع أنه إيجاد للظروف الواقعية الممهدة لإعادة الإعمار واسع النطاق في الداخل السوري. وحقيقة اليوم، رغم كل شيء، تبدو مختلفة تماماً، مع السيطرة المجزأة بشكل كبير بين مختلف القوى على الأرض في مناطق خفض التصعيد المعلن عنها، وفي المناطق المحررة من تنظيم داعش، والمناطق الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، إلى جانب تلك المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية السورية وحلفائها -مع القتال الذي ينبئ عن كل شيء إلا الاقتراب من خط النهاية.

مناطق خفض التصعيد
استخدمت موسكو، أول الأمر، دعمها العسكري لسوريا بالأساس في مساعدة النظام الحاكم وحلفائه في استعادة الأراضي. وعلى مدى عام 2017، استهدفت موسكو خفض مستويات العنف من خلال نهج جديد يعتمد على تمهيد الأوضاع على الأرض للتهدئة ووقف الأعمال العدائية.
وفي حقيقة الأمر، تطورت تلك المناطق إلى ما يشبه مجموعة من الأوضاع المحلية: من تحسن الظروف المعيشية، إلى الحصار المستمر، والمجازر الجماعية الناجمة عن القصف العشوائي من جانب النظام السوري والقوات الروسية للأهداف المدنية على المناطق التي أعلنت موسكو أنها جزء من مناطق خفض التصعيد. أما بالنسبة إلى الرئيس الأسد، فإن هذه المناطق تدخل ضمن الترتيبات المؤقتة، إنْ كانت كذلك على الإطلاق، وكانت تتبع مسار المناطق الأخرى المحاصَرة، التي سيطرت عليها قوات النظام بعدما «سنحت الفرصة للإرهابيين» (وهو المصطلح الذي يصف به النظام السوري كل أطياف المعارضة في البلاد) لإلقاء السلاح و«العودة إلى أحضان النظام».

متطلبات التعافي المحدود
وفي الأثناء ذاتها، تراجعت عمليات قصف وحصار مناطق في قطاعات أخرى من البلاد، ومن أبرزها المناطق الريفية بالقرب من مدينة حمص وفي محافظة درعا الجنوبية. وأدت نافذة الاستقرار المؤقت إلى قيام نشاط سريع في مجال البناء والتشييد الخاص. على سبيل المثال، عاد سكان المناطق الريفية في حمص إلى مسقط رأسهم من مخيمات كانت مقامة في الأراضي الزراعية المجاورة، وشرعوا في إصلاح أو إعادة بناء منازلهم. ويقال إن الطين كان يستخدم على نطاق واسع بدلاً من الخرسانة في البناء، حيث لا تزال أسعار مواد البناء المستوردة من مناطق النظام مرتفعة. وانخفضت أسعار البضائع والسلع الأساسية، مثل السكر والأرز، منذ بدء سريان اتفاق مناطق خفض التصعيد في أغسطس (آب) لعام 2017، الأمر الذي أسفر عن كسر احتكار التجار المحليين هذه السلع، والذين استفادوا كثيراً من أوضاع الحصار السابقة. وتم افتتاح معبرين مع النظام الحاكم، مما أدى إلى ارتفاع المستوى العام للإمدادات. وافتُتحت سوق للتصدير بوتيرة بطيئة أيضاً. وأرسلت مناطق المعارضة قطعان الخراف والماشية إلى مناطق النظام، وارتفعت أعداد المزارعين الذين يخططون لزراعة المحاصيل، حيث توقعوا مبيعات كبيرة بدرجة كافية لتحقيق الأرباح.
ومن شأن احتمالات تحسين الوصول أن تجدد نشاط المجالس المحلية كذلك، التي أنشأها النشطاء خلال الانتفاضة كي تحل محل إدارة النظام بعد انسحاب قوات الأسد من المناطق الخاضعة للمعارضة.

