«حركة النجباء العراقية»... تنظيم غامض في ساحة الإرهاب

تعتبر «حزب الله» اللبناني قدوتها ومثالها الأعلى

تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
TT

«حركة النجباء العراقية»... تنظيم غامض في ساحة الإرهاب

تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})

سلط مشروع القرار المعروض على الكونغرس الأميركي، الذي يقضي بإدراج «حركة النجباء» العراقية بزعامة أكرم الكعبي في قائمة الجماعات الإرهابية، الضوء على الدور الخطر الذي تلعبه الميليشيات الطائفية في الأزمتين السورية والعراقية. ذلك أن الصراع الإقليمي والدولي الدائر في منطقة الشرق الأوسط منحته السياسة الإيرانية بالمنطقة أبعادا دينية مذهبية وعسكرية؛ مما جعل من الميليشيات المسلحة جزءا من أدوات السياسة الخارجية والحروب بالوكالة. وربما هذا ما يفسر كون مشروع القانون الذي سُلم لمجلسي النواب والشيوخ الأميركيين يتضمن كذلك وضع حركة «عصائب أهل الحق» و«كتائب (حزب الله) - العراق» على لائحة الإرهاب مطالبين إدارة الرئيس دونالد ترامب بحظر هذه التنظيمات وكذا معاقبة مسؤوليها والمرتبطين بها، مع اعتماد هذا القانون في أجل لا يتجاوز 90 يوماً.
كما سبقت الإشارة «حركة النجباء» ميليشيا طائفية تأسست على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي. وهي تنظيم مذهبي مسلح مختلف عن تنظيم «حزب الله» اللبناني وفروعه القديمة بالعراق وبعض الدول العربية؛ رغم الخلط الذي يقع لبعض المتابعين، بسبب التداخل المرجعي بين التنظيمين. وهما يرتبطان بعلاقات جيدة، حيث جمعت بين قيادة التنظيمين اجتماعات عدة، وأكد الكعبي أنه اجتمع بحسن نصر الله منذ سنة 2004 «بحضور الحاج القائد عماد مغنيّة الذي تشرّفت بإشرافه على أولى دوراتي العسكريّة». وسبق للكعبي أن صرح في إحدى زياراته لطهران أن هناك مستشارين عسكريين من تنظيم «حزب الله» دخلوا للعراق قبل الانسحاب الأميركي 2011 «ينقلون خبرتهم في مقاومتهم ضد إسرائيل إلى العراق»؛ وبالتالي تعتبر «حركة النجباء» تنظيم «حزب الله» اللبناني قدوتها ومثالها الأعلى. أما عن علاقة زعيم «النجباء» بقاسم سليماني، فيقول عنها الكعبي: «نتشرف بكوننا من نفس المدرسة العسكرية - الآيديولوجيّة».
من جهة أخرى، فإن حركة «النجباء» لا يجب أن تفهم باعتبارها فصيلا من داخل الحشد الشعبي، بل هي أكبر من ذلك، من حيث الوظيفة والغاية الاستراتيجية من تكوينها. فهي مستقلة عن فصائل الحشد ولا تتبع بأي شكل من الأشكال للحكومة العراقية؛ بينما ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني بعلاقات مباشرة من حيث التمويل والتدريب والتجهيز. وفي ذلك يقول زعيم هذه الميلشيات: «دعم الحرس الثوري لحركة النجباء جيّد عبر كل المستويات ويتمّ بصورة مباشرة لنا. أما نحن كحركة النجباء فلا نتبع تنظيميّا للحشد الشّعبي إنّما نشرف على إدارة لواءين في الحشد، أفرادهم مرشّحون ومدرّبون ومجهّزون من قبل الحركة التي تشارك ميدانياً عبر الإشراف وإدارة تلك القوّات عبر كوادرنا».
ويبدو أن مسار حياة زعيم التنظيم، يفسر طبيعة تطور التنظيم أيضا؛ إذ ولد أكرم الكعبي في سنة 1977. ويعتبر الرجل من تلاميذة الإمام الصّدر الثّاني، وعمل إمام جمعة بمدينة المسيب. عهدت إليه قيادة جيش المهدي في معركة النّجف الثّانية 2004؛ بعد ذلك خضع لدورات في العلوم العسكريّة والإدارة الاستراتيجيّة بإيران. كان من مؤسّسي ميليشيا «عصائب أهل الحقّ»، وأصبح أميناً عامّاً لها بعد أن اعتقل البريطانيون الأمين العام للتنظيم قيس الخزعليّ. ولكن بشكل مفاجئ ترك الكعبي العمل العسكري وتفرغ للعلوم الدينية بإيران، ليعود للساحة بداية الحرب السورية متزعما ميليشيا عراقية للدفاع عن النظام السوري.
