مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر

الحركة الصهيونية تلاعبت بالسرديات التاريخية والأساطير الدينية

مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر
TT

مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر

مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر

وفق توني غرينستاين، فإن آخر كلمات المؤرخ اليهودي سيمون دبنو لرفاقه قبل إعدامه على أيدي النازيين في غيتو العاصمة اللاتيفية ريغا يوم الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 1941 كانت «اكتبوا وسجلّوا». ربما كان على الرجل أن يضيف لوصيته تلك قبل رحيله الحزين، «وقارنوا أيضاً».
لقد عملت الحركة الصهيونية العالمية باجتهاد بالغ على تجريم مقارنة سلوكيات الكيان العنصري في إسرائيل بممارسات النازية، وألقت بتهم جاهزة عن العداء للسامية على كل من يحاول أن يواجه إجرام سلطات الاحتلال الإسرائيلي أو المستوطنين، ونجحت في دفع حكومات 31 دولة للتوقيع على تفاهم يمنع المقيمين فيها من الإشارة إلى أي نقاط تشابه بين السياسات الإسرائيلية الحالية وسياسات دولة الرايخ الرابع. وقد لحقت بتلك الحكومات دول أخرى، مثل بريطانيا التي قررت تبني هذا التفاهم طوعيّاً دون اعتباره ملزماً قانونياً.
لكن المراقب المنصف لابد وسيُدفع حتماً إلى عقد مقارنات تكشف عن الطبيعة الإجرامية والعنصرية للحركة الصهيونية، التي من خلال تسويقها مرحلة الهولوكوست على يد النازيين الألمان (1941 - 1945)، بوصفها نموذج المذبحة الأبشع في تاريخ البشر، نجحت في احتكار تمثيل الهوية اليهودية عبر أصقاع العالم، بدلاً من صورتها الحقيقية كابنة مدللة للاستعمار الغربي تحولت إلى سلطة احتلال تقوم على أساس رجعي عنصري شديد التداخل مع المشاريع الإمبريالية العالمية، وتورطت في أعمال تطهير عرقي يندى لها الجبين ضد الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين. بل إن مصادر تاريخية متقاطعة تشير إلى تعاون فعلي أبعد من مجرد التحالف الموضوعي بين النازية والصهيونية منذ وقت مبكر، إذ منع الصهاينة سقوط نظام هتلر في بداياته الأولى من خلال توقيع اتفاقات تعاون تجاري، وكذلك بذل الجهد لمنع مقاطعة اقتصادية شاملة يقودها اليهود من التسبب بانهيار الاقتصاد الألماني، إذ كان ذلك سيؤدي في الوقت ذاته إلى تضاؤل ثروة اليهود الألمان الهائلة. كما ولا ينكر عاقل أن مأساة الهولوكوست تحديداً هي التي مكنت الحركة الصهيونية من إقامة دولتها على الأراضي الفلسطينية، وهي الحركة التي كانت قبل ذلك مجرد أقلية بين الشعب اليهودي - إذا جاز وصف اليهود بالشعب -.
لقد حاول يهود أوروبيون كثر الانخراط في منظومة العرق الأبيض المتفوق من خلال ادعاء الانتماء إلى مجموعة قيم مشتركة وثقافة واحدة لكن دون نجاح يذكر، وبحد أقصى كانوا يُستخدمون لخدمة تلك المنظومة في مرحلة سياسية معينة قبل أن يُلفظوا من جديد.
هذا الأمر دفع بالصهاينة إلى التشبيك مع المجتمعات الغربية من خلال التعاون العضوي في المصالح كوسيلة وحيدة للالتقاء داخل دائرة واحدة، ولذا فقد تحوّلت الصهيونية - التي هي نتاج عقل عنصري منحرف - إلى الارتباط بنزعات ثقافات الاستعلاء القومي والاستشراق التي سادت الغرب في مراحل هامة من القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي الثقافات التي بررت ونظَّرت ومررت كل مثالب العنصرية والانحياز الأعمى والاحتلالات العسكرية، كما تنفيذ أعمال