ترقب تنظيم «القاعدة»
بصرف النظر عن استمرار القصف من جانب قوات النظام، والتهديد الذي يشكله النظام الحاكم في محاولة استعادة المزيد من مناطق المعارضة، فإن أكبر العقبات على طريق إعادة الإعمار في مناطق خفض التصعيد تأتي من الداخل. في أغسطس 2017، كانت «هيئة تحرير الشام» –وهي فرع عن تنظيم «القاعدة» وخليفة «جبهة النصرة»– قد انتهت تقريباً من القضاء على منافستها «أحرار الشام» وبسطت سيطرتها على أغلب أنحاء محافظة إدلب.
وتشمل منطقة نفوذ «هيئة تحرير الشام» المعبر الحدودي الرئيسي مع تركيا، الذي تتدفق من خلاله المساعدات الإنسانية وإمدادات البنية التحتية إلى المحافظة. واستناداً إلى مقولة لينين «السلام، والأرض، والخبز»، استولت «هيئة تحرير الشام» على المخابز في مختلف المدن داخل إدلب، والتي اعتمد الكثير منها على البرامج الغربية لإمدادات القمح. وحرصاً منها على تأكيد شرعيتها لدى السكان المحليين، واعتبارها ناجحة في أمور الحكم والسياسة، أشارت «هيئة تحرير الشام» إلى أنها لن تمنع وصول المساعدات الخارجية إلى إدلب.
وفي الوقت نفسه، كانت «هيئة تحرير الشام» ضالعة في العديد من الهياكل الإدارية المحلية في المحافظة، فضلاً عن المدارس، والجمعيات الخيرية، ومخيمات اللاجئين، من دون أن تدفع بأفراد موالين لها بصورة مباشرة أو تفرض عليهم دوريات المراقبة بصورة واضحة. كما تمكنت من تفكيك المجالس المحلية في المحافظة أو خلعت أعضاء تلك المجالس الذين كانوا ينتقدونها. وبالإضافة إلى ذلك، استعانت بالجهات الرقابية القائمة، مثل المجلس الإداري في إدلب، أو دفعت بالحلفاء المدنيين الموالين لها لإنشاء مجالس محلية جديدة. ومن بينها ما بات يُعرف باسم حكومة الإنقاذ السورية، والتي تشكلت في نوفمبر بغرض واضح وهو الإطاحة بحكومة المعارضة المؤقتة. واحتفظ العديد من الكوادر المؤهلة من مختلف الإدارات المحلية في إدلب بوظائفهم على الرغم من استيائهم الواضح حيال هيئة تحرير الشام. وفضلوا البقاء في مناصبهم وصلاتهم بالجهات المانحة، بغية استمرار وصول الإمدادات والمساعدات إلى المحافظة.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الدعم الغربي لسكان إدلب، قد تراجع بصورة كبيرة بعد استيلاء «هيئة تحرير الشام» على المحافظة، حيث يساور المانحون الأجانب القلق من الدعم غير المباشر الذي يوجهونه إلى الهيئة أو إلى المنظمات المتفرعة عنها. وكان النشطاء يأملون في أن يسفر دخول القوات التركية إلى إدلب في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 عن تراجع في سلطات «هيئة تحرير الشام». وكان استعراض القوة التركي يخدم أغراض إقامة مناطق خفض التصعيد الشمالية، والتي تمت مناقشتها مع أنقرة في اتفاقية آستانة. ومع ذلك، كان التدخل العسكري التركي يستهدف «وحدات حماية الشعب» الكردية، المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وهو الفرع السوري عن حزب العمال الكردستاني التركي في منطقة عفرين القريبة، ولقد جاء هذا التدخل بهدف منع إقامة منطقة إدارة ذاتية كردية متاخمة للحدود التركية مع سوريا.
