موقع «نيت أبورتيه»... يتصدى للمنافسة بخدمات وتطبيقات متطورة

رئيسته أليسون لوهنيز: زبونة اليوم يمكن أن تشتري ساعة يد بسعر 140.000 يورو من هاتفها

أليسون لوهنيز لدى حضورها عروض باريس لربيع وصيف 2018 - خلال أسبوع لندن لربيع وصيف 2018 - أليس لونيز في مقر «نيت أبورتيه» الرئيسي
أليسون لوهنيز لدى حضورها عروض باريس لربيع وصيف 2018 - خلال أسبوع لندن لربيع وصيف 2018 - أليس لونيز في مقر «نيت أبورتيه» الرئيسي
TT

موقع «نيت أبورتيه»... يتصدى للمنافسة بخدمات وتطبيقات متطورة

أليسون لوهنيز لدى حضورها عروض باريس لربيع وصيف 2018 - خلال أسبوع لندن لربيع وصيف 2018 - أليس لونيز في مقر «نيت أبورتيه» الرئيسي
أليسون لوهنيز لدى حضورها عروض باريس لربيع وصيف 2018 - خلال أسبوع لندن لربيع وصيف 2018 - أليس لونيز في مقر «نيت أبورتيه» الرئيسي

كان اللقاء مع أليسون لوهنيز، رئيسة أشهر موقعي تسوق في العالم «نيت أبورتيه» ومستر بورتر» في مقرهما الرئيسي في الطابق العلوي من مجمع التسوق «ويستفيلد» بمنطقة «شيبرد بوش».
وصلت إلى المكان قبل الوقت بربع ساعة تقريباً لأن سُمعتها تسبقها، بأنها، مثل ساعة سويسرية، دقيقة في مواعيدها. لم تكن لدي أدنى مشكلة أن أنتظر، فقد كنت أستمتع بما يشبه عرض أزياء عارضاته فتيات في عمر الزهور يتنقلن ما بين الأقسام في أزياء تعكس شخصية كل واحدة منهن. فهناك من كانت تلبس فستانا طويلا من الموسلين مع جاكيت من الجلد، ومن كانت تلبس بنطلون جينز ممزقا مع كنزة صوفية سميكة بحجم كبير وهلم جرا.
على الساعة الحادية عشرة بالتمام، فتحت أليسون لوهنيز باب مكتبها مؤكدة لي ما سمعته عنها من احترام للوقت. عرفت بنفسها وابتسامة واسعة تعلو محياها، لتسألني عن آخر مرة زُرت فيها المقر. كان ذلك منذ أكثر من ثلاث سنوات، أي قبل أن تتسلم المشعل من مؤسسة الموقع ناتالي ماسيني، ولحد الآن لا أعرف ما إذا كانت ابتسامتها أم نظرتها المُشجعة هي التي جعلتني أتبرع بالقول إن هناك تغييرا ملموسا في المكان. لم يعد باردا ومنظما بشكل مبالغ فيه، فقد اكتسب نوعا من الفوضى الإيجابية، تظهر في تراكم مجلات موضة على مكاتب العاملات. تضحك وهي توافقني الرأي بأن أشياء كثيرة تغيرت منذ آخر زيارة لي، فـ«ثلاث سنوات فترة طويلة جدا في عالمنا» حسب قولها. وتابعت أن التغيير طبيعي، بل هو أهم عنصر في مجال الموضة عموما والتسوق الإلكتروني خصوصا.
تسلمت أليسون لوهنيز رئاسة أهم موقع تسوق للمنتجات المترفة في العالم منذ ثلاث سنوات فقط، لكن علاقتها بالموقع تمتد إلى عشر سنوات. فقد التحقت به في عام 2007 وعملت حتى عام 2015 خلف الكواليس. ترأست أقساما مهمة مثل التسويق والعلاقات العامة والتسوق الخاص الأمر الذي يجعلها تعرف كل صغيرة وكبيرة فيه.
تدرجها الوظيفي الصاروخي إلى القمة يؤكد أنها امرأة غير عادية. فرغم أنها درست الفن أساسا إلا أن قدرتها على تطويع الأرقام والحسابات وإدارة فريق عمل ضخم وكأنه ثكنة عسكرية يشهد على هذا.
ولدت في مانهاتن لأم تركت مهنة التعليم لتعمل في مجال الإعلانات وأب كان يعمل في مجال الموضة. درست تاريخ الفن في جامعة براون، لكنها اكتشفت بعد التخرج أن اختراق مجال الفن مهمة صعبة كما أنه لا يُسمن ويُغني من جوع، لأنه لم يكن منتعشا في ذلك الوقت، لهذا تسللت بخفة إلى عالم الموضة. تدرجت في عدة وظائف مستغلة إلمامها بمجال الإعلانات، إذ عملت مع «ساتشي أند ساتشي»، التي تقول عنها إنها كانت تجربة ممتعة ومفيدة في الوقت ذاته، لأنها قدمتها إلى العمل الإداري لأول مرة. بعدها تدرجت في وظائف أخرى قبل أن تلتحق بمجموعة «إل في آم آش» و«توماس بينك». كل هذه التجارب مهدت لدخولها موقع «نيت أبورتيه» في عام 2007. لم يكن عالما غريبا عليها، كما لم يكن إيقاعه المتسارع صعبا عليها. فقد استطاعت أن تواكبه بسهولة بما في ذلك التكنولوجيا.