يمكن القول إن الكعبي لم يكن مشهورا لا من الناحية الدينية ولا العسكرية، إلا بعد سنة 2007. فقد ساعد خلاف داخلي للتيار الشيعي الذي يتزعمه المرجع مقتدى الصدر، وما صاحب ذلك من مواجهات عنيفة بين الميليشيات الشيعية والحكومة، على ظهور الرجل في الساحة العسكرية الشيعية العراقية. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الكعبي كان ضمن رجال جيش المهدي؛ وعهد إليه تنظيم إدارة العمل الثقافي لمركز الشهيدين الصدريين في النجف الأشرف.
ونظرا لتقلبات المشهد السياسي الشيعي الذي عكس نتائج المواجهات العسكرية، بين مقتدى الصدر وطيف واسع من المرجعيات السياسية والدينية والعسكرية الشيعية، جمد مقتدى الصدر جيش المهدي سنة 2007، كما أن الهزيمة التي تلقاها هذا التيار، أدت إلى مغادرة قياديين بارزين لجيش المهدي، حيث أسس أكرم الكعبي وقيس الخزعلي ميليشيا طائفية جديدة سميت «عصائب أهل الحق». وكان الكعبي هو نائب الأمين العام للتنظيم الوليد، والمسؤول العسكري لـ«عصائب أهل الحق» العراقي، فيما شغل قيس الخزعلي الناطق الرسمي للتيار الصدري؛ غير أنه انشق عنه، احتجاجا على وقف العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية في النجف وبغداد، من طرف مقتدى الصدر سنة 2004.
وبعد عملية اختطاف البريطانيين قاد الكعبي المفاوضات، لإطلاق سراح الخزعلي وسجناء من جيش «المهدي» و«العصائب»؛ وأدى نجاحه في التفاوض لمنح الرجل دفعة جديدة، خاصة بعد الدعم الكبير الذي تلقاه الكعبي من القيادة الإيرانية. وربما هذا ما دفع الولايات المتحدة إلى اعتبار مؤسس «النجباء» مقاتلا من مقاتلي إيران بالعراق، واعتبرته وزارة الخزانة الأميركية منذ سنة 2008 فردا يهدد استقرار وسلام العراق؛ وجمدت واشنطن أصوله المالية ومنعت التعامل معه.
يتميز زعيم «النجباء» بخلطه بين الشخصية الدينية والقيادة العسكرية، مع التسليم بالمرجعية العليا للولي الفقيه بإيران. وهذا التحول الديني المرجعي الذي حدث له بعد الخروج من التيار الصدري، هو من الأسباب الجوهرية التي دفعت بالكعبي، للانتقال من مجرد قائد في «جيش المهدي»؛ إلى مؤسس لميليشيا «عصائب أهل الحق» رفقة صديقه، قيس الخزعلي.
ويبدو أن التحول المرجعي الذي تحدثنا عنه أعلاه، سيكون وراء ظهور تنظيم يلعب دورا دقيقا، وغامضا وخطرا. حيث تحدث بعض الخبراء العسكريين والباحثين في الشأن العراقي، أن الحرس الثوري كلف ميليشيا النجباء بمساعدة طهران في إنشاء طريق إمداد يصل إلى دمشق عبر العراق. ويبدو أن هذه الوظيفة الاستراتيجية تحتكرها جماعة الكعبي رغم كثرة فصائل الحشد الشعبي المتعددة والمتنوعة؛ سواء المتعلقة بمرجعية الولي الفقيه أو بمرجعية السيستاني بالعراق. وفي هذا الصدد، تشير أحدث الإحصاءات، أن نحو 65 في المائة من فصائل «الحشد» إلى حدود منتصف 2017، تابعة لمرجعية الولي الفقيه بطهران، فيما 25 في المائة فقط، تتبع مرجعيا السيستاني.