ومع ذلك، لا يزال خطر تجدد القتال في المنطقة مرتفعاً، مع تصاعد اللهجة الحازمة التي تستخدمها تركيا وإيران في خطابيهما حيال القضية. وقالت أنقرة، التي تفاخر بتفاهماتها الجديدة مع روسيا، إنها تحتاج إلى تطهير عفرين من «الوحدات». في حين أشارت إيران، بدورها، إلى أن النظام سوف يجتاح إدلب قريباً لمحاربة المتطرفين هناك. ويعيش في منطقة عفرين، ذات الأغلبية الكردية، نحو 300 ألف نسمة موزعين بين 20 مدينة وبلدة، في حين يبلغ تعداد محافظة إدلب نحو مليوني نسمة، ومن بينهم ثلثا قد نزحوا من مناطق أخرى في البلاد. ولقد انتهى بهم المقام في إدلب بعد فرارهم من القتال في أماكن أخرى من البلاد، نظراً إلى أن تركيا قد أغلقت حدودها في وجه اللاجئين. كذلك، الآلاف من مقاتلي المعارضة، وعائلاتهم، وغيرهم من المدنيين، جرى نقلهم إلى المحافظة في حافلات النظام الخضراء، التي صارت مرادفاً لعمليات نقل السكان التي صاحبت عناصر المعارضة المستسلمين في المناطق المحاصرة بموجب ما يُعرف باسم اتفاقيات المصالحة.

التوسع الكردي
ظهرت علامات على انتشار «حزب الاتحاد الديمقراطي»، ولا سيما بعد تشجيع الولايات المتحدة الاستيلاء على الأراضي التي يسكنها أغلب العرب في شرقي سوريا من تنظيم داعش بواسطة قوات سوريا الديمقراطية، والتي تغلب عليها «الوحدات». وأعلن حزب الاتحاد الديمقراطي عن هدفه ربط منطقتي الحكم الذاتي المتاخمتين (أو ما يسمى «كانتونات الجزيرة وكوباني») مع إقليم عفرين، مما يعتبر من الأهداف بعيدة الأثر والمنال. وفي أواخر عام 2017، بات من الواضح أن الولايات المتحدة (وروسيا) لن تدعما الطموحات السياسية الكردية ضد تركيا لما وراء محاربة «داعش»، ولن تقوم روسيا بمنع النظام من استعادة الأراضي المحررة من التنظيم.
ولقد أقام حزب الاتحاد الديمقراطي هياكل الحكم المحلي في هذه المناطق. وعلى الرغم من أن هياكل «الديمقراطية الشعبية» تعتبر شاملة ومستقلة من الناحية الاسمية فحسب، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي لا يزال القوة الغامضة وراء الكواليس. وأحد هذه الترتيبات شهدها مدينة منبج ذات الأغلبية العربية، والتي استولت عليها وحدات حماية الشعب الكردية من تنظيم داعش في أغسطس 2016، وعين حزب الاتحاد الديمقراطي فاروق الماشي، وهو من الشخصيات القبلية البارزة، رئيساً بالمشاركة لمجلس مدينة منبج. ولقد أسفر هذا التعيين عن استياء الكثير من الناشطين المعارضين على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين قارنوا أساليب حزب الاتحاد الديمقراطي في القمع والإكراه والسيطرة بالأساليب التي ينفذها النظام الحاكم. كما أشاروا إلى أن الماشي هو نجل دياب الماشي، وكان عضواًً في برلمان الموافقات التلقائية السوري منذ عام 1954 حتى وفاته عام 2009.

وقت السداد لحكومة النظام
رغم أن النظام لن يستطيع بسط سيطرته على كامل التراب السوري، فإنه يشعر بأن الأحداث تصبّ في صالحه. فهو يسعى إلى توظيف جهود إعادة الإعمار، بغية إرضاء الناخبين وتعويض الآلاف من الذين لقوا مصرعهم لأجل بشار الأسد. وفي افتتاح معرض دمشق التجاري الدولي في أغسطس 2017، صرح أحد مساعدي الأسد بأن سوريا «حققت منعطفاً مميزاً» وهي الآن على طريق إعادة البناء. وصوّر النظام الحاكم إعادة الإعمار على أنها «الصفقة المنتهية»، وأعلن أنه لن يتم منح أي تعاقدات للدول التي ساندت ما يعدهم النظام السوري إرهابيين.