اهتمامها بهذا الجانب كان واضحا، إلى حد أنها كانت هي من بادرت بفتح الموضوع عن مدى أهمية التكنولوجيا في الحياة المعاصرة، وكيف تتطور بشكل يومي. تُؤكد أن من لا يملك مفاتيحها يتخلف عن الركب، لهذا كان لا بد لها من تطويعها لصالح الزبون حتى تحافظ عليه، وفي الوقت نفسه تحافظ على مكانة الموقع كأهم موقع تسوق للمنتجات المترفة. «معانقتنا للتكنولوجيا لم يكن على أساس أنها موضة العصر أو أنها نزوة عابرة بل هي نتاج دراسة وافية لزبونتنا وأسلوبها في التسوق، توصلنا من خلالها إلى توفير تجربة ممتعة لها». تقول إن ما كشفته الدراسة أن نسبة عالية من نشاطات هذه الزبونة تتم عبر الآيفون. فالهاتف الآن يعتبر رفيقا لا تستغني عنه في كل مكان أو زمان «إلى حد القول إنها تستعمله لزيارة الموقع وهي تنتظر سائقها الخاص أو هي في القطار، لهذا فإن التطبيق الذي وفرناه على الآيفون يجعل كل هذا ممكنا وسهلا».
بعد ربع ساعة تقريبا من الحديث المفصل عن دور التكنولوجيا وكيف تم توظيفها لمصلحة كل من زبونة «نيت أبورتيه» وزبون «مستر بورتر»، تتدارك قائلة: «أنا لست خبيرة تكنولوجيا، لكني محظوظة لأنه لدي فريق متخصص في هذا المجال، بينما يتمحور دوري في دراسة ميول الزبون من خلالها حتى نقدم له ما يطلبه، خصوصا أنه يتواجد في كل أنحاء العالم، وينتمي إلى ثقافات مختلفة، سواء كان رجلا أم امرأة».
من تابع ولادة الموقع منذ 17 سنة تقريبا، يتذكر الشكوك التي رافقت انطلاقته. لم يكن أحد يتصور أن يغير ثقافة التسوق بهذا الحجم، ويجتاح العالم فيما يمكن وصفه بالثورة. الآن ورغم أنه لا يزال رائدا وفي المركز الأول، فإن مواقع أخرى دخلت على الخط. تنافسه وتطمح لأخذ نصيبها من الكعكة. هذه المنافسة تحفز لوهنيز أكثر مما تُقلقها، لأن المشكلة لا تكمن في المنافسة بقدر ما تكمن في الحفاظ على ولاء الزبائن في عالم متغير. «أحاول تذكير فريق العمل دائما بأن الزبون لا يعرف أو يتذكر، وربما لا يهتم بمن كان الأول. إنه زبون يعيش اللحظة ويسعى لمن يوفر له الخيارات الأفضل والخدمة الأسهل».
هذا لا يعني أنها لا تتابع السوق لتعرف من هم منافسوها، كل ما في الأمر أن أولويتها تتلخص في تقديم خدمة مميزة «وضرورة الإبقاء على ولاء زبوناتنا بتوفير خدمة متكاملة وليس مجرد منتجات للبيع وآخر صيحات موضة». هذه الخدمة تتمثل في توفير معلومات مُفصلة عن كل قطعة، بدءا من نوعية قماشها إلى كيفية تنسيقها والاستفادة منها بأشكال متنوعة من خلال صور تُلتقط من كل الزوايا وأشرطة فيديو مصورة وتفاعل مع خبراء أزياء عبر الهاتف أو الإيميل.
الآن أصبح الموقع أكبر محل مفتوح في العالم يستقبل الملايين من الزبائن سنويا. فـ«نيت أبورتيه» مثلا يضم ما لا يقل عن 650 ماركة، بينما يضم «مستر بورتر» الموجه للرجل 400 ماركة، وفي كل موسم تتغير المنتجات لتلبي تلهف الزبائن للجديد. هذا النجاح والثقة التي أصبح الموقع يحظى بها، شجعا أيضا صناع الساعات والمجوهرات الرفيعة على الالتحاق به، مثل «بوتشيلاتي» و«شوبار» و«تيفاني» و«كارتييه» وغيرها من البيوت التي كان من الصعب تصور تواجدها في موقع إلكتروني منذ بضع سنوات فقط. فشراء قطعة مجوهرات تقدر بمئات الآلاف من الدولارات، تُحركه العاطفة ويحتاج إلى كل الحواس، لكنها بالنسبة للوهنيز تطور طبيعي تفرضه ثقافة العصر. «شراء المجوهرات الرفيعة لا يختلف عن شراء الأزياء، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن فستانا من (دولتشي آند غابانا) قد يكون أغلى من سوار من الذهب من (بياجيه) مثلا».