وفي هذا السياق يمكن تفسير التوسع والنمو السريعين لتنظيم النجباء منذ سنة 2013. فهذا التنظيم يتطور بشكل غامض وغير طبيعي، كما أنه استطاع أن يلعب أدوارا أكبر من عمره الزمني وخبرته العسكرية والميدانية، في كل من العراق وسوريا. الشيء الذي يطرح تساؤلات عدة عن مكونات التنظيم البشرية، هل هي عراقية صرفة، أم فيها شخصيات من «حزب الله» اللبناني ومن «الباسيج» الإيراني؟، ففي الواقع لا يزال الغموض يلف طريقة عمل «اللواء عمار بن ياسر»، الذي تمركز منذ بداية دخول «النجباء» في حلب؛ والشيء نفسه يمكن قوله عن «لواء الحسن المجتبى» الموجود في دمشق.
في هذا الإطار تتحدث الأدبيات الدارسة لهذا التنظيم العراقي المنشأ والإيراني المرجعية؛ أن «النجباء»، أسست مطلع سنة 2013 «لواء عمار بن ياسر» بهدف القتال إلى جانب النظام السوري. غير أن حركة «النجباء» انفصلت عن «عصائب أهل الحق» بعد وقت قصير جدا. وهكذا ظهر أكرم الكعبي، على الساحة العراقية باعتباره شخصية مهمة مثل أبي يحيى المهندس، وهادي العمري زعيم ميليشيا بدر.
بل يمكن القول إن العلاقة الحقيقية بين الحرس الثوري، و«النجباء» لم يسلط عليها الضوء لحد الآن، وإن التجنيد الإيراني لهذه الميليشيات له بعد استراتيجي مستقبلي، يتجاوز الدور التقليدي لميليشيا بدر العراقية الموالية لطهران منذ الحرب العراقية الإيرانية إلى اليوم. ذلك أن طبيعة التنظيم، والاستقلالية التي تصر «النجباء» عليها ضمن «الحشد الشعبي»، تثير كثيرا من التساؤل. ومعلوم أن زعيم ميليشيا «النجباء» لا يخفي ارتباطه بالحرس الثوري، إذ يقول الكعبي: «نحن لا نخفي الدعم الفني واللوجيستي من قبل إيران لنا، وعلى كل المستويات من ناحية التدريب والتسليح، وتقديم المشورة من خلال وجود قادة ومستشارين ميدانيين من الإخوة في (قوة القدس) من الحرس الثوري. وقد أعلنا عن هذا الدعم وتقدمنا بالشكر الجزيل لإيران على مساعدتها لنا ولبقية فصائل المقاومة؛ من أجل تحرير العراق من الاحتلال وكذلك في حربنا ضد الإرهاب».
وفي هذا الإطار، يمكننا فهم تكليف «النجباء» في الأسابيع القليلة الماضية، بتأمين مناطق واسعة من الحدود العراقية السورية التي طردت منها «داعش»، وهو ما يجعل المنطقة عمليا منطقة نفوذ إيراني مباشرة ومفتوحة، لا تصل فقط العراق بدمشق، بل تمتد لتصل الدولتين بطهران وبيروت.
لا تزال الميليشيات الطائفية تلعب دورا متناميا ومتماهيا مع الدور الإيراني الهيمني في العراق وسوريا. فلقد استطاع الحرس الثوري ربط الكثير من الميليشيات المدرجة في قائمة «الحشد الشعبي» بولاية الفقيه. وهذا ما سمح لطهران ببسط نفوذها بالعراق وإعادة الانتشار في المؤسسات الأمنية والعسكرية للدولة. ويبدو أن تمتع «الحشد الشعبي» بالدعم المالي الحكومي، في ظل إدارة ينخرها الفساد، يجعل من الصعب تحديد بدقة الأهداف الحقيقية للحشد، ودوره في خلق عراق المستقبل؛ ويجعل من شبه المستحيل معرفة عدد مقاتلي الميليشيات، وكذا المبالغ التي يتقاضونها. ورغم أن تصريحات صحافية لرئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي، تؤكد أن 120 ألف متطوع من الحشد يتقاضون رواتب من وزارة المالية العراقية، وأكثر من 30 ألف فرد آخرين تدفع رواتبهم من المرجعيات في كربلاء والنجف، ونحو 30 ألفاً يتسلمون رواتب من مؤسسات عسكرية ومخابراتية متنوعة ومرجعيات إيرانية؛ فإن الأدوار الحقيقية للميليشيات عامة، و«حركة النجباء» خاصة، لا تزال غامضة. وكل المؤشرات الحالية تقول بتفرد إيران من خلال الحرس الثوري بتحديد الدور الاستراتيجي لـ«حركة النجباء»، مما يجعل المنطقة معرضة لمزيد من عدم الاستقرار والإرهاب.
* أستاذ زائر للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس الرباط