وعلى الصعيد الداخلي، أشارت السلطات إلى أن جهود إعادة الإعمار سوف تُكافئ الموالين للنظام بالأساس، وهي ليست محاولة للتخفيف من المظالم التي غذّت الانتفاضة الأولى من خلال معالجة القضايا ذات الصلة بالشرعية المؤسساتية، والقدرة، والعدالة، والإدماج السياسي والاجتماعي. وفي مظاهرة رسمية أُجريت في نوفمبر 2017، تفاخر أحد كبار نواب حزب البعث بأن سوريا سوف تُبنى من جديد على «أيدي أبنائها الشرفاء». وأقيمت هذه المظاهرة في مدينة حمص، التي قام النظام الحاكم والميليشيات المدعومة من إيران بتشريد مئات الآلاف من سكانها السُّنَّة بالأساس، حيث تمكنوا من سحق المقاومة والمعارضة هناك. ومن أصل 8 مليارات ليرة سوريا (الدولار يساوي 500 ليرة) التي أعلنت الحكومة عنها في يوليو (تموز) 2017، والتي سوف تخصصها للمشاريع في محافظة حمص، فإن أغلب هذا المبلغ سوف يذهب إلى الطائفتين العلوية والمسيحية، في مقابل المناطق السُّنية التي دمرها قصف النظام.
وحتى الآن، منح النظام السوري، على الورق على أقل تقدير، المشاريع لأصدقائه المقربين، وأبرم الاتفاقيات المبدئية مع إيران وروسيا.

المخططات الدولية
مع اقتراب الحرب الأهلية في سوريا من فصل النهاية، وضعت وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الإنمائية، ومؤسسات التمويل الدولية مجموعة كبيرة من مخططات إعادة إعمار البلاد. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن إعادة الإعمار في سوريا سوف تتكلف نحو 250 مليون دولار.
والقاسم المشترك الذي يميز كل هذه الخطط، رغم كل شيء، هو تعاملها مع إعادة الإعمار في غالب الأمر من واقع أنها مسألة تقنية، في حين أن القليل من الاهتمام منصبٌّ على نوع نظام الحكم المفترض أن يسيطر على مقاليد الأمور. وبدلاً من ذلك، فإن السلطة المركزية المختصة التي توجه جهودها الآن نحو الصالح العام –مع القدرة والاستعداد على التفاعل في الاستعادة المنصفة لرأس المال البشري وتعزيز النسيج الاجتماعي– هي من الأمور المفترضة ليس إلا.
كذلك، لا توضح هذه الخطط بالتفصيل كيفية إقامة بيئة الأعمال التنافسية في البلاد –في ظل النظام الحاكم نفسه الذي حرم معظم المواطنين السوريين من تكافؤ الفرص لعقود طويلة. وفي ظل وجود المحاكم والبيروقراطية المدينة بالفضل للنخبة الفاسدة في البلاد، لم تكن الشركات الأجنبية لتتمكن بالكاد من العمل في سوريا أو الحصول على تعاقدات أو القيام بتنفيذ الصفقات الرئيسية من دون عقد الشراكة مع النخب الحاكمة أو من ينوبون عنهم. وأي شخص لا يدور في فلك النظام السوري ويقترب من الفوز في مناقصة من المناقصات، تتغير القواعد بصورة تعسفية صارمة ويتم سحب الأهلية منه. وتوجد منظمات الجريمة وعصابات الابتزاز المالي التي تديرها الأنساق العليا من الأجهزة الأمنية. وهناك فساد كبير ومستشرٍ في ربوع الجهاز القضائي والرقابي في البلاد. وتعمل الوزارات الحكومية والبنك المركزي أدوات خاصة لدى عائلة مخلوف، وهم أبناء أخوال الرئيس بشار الأسد من جانب والدته. وعائلة مخلوف، إلى جانب فرعين آخرين من عائلة الأسد، لديهم مناقصات عامة، ونظام المشتريات الخاص بهم والمقصور عليهم فقط.