ومع ذلك لا تختلف بأن زبونة المجوهرات الرفيعة تعودت طويلا على اقتنائها من محلات وأسماء تثق فيها، وبأن جذبها للشراء من الموقع من دون لمسها وتجربتها كان تحديا كبيرا. تقول: «كان لا بد أن نبحث عن طريقة مبتكرة تُغريها بالشراء من الموقع، وتُعوضها عن اللمس والتجربة. واكتشفنا أننا يمكن أن ننجح في ذلك إذا استعرضنا لها جمالياتها بالصور وبوضعها في إطار أنيق وبأبعاد ثلاثية. قدمنا لها أيضا اقتراحات من خبراء أزياء ومجوهرات عن كيف يمكنها أن تنسقها بشكل يُبرز أناقتها أكثر.
بعبارة أخرى لم نطرحها على أنها مجرد ساعة أو أقراط أذن أو قلادة غالية تُحفظ في صناديق للاستعمال في مناسبات خاصة، بل اقترحناها كأسلوب حياة، سواء لزبائن أثرياء يعرفون هذه الماركات ويثقون فيها أو لزبائن جدد يكتشفونها لأول مرة». أرقام المبيعات تؤكد أنها كانت استراتيجية ناجحة، والدليل أن ساعة من «كارتييه» بيعت بـ140.000 يورو عبر الآيفون.
كلما تطور الحديث بيننا شعرت وزادت قناعتي بأني أمام امرأة لا تعترف بالصعوبات. فهي أم وزوجة وقائدة وسيدة أعمال وسيدة مجتمع بحكم مركزها الذي يتطلب منها حضور عدة فعاليات، ومع ذلك تبدو متحكمة في زمام الأمور. فهناك دائما وقت كاف تخصصه لأبنائها وزوجها حتى لا يكون نجاحها المهني على حساب حياتها الخاصة.
اللافت أن الأمر بسيط وطبيعي لا يحتاج إلى كل هذا الإعجاب أو الاستغراب. فقد شبت في أسرة تُقدر عمل المرأة خارج البيت وتعتبره بديهيا «فمنذ طفولتي وأنا أرى والدتي تخرج للعمل، من دون أن تشعرني يوما بأنها مقصرة في حق أسرتها».
بيد أنها تعترف بأن كونها منظمة جداً لعب دورا كبيرا في توصلها لتحقيق توازنها الخاص، «أنا لا أقوم بأي خطوة من دون قائمة أعمال أحدد فيها كل خطوة سأقوم بها خلال اليوم حتى أنجز كل ما يتطلبه عملي مني، بينما أخصص ما تبقى لي من الوقت لأولادي». وتتابع بابتسامة تريد أن تقول من خلالها إني أفهم ما تقصده: «طبعا هذا يأتي على حساب أشياء أخرى مثل قضاء أوقات مع الأصدقاء والسهر معهم، ومع ذلك لا أشعر بأني مقصرة في هذه الناحية بحكم ما يتطلبه عملي من حضور حفلات وفعاليات اجتماعية كثيرة». على هذه النغمة أنهت المقابلة لتؤكد لي ما سمعته عنها بأن الوقت بالنسبة لها فعلا من ذهب وأن كل دقيقة وثانية لها حساباتها.


مقالات ذات صلة

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

لعب العرض على فكرة السفر والترحال، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تفخر الدار الإيطالية التابعة حالياً لمجموعة «إل في إم إتش» الفرنسية بمهارتها في نسج أرق خيوط الصوف في العالم

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)

أناقة شتاء 2026... أزياء دافئة وطبقات متعددة

عندما تنخفض درجات الحرارة وتتلون السماء بالرمادي، تتغير الأولويات. لكن رحلة البحث عن الدفء لا تعني التنازل عن الأناقة بأي شكل من الأشكال. بل على العكس، يُفضِل…

«الشرق الأوسط» (لندن) «الشرق الأوسط» (لندن)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.