«العزم الصلب» تغادر العراق

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
TT

«العزم الصلب» تغادر العراق

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)

أنهى «التحالف الدولي» مهمة «العزم الصلب» في العراق، بعد سنوات من طلب الحكومة في بغداد المساعدة لمكافحة تنظيم «داعش».

وقالت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا عملية «العزم الصلب»، مضيفة أنه تم الانتقال إلى الأردن مع مواصلة تقديم الدعم الاستخباري للشركاء العراقيين.

وأفاد رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، بأن «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال إلى مرحلة يتولى فيها العراق المسؤولية الكاملة عن الأمن». وبشأن السلاح المنفلت، قال الزيدي: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة، وفق ما يقضي الدستور».

وطمأن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، أمس (الأربعاء)، مواطنيه بأن الإقليم ليس عرضة للتهديد بعد انتهاء مهام قوات التحالف الدولي.

وفي واشنطن، أفاد خبراء بأن الولايات المتحدة تركز في المرحلة الراهنة، بعد الانسحاب، على تفكيك الميليشيات وعزل النفوذ الإيراني.

وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات - والذي كان بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان - بوصفه «انتصاراً»، رغم قلق طيف من العراقيين إزاء تحديات جيوسياسية.


تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

دخلت المواجهات بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية مرحلة أكثر حدة، مع اشتداد المعارك في جبهات تعز ولحج، وتزامن العمليات البرية والجوية والصاروخية مع تحرك مؤسسات الدولة لتفعيل التعبئة العامة ورفع الجاهزية العسكرية، في مؤشر على استعداد رسمي لمعركة كبرى ضد الجماعة المتحالفة مع إيران.

وتتركز المعارك في غرب تعز والمناطق المتصلة بلحج، حيث تخوض القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» ومقاتلين قبليين، مواجهات عنيفة مع هجمات حوثية ومحاولات تسلل والتفاف. وشهدت جبهة الأغبرة في المضاربة والعارة معارك ليلية، بالتزامن مع غارات جوية على مواقع حوثية في الوازعية والبازلة والظهورة.

وفي تعز، صعّدت الجماعة قصفها الصاروخي على مناطق سكنية في الشمايتين والتربة، مما أسفر عن أضرار مادية وإصابة مدنيين، فيما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ 414 عملية استهداف خلال 24 ساعة، بعد يوم من إعلانها 356 عملية قالت إنها أوقعت 476 قتيلاً وجريحاً حوثياً، لترفع حصيلتها المعلنة خلال 4 أيام إلى نحو 3 آلاف قتيل وجريح.