القتل والقمع والطرد الممنهج. كان الغربيون وقتها يوظّفون أسطورة العرق الأبيض كأداة للتحكم بعواطف المواطنين وغضبهم، وتوجيهها نحو الآخر المختلف لإبقائهم بعيدين عن فهم أبعاد الهيمنة التي تمارسها الطبقات الحاكمة، وهو ما كان كارل ماركس قد حذّر منه في محاججاته في كتاب «المسألة اليهوديّة» حتى قبل عقد المؤتمر الصهيوني الأول. وبالفعل فإن الغرب العنصري استهدف اليهود تحديداً غير مرة في كل أوروبا من روسيا القيصرية إلى بريطانيا الفيكتورية بالقتل والعزل والتهجير، لكن حكماء الحركة الصهيونية أدركوا ذلك مبكراً، ولم يجدوا غضاضة مطلقاً في الالتحاق غير المشروط بالكولونيالية الرأسمالية الأوروبية - ولاحقاً بالإمبراطورية الأميركية - من خلال خدمة الدوائر الاستعمارية في تلك المجتمعات، ولو كان ذلك أحياناً على حساب مجموعات محددة من اليهود. فلم يتردد الصهيوني بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، في التعبير علناً عن استعداده للتضحية باليهود الأفراد إذا كان وجودهم يتسبب بالخطر للمشروع الصهيوني بالمجمل. كما تظهر الوثائق التاريخية أن العمل على تأسيس مشروع «هولوكوست» للضغط على يهود العالم، ودفعهم للمشاركة بالعمل الصهيوني بدأ مبكراً، بينما كان معظم اليهود الذين يُعتقد أنهم لقوا حتفهم في الهولوكوست فعلاً لا يزالون أحياء، ولم تكن الوكالة اليهودية لغايتها قد صرحت بما يفيد بحدوث انتهاكات جسيمة ضد اليهود في قلب أوروبا هتلر.
تلاعبت الصهيونية بالسرديات التاريخية والأساطير الدينية، وتاجرت بمعاناة اليهود في أوروبا، لتبني مشهداً يمكن فيه قيام دولة يهودية خالصة على الأرض التاريخية المزعومة في فلسطين يحقق حلم ثيودور هيرتزل في حل مسألة «العداء للسامية» للأبد، ولو جاء ذلك على حساب التغاضي عن سقوط ملايين اليهود ضحايا. وقد أُعيد توظيف حكايات المعازل اليهوديّة (الغيتوهات) والهولوكوست محض الأوروبيّة لتبرير الاستمرار اليومي لدولة غزاة مستوطنين، ذات نفس عنصري بغيض قائم على أساس العسكرة، ولعب دور القاعدة المتقدمة للمصالح الغربية في قلب الشرق، ودائماً على حساب سكان البلاد الأصليين. لا تزال الدولة العبرية إلى اليوم توظف المشهدية ذاتها التي تحتكر دور الضحية لاستقطاب يهود أوروبيين وأميركيين للبلاد، ولاستمرار ضمان تفوق عسكري نوعي حاسم عبر منطقة الشرق الأوسط، وكذلك تبرير جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب الآخرين.
ومع ذلك فإن يهوداً قلائل وجدوا، ومنذ البدايات الأولى للمشروع الصهيوني، تناقضات ومفارقات بين الأدوار السياسية الفعلية للحركة الصهيونيّة - ولاحقاً دولتها في فلسطين المحتلة - والغايات المعلنة التي تدّعي تحقيقها لضمان حماية الشعب اليهودي من الاضطهاد. مثلاً في نوفمبر (تشرين الثاني) 1948 وبعد أسابيع من إعلان قيام الدولة العبرية تسلم إيعازر بيري رئيس تحرير جريدة «عل - همشمار» اليسارية رسالة من بيني موريس كشف فيها عن مجزرة مروعة ارتكبها الإسرائيليون بحق عرب الدوايمة، وكتب عن ذلك أهارون كايسلنغ أول وزير للزراعة في إسرائيل يقول: «لم أستطع النوم طوال الليل. إن هذه المذابح تشكّل شخصية دولتنا الجديدة. اليهود بدورهم قادرون على ارتكاب جرائم نازية فظيعة». كما وصف ضابط كبير من ميليشيات «الهاغانا» مذبحة قرية الصفصاف التي قتل فيها ما يقارب السبعين من سكانها بدم بارد، رغم أنهم استسلموا ورفعوا الراية البيضاء. فكتب يقول عن رفاقه «يا إلهي أين تعلم هؤلاء القدرة على تنفيذ كل ذلك القتل البشع كما كان يفعل النازيّون؟». ومن المعروف الآن أن 750 ألفاً من يهود أوروبا الذين نجوا من الهولوكوست، وهاجروا إلى إسرائيل، حُرموا من الحصول على أي تعويضات في الوقت الذي كانت مليارات الدولارات تتساقط على إسرائيل من كل مكان - بما فيها ألمانيا نفسها - كتعويضات. وحتى في أوقاتنا الراهنة، فعندما حوكم جندي إسرائيلي لقتله عام 2016 وبدم بارد فلسطينياً مصاباً خرجت مظاهرات حاشدة للدفاع عن القاتل، وأعرب 57 في المائة من الإسرائيليين عن تأييد ما قام به، بينما عارضه 20 في المائة فقط. اللافت أن الهتافات واللافتات التي حملها الإسرائيليون وقتها كانت تقول بـ«الموت للعرب»، تماماً على نسق الصرخة النازية «الموت لليهود».
استمر الصهاينة المتطرفون في السيطرة على مفاصل الدولة العبرية منذ التأسيس، ولم يسمحوا لأي من هذي الأصوات المغردة خارج السرب بالتحول إلى تيار عام، وانتهى جميعهم إلى التخوين والعزل. وتحوّل الصهاينة منذ العام 1956 عن أولوية خدمة المصالح الاستعمارية الأوروبية في الشرق إلى الانخراط الكلّي في المشروع الإمبراطوري الأميركي دون كبير التفات لمصالح اليهود الفعلية خارج الكيان العبري، أو حتى مجرد التفكير في خطورة الاستمرار بقمع الفلسطينيين ومعاداة الإطار العربي لمستقبل الأجيال اليهودية القادمة، ناهيك عن النظرة الفوقية لليهود الغربيين (الإشكناز) تجاه يهود الشرق (السفارديم)، وتبني المؤسسة الإسرائيلية لهوية بيضاء عنصرية تجاه كل الآخرين، بما فيهم يهودها ذوو الأصول العربية.
استمر الصهاينة دهراً في سياساتهم هذي حصل خلالها اليهود عموماً، والإسرائيليون منهم تحديداً على فرص وصدمات تاريخية عدة، كان أي منها كافياً لدفع عقلاء اليهود لإعادة النظر في خطف الصهيونية للدين اليهودي، ومراجعة اصطفافاتها الدائمة مع القوى الإمبرياليّة الغربية، لا سيما في وجه الصعود الثاني للموجة الفاشية الأخيرة على جانبي الأطلسي. فمن مذابح 1948 وتهجير الفلسطينيين من بلادهم إلى احتلال القدس وأراضٍ عربية أخرى عام 1967، ومن اجتياح لبنان عام 1982 إلى سياسات إسرائيل القمعية اليومية بحق السكان المحليين في الأراضي العربية المحتلة. وتأتي موضوعة الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل ونقل مقر سفارتها إلى هناك بدلاً من تل أبيب، لتصبح ربما آخر الصدمات الحاسمة للعقل اليهودي المعاصر، الذي بات وبشكل متزايد تحت ضغط مفارقة أن يحسم أمره فيما إذا كان يريد إبقاء يهوديته (وقضيته المزعومة) في خدمة قوى الإمبريالية العالمية من خلال التسليم التام لهيمنة النخبة الصهيونية الحاكمة في البلاد، أو يتخذ قراراً بالاستغناء عن الأداة السياسية لمصلحة هوية دينية لا قومية تسمح ليهود العالم، بما فيهم يهود إسرائيل تحديداً، بممارسة دينهم وتقاليدهم الثقافية، وتمنحهم فرصة الانخراط في المجتمعات الحديثة على نسق ما سماه إسحق دويتشر بـ«اليهودي اللايهودي» دون معاداة قطاعات عديدة من مواطنيهم وجيرانهم، وبالتأكيد ليس على حساب الفلسطينيين، خصوصاً وأن طبيعة المجتمعات المعاصرة تغيّرت بشكل كبير خلال المائة سنة الأخيرة منذ إطلاق المشروع العبري في الشرق العربي تحت رعاية المستعمرين، وأن ثياب الديمقراطية والليبرالية المزيفة قد سقطت عن السلطات الإسرائيلية إلى الأبد.
ربما تكون القدس فرصتهم الأخيرة.



السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.