والأهم من ذلك، أن أغلب هذه الخطط تفترض أن سوريا سوف تعمل كدولة وحدوية، ولن تنصاع للتجزئة التي أسفرت عنها الحرب الأهلية. ولكن تجوهلت ميوعة الديناميات المحلية، وبروز وسطاء آخرين للسلطة الجديدة، وأدوار الميليشيات الأجنبية في الواقع السوري. ومن بين القوى التي ظهرت بين طيات الحرب الأهلية السورية كانت سلالة جديدة من الرأسماليين الموالين للسلطة، الذين يعملون على تشكيل بيئة المال والأعمال ويستعدون لعرقلة كل جهود إعادة الإعمار التي لا تصب في صالحهم –جنباً إلى جنب مع شخصيات المال والأعمال الراسخة في العمق السوري والموالية تماماً للنظام الحاكم. ومن بين العناصر ذات الصلة الوثيقة باقتصاديات الحرب هناك، الجهاديون وغيرهم من الميليشيات الأخرى الساعية إلى الاستفادة القصوى من الأرباح. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، نمت وترعرعت عصابات الجريمة المنظمة والعصابات العنيفة ذات الصلة بمختلف الميليشيات الموالية لبشار الأسد. واستهدف الموالون، الموالين الآخرين في مسعاهم للسلب والنهب بأقصى قدر مستطاع عبر قطع الطرق وفرض الرسوم.

دوافع «الأطراف الثلاثة»
تَعد الخطط الدولية لإعادة الإعمار أن التعاون بين «البلدان الثلاثة» لما فيه خير وصالح سوريا من الأمور البدهية المسلَّم بها. وفي واقع الأمر، ورغم كل شيء، فإن الكثير من اللاعبين الإقليميين والدوليين يعتبرون خطط إعادة الإعمار وسيلة من وسائل تعزيز وجودهم في سوريا على المدى البعيد، وأداة من أدوات تأكيد مصالحهم (الحيوية) في صراعات السلطة الأوسع نطاقاً عبر منطقة الشرق الأوسط. كما أنهم يميلون إلى التركيز على تحقيق المصالح العاجلة، مثل الأرباح المالية السريعة، أو التخفف من أعباء اللاجئين السوريين المتدفقين على بلادهم.
ويُقال إن النظام السوري قد وعد إحدى الشركات الروسية، ذات الصلة بمقاولي الأمن في روسيا، بربع النفط والغاز الطبيعي في الحقول المستعادة من سيطرة «داعش». وشجعت إيران الاستثمارات الخاصة في المشاريع العقارية في سوريا، ووقّعت على مذكرات التفاهم بشأن إعادة الإعمار في مدينة حلب، فضلاً عن إعادة تشغيل شبكات الهواتف المحمولة، الأمر الذي سوف يجلب الكثير من الأرباح، ويمنحهم ميزة المراقبة. ويُذكر أن أنقرة، التي أوقف النظام أنشطتها في البلاد بصورة رسمية، قد أصلحت البنية التحتية الأساسية، والمدارس، وأحد المستشفيات في جيب «الباب» الخاضع للسيطرة التركية. وإلى جانب التوقف المهم للغارات الجوية، ساهمت عمليات إعادة التأهيل في عودة بعض السكان إلى الجيب الصغير. وصرحت الصين بأنها تعتزم المشاركة في جهود إعادة الإعمار السورية، غير أنها لم تُفصح عن مزيد من التفاصيل.

التوقعات والمعضلات
في ظل مختلف السيناريوهات قصيرة ومتوسطة الأجل، من غير المتوقع لأعمال العنف أن تتوقف، ومن المنتظر لأدوار الميليشيات واقتصاديات الحرب أن تترسخ وتستمر. ومع ذلك، يرزح صناع السياسات الأوروبية تحت ضغوط هائلة بغية التركيز على ما يمكن فعله بصورة عاجلة للمساعدة في تعزيز التسوية والاستقرار في المنطقة، ولا سيما إن أخذنا في الاعتبار الحاجة الملحة التي يشعرون بها في ضوء تصاعد الحركات الشعبوية القومية في الاتحاد الأوروبي، والضغوط المتعلقة بإعادة اللاجئين إلى بلادهم.
وسيسعد بشار الأسد كثيراً بالهدايا المجانية التي يتلقاها من الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة إلى النظام فإن جهود إعادة الإعمار تخدم، أولاً وقبل كل شيء، ترسيخ قبضته على السلطة، فضلاً عن ضمان استدامة التحولات الاجتماعية والسكانية، وتعميق ولاء المواطنين للنظام. وتحذر الرؤية، التي تبناها نظام الأسد وكرر الإعراب عنها في اجتماعات المساعدات الدولية، من خسارة أوروبا دورها لصالح موسكو وطهران ما لم تساعد البلدان الأوروبية في إعادة إعمار سوريا.
وفي أبريل (نيسان) الماضي، استبعد الاتحاد الأوروبي المشاركة في إعادة إعمار سوريا «إلى أن يتم الانتقال السياسي الشامل والحقيقي في البلاد». ومع ذلك، ومن الناحية العملية، كان النهج الأوروبي يتسم بالاتساق، إذ موّلت البلدان الأوروبية برامجَ إعادة البناء التي تشرف عليها الأمم المتحدة والتي تعمل بالتعاون مع النظام السوري الحاكم. ولا تزال هذه البرامج قيد العمل، أو من المقرر أن تبدأ في المناطق التي استقرت فيها الأحوال بشأن النقل القسري للسكان، مثلما هو الحال في حمص. وليست هناك ضمانات بشأن حق العودة للسكان الأصليين، أو وقف تزوير السجلات العامة، أو توقف عمليات مصادرة النظام للممتلكات في مناطق المعارضة التي استولى عليها النظام. كذلك، لم يصرّ الاتحاد الأوروبي على ضرورة رحيل الأسد عن السلطة كشرط مسبق للمشاركة في جهود إعادة الإعمار. بدلاً من ذلك، كان ممثلو الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد أقروا وبشكل متزايد أن بشار الأسد قد يلعب دوراً في الفترة الانتقالية، وربما لما بعدها أيضاً. وانقسمت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بين أولئك الذين اتخذوا موقفاً صارماً إزاء أي محاولة للتعاون مع ما يعتبرونه نظاماً عصياً على الإصلاح، وبين هؤلاء الذين يرغبون في استرضاء بشار الأسد على أمل تحقيق الاستقرار السريع، أو فتح سوق إعادة الإعمار المربحة أمام شركاتهم ووكالات التنمية لديهم. ونتيجة لما تقدم، نأى الاتحاد الأوروبي بنفسه بعيداً عن توضيح ما إذا كان الانتقال الحقيقي للسلطة ممكناً إذا ما كان الرئيس الأسد ودائرته القريبة سوف يستمرون على رأس السلطة في البلاد.
وبالتالي، تشكل جهود إعادة الإعمار معضلة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، ولا سيما مع تلاشي فرص حدوث أي تغيير حقيقي في النظام السلطوي القمعي في سوريا. وفي واقع الأمر، فإن النهج الروسي، والبروز الجريء لنظام الأسد قد أسفر عن صعوبة بالغة في تحقيق الاستراتيجية الأوروبية بشأن إعادة الإعمار. في حين أن موسكو قد صورت أنشطتها في سوريا باعتبارها تكميلية لجهود المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، بهدف التوصل إلى تسوية للنزاع عبر التفاوض المباشر، استناداً إلى اتفاقية جنيف لعام 2012، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. غير أن الأسلوب الروسي قد أدى إلى تقويض المنهج المتبع وقائمة الأولويات المتفق عليها بموجب القرار الأممي رقم 2254. وهو المحور الذي كان من المفترض أن تتمخض عنه الهيئة الانتقالية الحاكمة –والتي تتألف من ممثلين عن النظام الحاكم وقوى المعارضة– والتي تتمتع بسلطة كاملة. بدلاً من ذلك، سعت روسيا إلى إضفاء الطابع الشرعي على نظام بشار الأسد من خلال قيادة عملية للإصلاح المحدود –اشتملت على اعتماد الدستور الفيدرالي، المُصاغ في موسكو– من خلال مؤتمر للشعب السوري أو مؤتمر الحوار الوطني، الذي تعقبه الانتخابات العامة في البلاد.

الاستنتاجات والتوصيات
ومن غير المرجح أن يُسفر نهج تسوية الصراع الذي تهيمن عليه روسيا والوجود المستمر والمنتظر للميليشيات المدعومة من إيران، عن تحقيق الحد الأدنى من الإصلاحات الأمنية، والإدارية، والاقتصادية (...) وفي ظل هذه الظروف، فإن المشاركة الأوروبية في إعادة الإعمار خلال المراحل الأولى تنطوي على مخاطر تغذية الديناميات المدمرة، وإسقاط حوافز التسويات السياسية من الحسابات. وينبغي على الجانب الأوروبي الالتزام بالمنهج الموضح في استراتيجية أبريل 2017. وفي مرحلة لاحقة –ونظراً إلى الكم الهائل من الاستثمار المطلوب هناك– لن يكون النظام السوري قادراً على الاعتماد على حلفائه فحسب، كما قيل من قبل. عوضاً عن ذلك، قد يُضطر النظام السوري إلى أن ييمِّم شطر البلدان الغربية، أو الخليج العربي، ومصادر التمويل الدولية. وقد تكون هذه هي نقطة البدء في الدفع على طريق تحقيق التدابير الرامية إلى بناء المؤسسات ذات المصداقية. ولا ينبغي على المرء المبالغة في فرص النجاح، رغم أن مثل هذا التطور غير مضمون بأي حال من الأحوال، لأن النظام السوري قد يتخير الاستمرار في تحدي الشروط الأوروبية، حتى وإن جاء ذلك على حساب المعاناة الإنسانية الداخلية الكبيرة على غرار الأوضاع المزرية في كوريا الشمالية.
وفي المستقبل القريب، يمكن لبعض مناطق خفض التصعيد أن تتحول إلى منصات لإعداد الجهود الأوروبية الكبيرة في التعافي الاقتصادي – شريطة أن تستمر هذه الترتيبات، وهو الأمر المرجح في بعض المناطق (في جنوب وشمال حمص) عنه في مناطق أخرى (الغوطة الشرقية وإدلب). ويدور التحدي في أن هذه المناطق تخضع لسيطرة القوى التي لا يمكن أن تكون شريكة في إعادة الإعمار، مثل الجماعات وثيقة الصلة بتنظيم «القاعدة»، مما يعني أن الدعم تمكن إدارته فقط من خلال منظمات المجتمع المدني بدلاً من المجالس المحلية والحكومة المؤقتة. كذلك، فإن المعارضة هي أكثر من يعاني من الانقسام فيما يتعلق بالسيطرة الفعلية إزاء صعوبة إدارة المشاريع الموسعة في مختلف أرجاء منطقة خفض التصعيد.
لذا، سوف يتعين على الجانب الأوروبي أن يبحث عن مقاربات مصمَّمة خصيصاً، كلٌّ لغرضه، تبعاً للظروف والشركاء المتاحين في كل مجال من المجالات. ومن شأن هذه المقاربات التركيز على المساعدات الإنسانية، والتعافي الاقتصادي المبكر، ودعم المنظمات المجتمعية غير العنيفة –وليس أقل من مكافحة دعاية المتطرفين ونفوذهم– فضلاً عن الدعم المتواصل للحكومة المحلية، كلما أمكن. ومن غير المعقول الاعتقاد بأنه في ظل أنواع الدعم المقدمة، سوف يكون المرء قادراً على إقامة «جزر الاستقرار»، والتي قد تكون الأساس الذي ينبني عليه الاستقرار في كل ربوع البلاد. ولكن ينبغي على الجانب الأوروبي السعي جاهداً لمساعدة الهياكل المدنية والحكومية المحلية على الصمود والاستمرار.
وينبغي أيضاً للمساعدات الإنسانية، وتوفير الخدمات الأساسية، ودعم المجتمع المدني، أن تكون ركيزة الدعم الأوروبي في المناطق الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، والتي أصبح قمع قوات المعارضة والناشطين المستقلين، وعمليات التجنيد الإجبارية، من المشكلات الرئيسية هناك، على الرغم من الصورة التقدمية والشاملة التي يعكسها حزب الاتحاد الديمقراطي.
وبدلاً من التفكير في إعادة إرسال اللاجئين إلى الأحوال التي تتعرض حياتهم ووجودهم في ظلها للخطر، على الجانب الأوروبي إيلاء مزيد من التركيز على بناء الموارد البشرية السورية في البلدان المجاورة وبين صفوف اللاجئين في مختلف أنحاء أوروبا.



من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب الدكتورة إيما غولدينغ، طبيبة تجميل ومؤسسة عيادة د. إيما غولدينغ للتجميل ، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.