ويتزامن التصعيد الميداني مع إقرار الجيش اليمني عملياته للتعبئة العامة، ومناقشة مجلس الدفاع الوطني رفع جاهزية القوات وتوحيد الموارد والجهود الوطنية.


«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
TT

«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)

أنهت القوات الأميركية، الأربعاء، مغادرة قواعدها المتبقية في العراق، وسط مخاوف من ترك ملف سلاح الفصائل الموالية لإيران «عقدة دون حل»، ومنح تنظيم «داعش» فرصة لإعادة تنظيم صفوفه. وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات - الذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان - بوصفه «انتصاراً»، على الرغم من قلق عدد من العراقيين إزاء عدم جاهزية قوات الأمن العراقية.

وجرت الموافقة على الانسحاب عام 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، وتنفذه إدارة دونالد ترمب الحالية حتى في الوقت الذي تشن فيه حرباً على إيران. وغادرت القوات الأميركية في البداية آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ‌3 سنوات بعد ‌أن استولى تنظيم «داعش» على ثلث أراضي العراق.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي متحدثاً خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

نهاية «العزم الصلب»

وقالت وزارة الدفاع الأميركية إن الولايات المتحدة وشركاءها في «التحالف الدولي لمحاربة (داعش)» اختتموا رسمياً عملية «العزم الصلب»، مضيفة أنها انتقلت إلى مقرها في الأردن بينما ستواصل تقديم التدريب والدعم الاستخباري الموجه للشركاء العراقيين.

كما أعلنت «القيادة المركزية الأميركية»، في بيان، إكمال الانسحاب المنظم للقوات والمعدات الأميركية من قاعدة أربيل الجوية؛ مما يمثل نهاية مهمة عملية «العزم الصلب».

وأشارت إلى أن «هذه الخطوة جزء من انتقال مخطط له نحو علاقة دفاعية ثنائية بين الولايات المتحدة والعراق».

وقال رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، في بيان: «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره».

وأضاف الزيدي، خلال احتفال حضرته «الشرق الأوسط» في بغداد، أن «مهام العمليات المشتركة انتقلت إلى مكتب القائد العام للقوات المسلحة ضمن صيغة مؤسسية لإدارة هذا الجهد تحت سلطة الدولة وقيادتها العليا».

وبشأن قصة السلاح المنفلت في العراق، قال الزيدي: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة، وفق ما يقضي الدستور».

كما أقامت «هيئة الحشد الشعبي»، التي تضم مجموعات مسلحة موالية لإيران، احتفالاً بمناسبة «يوم السيادة»؛ وشهد كلمات خطابية وصفت الحدث بـ«الانتصار».

يرفع أحد عناصر الأمن العراقي علامة النصر خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الصدر يحل «اليوم الموعود»

في غضون ذلك، أعلن زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، الأربعاء، حل لواء «اليوم الموعود» وتحويل فصيله المسلح مؤسسةً مدنية، داعياً إلى حصر السلاح بيد الدولة واعتزال القيادات السياسية العمل السياسي وفتح المجال أمام وجوه جديدة.

وقال الصدر، في تدوينة على منصة «إكس»، إنه يعلن «استقلال العراق وانتهاء حقبة التواجد الأميركي والتحالف الدولي بصورة نهائية»، مقدماً الشكر إلى «المقاومين السابقين الأولين من المجاهدين والأنصار».

وطالب الصدر الجيش الأميركي بتعويضات عن الأضرار التي قال إنها حدثت بسبب «احتلاله الأراضي العراقية»، داعياً إلى تقديم شكاوى قانونية بهذا الشأن.

وحث الصدر الجهات السياسية على إجراء التعديلات اللازمة، وإعطاء الأولوية للعمل السياسي فوراً، وفتح الباب أمام الوجوه الجديدة لإنهاء الفساد والعمل على الإصلاح، مشدداً على وجوب تعزيز القوات الأمنية بكامل صنوفها وتفعيلها، لا سيما حرس الحدود.

بينما عدّ فصيل يحمل اسم «أصحاب أهل الكهف»، يُعتقد أنه واجهة لأحد الفصائل الكبيرة الموالية لإيران، أن حصر السلاح «أوهام يحلم بها الضعفاء والأذلاء»، متوعداً بقطع أي يد تمتدّ إلى عناصره أو تمس سلاحه.

وحذر الفصيل في بيان بأنه «ابتداء من اليوم؛ فإن أي وجود أجنبي، برياً كان أم جوياً، سيشهد رداً عسكرياً» من قبل الفصيل.

كما شككت «كتائب حزب الله»، الأربعاء، في إتمام انسحاب القوات الأميركية من البلاد، مؤكدة في بيان أن ما وصفتها «أجهزتها الاستخبارية» رصدت استمرار تحليق الطيران «التجسسي والحربي في الأجواء العراقية»، إلى جانب «الحصول على برقيات توثق تحركات ميدانية لأفراد (الجيش الأميركي) تستمر حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل».

أحد عناصر الأمن العراقي يؤدي التحية العسكرية خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«عقدة دون حل»

ومع الانسحاب الأميركي، تعزز طهران نفوذها من خلال حلفائها في العراق منذ سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين. ويشعر طيف سياسي وشعبي بالقلق من أن قوات الأمن التي دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة ‌على حماية البلد، بينما تبقى الفصائل المسلحة التي تعمل من كثب مع «الحرس الثوري» الإيراني «عقد بلا حل»، على حد وصف قيادي بارز في «تحالف إدارة الدولة». ونقلت «رويترز» عن جاسم البهادلي، وهو محلل يقدم المشورة لقوات الأمن: «الدرس المستفاد ‌من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة».

لكن مقربين من الحكومة يميلون إلى التفاؤل بما ستؤول إليه الأوضاع بعد الانسحاب. وقال الخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور حسين علاوي لـ«الشرق الأوسط» إن العلاقات العراقية - الأميركية دخلت مرحلة جديدة بعد 12 سنة من العمل المشترك لهزيمة تنظيم «داعش»، مشيراً إلى أن «التنسيق الأمني سيتحول تعاوناً اقتصادياً وتنموياً واستثمارياً، بدأت بوارده في الظهور مع لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي بالرئيس دونالد ترمب الأسبوع الماضي».

مرحلة ما بعد الانسحاب

ورجح الباحث في الشأن الأميركي عبد الرحمن الجبوري، في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «العلاقة بين واشنطن وبغداد لن تتغير كثيراً بسبب تعاظم نفوذ واشنطن السياسي والمالي في بغداد»، لكنه أشار إلى «تأثرها بواقع واستمرار الحرب الإيرانية - الأميركية ورغبة واشنطن إنهاء النفوذ الإيراني في العراق».

وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق 7 من أصل 18 جندياً أميركياً أعلن عن مقتلهم خلال الصراع؛ آخرهم جندي برتبة ‌سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير محكم لطائرة مسيّرة بقاعدة قرب أربيل خلال يوليو (تموز) الماضي.

وتعدّ إيران، التي تقول إن هدفها النهائي هو إجبار القوات الأميركية على ⁠مغادرة الشرق الأوسط بأكمله، انسحاب ⁠الولايات المتحدة من العراق انتصاراً لما يسمى «محور المقاومة»؛ الذي يضم جماعات وفصائل مسلحة متحالفة معها في أنحاء المنطقة. ونقلت «رويترز» عن المحلل السياسي أحمد يونس أن «ما يثير القلق ليس بالضرورة التدخل الإيراني المباشر، وإنما احتمال أن تشعر الجماعات الوكيلة لإيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية».