خلفيات فك الارتباط بين الظواهري والجولاني

«القاعدة» تهاجم «تحرير الشام» وتتوعد بالرد

عناصر من «جبهة النصرة»  قبل انفصالها عن «القاعدة» («الشرق الأوسط»)
عناصر من «جبهة النصرة» قبل انفصالها عن «القاعدة» («الشرق الأوسط»)
TT

خلفيات فك الارتباط بين الظواهري والجولاني

عناصر من «جبهة النصرة»  قبل انفصالها عن «القاعدة» («الشرق الأوسط»)
عناصر من «جبهة النصرة» قبل انفصالها عن «القاعدة» («الشرق الأوسط»)

تأتي حملة الاعتقالات التي طالت «جهاديين» بارزين في سوريا، والتي شنتها «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً)، لتؤكد الانفصال الآيديولوجي للهيئة عن تنظيمها الأم أي تنظيم القاعدة. فهذا المسار الانفصالي الذي بدأت تلوح بوادره منذ شهر يوليو (تموز) 2016، والذي يندرج ضمن استراتيجية زعيم «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني الساعي إلى إعطاء الهيئة طابعاً سياسياً سورياً محضاً، يمكن أن يشكل سابقة على ساحة المتشددين الدولية، كما يأتي ليبرهن أن «جهاد القاعدة» فشل للمرة الثانية في سوريا، بعد أن قطع أواصر صلته في عام 2014 بتنظيم داعش.
ففي 27 نوفمبر (تشرين الثاني)، تناقل بعض من أنصار «هيئة تحرير الشام» خبر توقيف سامي العريدي وأبو جليبيب بعد اجتماع تمت الدعوة إليه من قبل الهيئة. ويبدو أن الاعتقال استهدف عدداً من أعضاء «جبهة النصرة» التي كانت ذراع تنظيم القاعدة في سوريا سابقاً، والتي حُلَّت في يوليو (تموز) 2016 عندما انفصلت عن تنظيمها الأم، وأعيد تسميتها باسم جبهة «فتح الشام». وإلى جانب الدكتور سامي العريدي وأبو جليبيب الأردني، ألقى القبض أيضاً على أعضاء بارزين آخرين مثل أبو خديجة الأردني، وأبو مصعب الليبي، وفق الخبير المتخصص بالساحة «الجهادية» السورية حسن دغيم.
كما انتشرت معلومات عن توقيف أبو همام السوري، القائد العسكري السابق في «النصرة»، وأبو القاسم الأردني، نائب أبو مصعب الزرقاوي عضو تنظيم القاعدة السابق في العراق، الذي أعلن مقتله في غارة أميركية عام 2006. ويشير الشيخ دغيم إلى أن جميع هؤلاء الأعضاء كانوا يعارضون انتقال الهيئة من الثوب «الجهادي» السلفي إلى الثوب المدني. وكان قد سبق عمليات الاعتقال هذه حملة اغتيالات طويلة بحيث كشف المحلل السوري هايد هايد من «المجلس الأطلسي» عن أكثر من 35 عملية اغتيال طالت أعضاء المنظمة.
وأكد هايد أن معظم الهجمات استهدفت زعماء وقادة بارزين، غالبيتهم من الأردنيين والتونسيين، مثل أبو طلحة الأردني وأبو عبد الرحمن المهاجر وأبو سليمان المغربي وأبو يحيى التونسي وسراقة المكي وأبو محمد الشرعي، فضلاً عن عدد من القادة المحليين مثل أبو إلياس البانياسي ومصطفى الزهري وسعيد نصر الله وحسن بكور. وفي السياق نفسه، أشارت مصادر من إدلب إلى أن العديد من الهجمات يمكن أن تكون نتيجة حملة داخلية ضد المتشددين في التنظيم. وعلى الأرجح فهذه الاغتيالات والتوقيفات تندرج في إطار قرار زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني قطع أي علاقات خارجية للهيئة بتنظيم «القاعدة».
إن التطور السريع لهذه الأحداث يعكس التبدل في الفكر الآيديولوجي الذي تبنته «جبهة النصرة» السابقة، وأدى إلى الانقسام في سوريا. وفي هذا الصدد يشير دغيم إلى أن الاعتقال قد يكون خطوة مكلفة قامت بها «هيئة تحرير الشام» التي سعت لأكثر من عام ونصف العام، لأن تنأى بنفسها عن التفسير الذي يعطيه تنظيم القاعدة لـ«الجهاد الدولي»، محاولة بذلك إعادة تصويب مسارها. وقد اتسم هذا الاختلاف الآيديولوجي بين «هيئة تحرير الشام» وتنظيم القاعدة بثلاثة تواريخ رئيسية.
ففي يوليو 2016 أعلنت «جبهة النصرة» أنها انفصلت عن «القاعدة»، وعن تشكيل «جبهة فتح الشام». وحظيت هذه الخطوة بدعم قادة الفكر المؤثرين مثل الشيخ عبد الله محيسني. وأشادت الفصائل الإسلامية السورية مثل «أحرار الشام» و«أجناد الشام» بقرار «جبهة النصرة». في المقابل تُرجم انفصال «النصرة» عن تنظيم القاعدة باستياء المتشددين ضمن الجماعة، وأثار نقاشاً حاداً داخل «الشبكة الجهادية السورية»، رغم أن ذلك فسح المجال أمام «جبهة فتح الشام» للتخلي عن مفهوم «العدو البعيد» (أي العدو خارج المنطقة المباشرة) الذي كان في صلب آيديولوجية «القاعدة» منذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001.
من ثم، جاء إنشاء «هيئة تحرير الشام» في يناير (كانون الثاني) 2017، ليشكل نقطة الانعطاف الثانية. فهذا التطور الثاني سمح للهيئة بالانضمام إلى فصائل المعارضة الشمالية التي تضم حركات منفتحة وحركات متشددة مثل: «نور الدين زنكي» و«لواء الحق» و«جبهة أنصار الدين» و«جيش السنة»، فضلاً عن المنشقين من «أحرار الشام» الذين شكلوا «جيش الأحرار». وفي حين كان يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من قبل «جبهة النصرة» السابقة لتوطيد سلطتها، إلا أن أثرها الآيديولوجي كان أكبر بكثير، بحيث أدى انضمام العناصر الأكثر اعتدالاً إلى تأجيج حدة الخلافات بين المتشددين والمفكرين البراغماتيين. وفي يونيو (حزيران) 2017، اعتبر «الجهاديون» أن التعليق الذي أدلى به هشام الأطرش، أحد قادة الهيئة الذي كان يتبع سابقاً «لواء زنكي»، أنه «ارتداد» حين دعا الأطرش في سلسلة من التغريدات جماعات الثوار، بما في ذلك هيئة «تحرير الشام»، إلى حل مجموعاتهم والانضمام إلى حكومة مؤقتة للمعارضة من شأنها أن تحكم المناطق المتمردة. انتُقدت هذه التغريدات بشدة من قبل أعضاء سابقين من «جبهة النصرة» كانوا قد انفصلوا عنها حين أعلنت المجموعة انشقاقها عن «القاعدة» على غرار أبو خديجة وأبو جليبيب والدكتور سامي العريدي.
وطبقاً لقناة «وريث الزرقاوي» التي تعنى بنشر كتابات زعماء من «القاعدة» و«النصرة»، فإن العلاقات بين المتشددين السابقين في «جبهة النصرة» و«هيئة تحرير الشام» تفاقمت لدرجة أن المنظمة عمدت إلى ملاحقة أبو خديجة وأبو جليبيب. كما نشرت الصفحة مقالاً للدكتور العريدي، الشخصية المؤثرة في صفوف «جبهة النصرة» سابقاً، دان فيه الرد الضعيف لـ«هيئة تحرير الشام» على بيان الأطرش، إذ اكتفت الهيئة باعتبار أن بيان الأطرش هو «رأي فردي». وندد الدكتور العريدي برد فعل «شقيقيه» في إشارة إلى محمد الجولاني والشيخ عبد الرحيم عطون، مضيفاً أنه خلال مناقشة سابقة مع الرجلين، قال الجولاني رداً على سؤال عما سيفعله إذا أيد أعضاء جدد من حركته شكلاً من أشكال الحكم الديمقراطي، «بأنه سيقتل أي شخص يقدم مثل هذا الاقتراح». واعتبر العريدي أن الجولاني غيّر رأيه، أو فقد السيطرة على منظمته. وبالإضافة إلى ذلك، وفي بيان آخر، انتقد الشيخ مقدسي أيضاً بشكل غير مباشر الهيئة لـ«تمييع» القضية «الجهادية السورية».
أما نقطة الانعطاف الثالثة عن «النصرة»، فجاءت مع اعتقال حرس «النصرة» القديم. وهنا يشير الشيخ دغيم إلى «أن الجولاني يسعى إلى الحصول على دعم دولي، وتبييض صفحته». كما يُعتقد أن دخول تركيا إلى إدلب في أكتوبر (تشرين الأول)، بالتنسيق مع الهيئة، قد سرّع الطلاق بين الهيئة وتنظيم القاعدة، إلا أنه وبغض النظر عن دخول تركيا، فإن الطلاق الآيديولوجي كان في طور الإنجاز.
في المقابل، هاجم زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، «هيئة تحرير الشام» على خلفية الاعتقالات التي بدأتها ضد مناصري «القاعدة»، واعتبر أن إعلان فك ارتباط «جبهة النصرة» منفي وغير مقبول. وفي تسجيل صوتي قال الظواهري إن «العقود والبيعات من الأمور العظيمة، وأوجب الشرع الوفاء بها»، مؤكداً «لم نحل (جبهة النصرة) ولا غيرها من بيعتنا». وأضاف أن تنظيم القاعدة لم يقبل سابقاً أن تكون بيعة «جبهة النصرة» سرية، واعتبرها من الأخطاء القاتلة. وحذّر من «خطر الاجتياح التركي المقبل، ومحاولات الإيرانيين»، عدا عن سياسة التضييق على المتمسكين ببيعة «قاعدة الجهاد في الشام»، والذين تعرضوا للاعتقال والتحقيق.
إن رد فعل تنظيم القاعدة القوي على تطور مسار «هيئة تحرير الشام» الأخير يمكن فهمه بسهولة، إذ يبدو أن «جهاد القاعدة في سوريا» باء بالفشل، أضف إلى أن انفصال «هيئة تحرير الشام» عن «القاعدة» ليس الأول من نوعه، بعد أن سبقه فك ارتباط تنظيم القاعدة بتنظيم داعش في فبراير (شباط) 2014، حين أعلن تنظيم القاعدة قطع علاقاته بتنظيم داعش، وعدم تبني أي مسؤولية عن أعمالها.



لماذا تريث الحوثيون رغم احتدام الحرب على إيران؟

عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)
عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)
TT

لماذا تريث الحوثيون رغم احتدام الحرب على إيران؟

عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)
عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)

في 28 فبراير (شباط) 2026، دخلت المنطقة فصلاً جديداً من التاريخ، فبينما أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مفتوحة على إيران، كانت الضربة الأولى استثنائية بكل المقاييس، إذ تمت تصفية المرشد الإيراني علي خامنئي، مع العشرات من كبار قادته العسكريين.

لم تشهد الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل كثيراً من المفاجآت؛ فمنذ أول أيامها 28 فبراير 2026، قضت على المرشد الإيراني علي خامنئي.

وتركت الأحداث التي دخلت أسبوعها الثاني، تساؤلاً: لماذا تريث الحوثيون في الانضمام إلى الأذرع الإيرانية الأخرى بلبنان والعراق إلى المعركة؟

يُطرح السؤال والإقليم يشهد تطوراً غير مسبوق من الصدام، تطايرت خلاله الصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل ودول الخليج العربي وأماكن أخرى، كما توالت الضربات الأميركية والإسرائيلية على مدار أسبوع كامل، وسط توقعات باتساع مدة المواجهة.

وكان من اللافت أن أقوى أذرع إيران وأكثرها قدرة على إيذاء المصالح الغربية والإسرائيلية - وهي الجماعة الحوثية في اليمن - لا يزال في موقع المتفرّج حتى الآن، بخلاف «حزب الله» اللبناني وبعض الفصائل العراقية الموالية لإيران التي انخرطت في الصراع.

فبعد الهجمات الحوثية الجوية والبحرية التي استمرت نحو عامين، والتي أطلقت خلالها الجماعة أكثر من ألف مسيرة وصاروخ باتجاه إسرائيل والسفن في البحر الأحمر، اكتفى زعيمها عبد الملك الحوثي بالدعوة للتظاهر في صنعاء وإدانة مقتل خامنئي، والتلويح بأن أيادي جماعته «على الزناد» بحسب مقتضيات التطورات، وفق تعبيره.

الحوثيون دخلوا في حسابات صعبة حالت دون دخولهم حتى الآن في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ومع تزاحم الأسئلة في الأوساط السياسية والشعبية باليمن، بل وفي الأوساط الدولية حول طبيعة هذا الموقف الحوثي، تتباين التفسيرات حول أسباب موقف الجماعة التي جاءت سمعتها في الأساس على أنها «اليد الإيرانية» في جنوب الجزيرة العربية.

الصدمة وقنوات الاتصال

أول الأسباب يرجعه محللون إلى الارتباك وليس التكتيك في إدارة المعركة.

يقول الباحث والأكاديمي اليمني فارس البيل، لـ«الشرق الأوسط»، إن «عدم دخول الحوثيين إلى الحرب حتى اللحظة، ليس تكتيكاً في تقديري بقدر ما هو ارتباك في إدارة المعركة، من جهة النظام الإيراني، نتيجة الضربة المفاجئة والكبيرة التي أصابت النظام باستهداف المرشد في أول لحظة، وقيادات كبرى، واستهداف القدرات العسكرية والعملياتية في الساعات الأولى».

ويستدل الباحث بسير المعركة لدى النظام الإيراني نفسه، الذي يرى أنه بدا في حالة فوضى وردات فعل غير مدروسة، واصفاً إطلاق الصواريخ بأنه «نوع من الفوضى العملياتية المنفلتة، ما يعني أن العصب العسكري والهيكلية العسكرية تعرضا للخلخلة وافتقاد زمام المبادرة والتماسك».

موالون للجماعة الحوثية في صنعاء خلال مظاهرة داعمة لإيران (إ.ب.أ)

يؤكد هذا الطرح الباحث اليمني في مركز صنعاء للدراسات توفيق الجند، مشيراً إلى مشكلة تنظيمية قد تكون السبب الرئيسي في الصمت الحوثي، ويقول: «يبدو أن قنوات الاتصال التنسيقية الحوثية قد فقدت الاتصال بطهران لتلقي التوجيهات العاجلة بناء على تطورات القصف الأميركي - الإسرائيلي».

ويتفق معهما الباحث اليمني عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، موضحاً أن «انخراط الجماعة الحوثية تحكمه عدة عوامل تخضع للنقاش والتقييم المستمر بشكل يومي ضمن غرفة عمليات المحور وقنوات الاتصال العسكرية».

ومن بين هذه العوامل، بحسب الجبرني، إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على إسقاط النظام في إيران.

ويعود البيل بالقول إن «الأوضح هو موقف وتردد الحوثيين حتى الآن. ضبابية التصرف تسيطر عليهم، لا يعرفون ما يقولونه بشكل واضح. بدا هذا التعثر والارتباك حتى في بيانات الحوثي، بلا موقف واضح ولا حتى اتضاح خطط مقبلة، ما يعني أنه لم يتلقَّ التعليمات الكاملة حتى الآن، وأن حلقات تواصل وتوجيه قد فقدت، فبدا الحوثي كما لو أنه لا يعرف ماذا يفعل».

اختلاف الأجنحة والضغوط الداخلية

من زاوية مختلفة، يذهب المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالرياض صالح البيضاني، إلى الحديث عن معركة موازية تدور داخل أروقة الجماعة الحوثية. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك تياراً يدفع باتجاه الانخراط المباشر في المواجهة واستئناف العمليات بالبحر الأحمر.

ويستدل على ذلك بأنه «قد جرى بالفعل تسريب خبر يفيد باستئناف الهجمات قبل أن يسارع جناح آخر داخل الجماعة إلى نفيه، في مشهد يعكس حالة من التخبط والارتباك».

ويشير البيضاني إلى وجود عامل خارجي مؤثر، إذ يعتقد أن الحوثيين «تلقوا نصائح إقليمية من وسطاء إقليميين بعدم التدخل في هذه المرحلة، وانتظار نتائج المواجهة خلال الأيام المقبلة».

زعيم الحوثيين اكتفى بالتعزية في خامنئي والمساندة الإعلامية والدعوة للتظاهر (إ.ب.أ)

من جهته، يرى الباحث اليمني في شؤون الإعلام والاتصال صادق الوصابي، أن الحوثيين يدركون أن «توقيت الانخراط الكامل في هذه الحرب ليس في صالحهم، وقد يفتح عليهم أبواباً يصعب إغلاقها».

وأوضح الوصابي لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة «تعيش أصلاً في ظل هشاشة اقتصادية كبيرة بمناطق سيطرتها، وتعاني من آثار الضربات التي تلقتها مؤخراً، سواء على مستوى القدرات العسكرية أو البنية التحتية».

وأضاف أن أحد أبرز عناصر قوة الجماعة، وهو الدعم الإيراني العسكري والمالي واللوجيستي، «لم يعد بالحجم نفسه»، في ظل الضغوط التي تواجهها طهران نتيجة الضربات والأزمات المتسارعة التي تمر بها.

حسابات البقاء

يقدم توفيق الجند قراءة تربط الموقف الحوثي بحسابات وجودية، إذ يرى أن الرد الحوثي بدأ نظرياً وكلامياً عبر خطابات زعيم الجماعة، لكنه يستدرك بالقول إن «الموقف هذه المرة مختلف لعدة أسباب؛ منها أن الحوثي لا يريد الظهور مدافعاً عن إيران، حتى لا يخسر سردية دفاعه عن غزة التي كانت أصلاً دعماً لطهران في إطار محور المقاومة»، وفق تقديره.

ويقرأ الجند مفارقة لافتة، ولا يستبعد أن الحوثيين قد يرون أنفسهم «رأسمال جوهرياً» يُبنى عليه مستقبلاً، «ربما بوصفه حاضنة لمحور المقاومة إن تعرضت إيران و(الحرس الثوري) لضربات لا تسمح باستئناف نشاط مبكر من إطارها الجغرافي، والتحول إلى ميليشيات إقليمية قد تكون جبال اليمن مقراً لها».

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ف.ب)

ويخلص إلى احتمال أنه «إذا فكرت الجماعة بطريقة نفعية، ونظراً لحجم الهجمات التي تتلقاها طهران، فالجماعة قد لا تفكر سوى بحبل النجاة، واستثمار خسائر طهران لرفد قدراتهم البشرية والتسليحية بوصف ذلك ملاذاً لبقايا قوة الدولة المارقة، ليرى عبد الملك الحوثي نفسه (خامنئي) جديداً على المذهب الزيدي هذه المرة».

ويضيف الجند بالقول إن «الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران كان قوياً، والحوثيون خائفون على أنفسهم أكثر من أي وقت مضى بالنظر إلى ما حدث للمرشد الإيراني وكبار قادته، ومن قبله ما حدث لحسن نصر الله وكبار قادة حزبه، ناهيك بالضربات الموجعة التي تعرضت لها الجماعة نفسها».

التقدير الاستراتيجي

بين هذه القراءات، يرى المحللون أن الحوثيين يخضعون لتقييم يومي داخل «غرفة عمليات المحور». يقول عدنان الجبرني إن الجماعة «جاهزة للتدخل منذ اليوم الأول»، مشيراً إلى أن تأخرها يعود إلى تقديرات إيرانية تتعلق بتطور الحرب وضرورة ضمان استدامة العمليات العسكرية، من دون استنفاد جميع أوراق الضغط دفعة واحدة.

ويضيف أن الموقف قد يتغير في حال تعرض «حزب الله» لضربة قاسية نتيجة انخراطه في إسناد إيران، أو إذا تعرض الحوثيون أنفسهم لضربة استباقية، مؤكداً أنه «حتى في حال لم يتحقق أي من هذه العوامل، وطلبت إيران تدخل الحوثي، فلن يتردد».

ويرى الباحث والاستشاري في شؤون الأمن الإقليمي والدفاع والحرب والسلام، إبراهيم جلال، أن السياق الاستراتيجي للحرب يجعل انخراط الحوثيين في صف إيران احتمالاً قائماً بقوة.

موالون للجماعة الحوثية في صنعاء يرفعون صور خامنئي خلال مظاهرة دعا إليها زعيمهم (رويترز)

وقال جلال لـ«الشرق الأوسط»، إن إيران أنشأت ما يُعرف بمحور المقاومة «لهذه اللحظة التاريخية بالذات، لحمايتها حين تتهاوى عقيدة الدفاع المتقدم ويتفكك طوق الميليشيات الممتد من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر».

وأضاف أن الحوثيين «ليسوا حالة خاصة خارج هذا المسار»، مرجحاً أن ينضموا إلى المواجهة بعد انخراط «حزب الله» اللبناني وبعض الميليشيات العراقية. وتساءل: «هل يمكن أن يكون هؤلاء أوفى لطهران من الحوثيين؟».

هل يُتّخذ قرار الحرب؟

يرى جلال أن التطورات الحالية تمثل «لحظة فارقة في مسار الحركة الحوثية العابرة للحدود، فإما أن يؤكد الحوثيون عمقهم الآيديولوجي ضمن المحور، أو يختاروا التنازل عن إيران التي أنهكت فعلاً خلال الجولة الأخيرة».

ويرجح فارس البيل أن دخول الحوثيين في الحرب سيعتمد على ما تبقى من قدرة لدى النظام الإيراني في إدارة المعركة في الأيام المقبلة، مشدداً على أن «الحوثي سيدفع به إلى ممارسة أي عمل عسكري، باعتباره استثماراً طويلاً ومكلفاً لدى النظام الإيراني، ولن يوفره في لحظات نزعه الأخير».

عنصر أمن حوثي في صنعاء يحمل العلم الإيراني (رويترز)

من جهته، يشير البيضاني إلى أن الكفة تميل حتى الآن لصالح الجناح الحوثي المطالب بالمشاركة في المواجهة، خصوصاً بعد تجاوز الصدمة، ويقول: «مع شروع كل من (حزب الله) العراقي و(حزب الله) اللبناني في الانخراط في القتال، لا يستبعد أن يعلن الحوثيون مشاركتهم ما لم تطرأ تطورات متسارعة في طهران، مثل اندلاع احتجاجات شعبية واسعة، أو وقوع انشقاقات كبيرة داخل (الحرس الثوري)».

ويرى صادق الوصابي أن الحوثيين قد يلجأون إلى تحركات محدودة لإظهار استمرارهم ضمن المحور؛ مثل تنفيذ هجمات في البحر الأحمر أو إطلاق مسيّرات باتجاه إسرائيل، محذراً من أن أي تورط قد يغير حسابات الأطراف الأخرى.

ويقول: «الحكومة اليمنية والتحالف الداعم لها، قد يجدان في ذلك فرصة للضغط على الجماعة سياسياً وعسكرياً، خصوصاً إذا ارتبطت تحركات الحوثيين بشكل مباشر بتهديد الملاحة الدولية، أو أمن المنطقة».

لكنه يقرّ بأن «أي خطوة من هذا النوع قد تكون لها تبعات خطيرة على اليمن، خصوصاً في ظل الوضع الإنساني والاقتصادي المأساوي الذي يعيشه السكان».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، شدد على أهمية حماية البلاد من الانجرار إلى دورة جديدة من المواجهات الإقليمية، محذراً من أنه «ليس من حق أي طرف جرّ اليمن إلى صراع أوسع يعرّض اليمنيين لمزيد من المعاناة».

وفي وسط هذه التحليلات، يرجح المراقبون للشأنين اليمني والإقليمي، أن الحوثيين في حال قرروا استئناف هجماتهم البحرية، أو شن صواريخ باتجاه إسرائيل، فإن الرد الأميركي والإسرائيلي سيكون أكثر عنفاً هذه المرة، وبخاصة أن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرب وجود مع إيران نفسها، فضلاً عن تعقيدات الداخل اليمني نفسه والمحيط الإقليمي وردود الفعل المتوقعة.


مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
TT

مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)

يعيش اليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حالة من الترقب على وقع الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتتزايد مخاوفهم من وصول آثار هذه المواجهة إليهم في حال ذهب الحوثيون إلى المشاركة فيها، والتسبب في مزيد من المعاناة على مختلف المستويات.

وبينما يبدي السكان في مناطق سيطرة الجماعة، قلقاً واضحاً من حدوث تأثيرات على الأوضاع الاقتصادية في ظل ما تشهده هذه المناطق من تدهور معيشي وخدمي، ظهرت ملامح نزوح من المدن الرئيسية أو داخلها، خصوصاً من المناطق القريبة من المواقع العسكرية والمقرات والمنشآت التابعة للجماعة، خوفاً من تعرضها للقصف.

وترتبط هذه المخاوف باحتمال عودة التوترات والاضطرابات إلى البحر الأحمر، على الرغم من أن الجماعة الحوثية لم تدخل المواجهة الدائرة حالياً في المنطقة، واكتفت بتصريحات وتلميحات بالمشاركة فيها، ووصف العملية الأميركية - الإسرائيلية بالانتهاك الصارخ لسيادة إيران والتجاوز الخطير للأعراف والقوانين الدولية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، أن عدداً من الناشطين السياسيين والإعلاميين والأفراد المنتمين إلى الأحزاب أو المنظمات الحقوقية، لجأوا إلى مغادرة المدن الرئيسية التي تسيطر عليها الجماعة، والانتقال إلى منازل أقاربهم في الأرياف، أو في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها خوفاً من اتهامهم بالتجسس، في حال مشاركة الجماعة في الحرب الدائرة.

مظاهرة حوثية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بعد مقتل علي خامنئي (إعلام حوثي)

ومقابل مغادرة هؤلاء الناشطين يعجز العشرات من نظرائهم وزملائهم عن الاقتداء بهم، نظراً لوضعهم تحت الإقامة الجبرية وإخضاعهم للرقابة وتقييد تحركاتهم.

هواجس الاعتقال والاتهام

في ظل هذه المخاوف والقيود الحوثية، يخضع العشرات من العاملين في الوكالات الأممية والمنظمات الدولية، إضافة إلى مئات من الناشطين السياسيين والحقوقيين للإقامة الجبرية وإجراءات رقابة مشددة، ويخشى هؤلاء من تعرضهم للاعتقال وتوجيه اتهامات لهم بالتجسس على غرار ما يواجهه نظراؤهم في السجون.

وتتضاعف هذه المخاوف في ظل الاتهامات للجماعة باتباع هذا النهج، لتأكيد مزاعمها بوجود مؤامرة كبرى عليها، وتبرير الخسائر التي تلحق بها، إلى جانب استغلالها سابقاً للضربات الأميركية والإسرائيلية لتوسيع حملات الاعتقالات وتبريرها.

السكان في مناطق سيطرة الحوثيين متخوفون من نقص الوقود جراء الحرب الإقليمية (رويترز - أرشيفية)

وكانت الجماعة الحوثية اعتقلت خلال الأعوام الماضية، عشرات العاملين في المنظمات الأممية والدولية، إضافة إلى عشرات آخرين من السكان في مختلف المهن والتخصصات، ووجهت لهم تهماً بالتجسس والتخابر لصالح دولاً خارجية، ونقل إحداثيات المواقع التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأصدرت محاكم حوثية أحكاماً قاسية، بحق عدد من هؤلاء المختطفين، بعد محاكمات وصفتها جهات حقوقية بغير العادلة والمسيسة.

واكتفى زعيم الجماعة الحوثية بإعلان وقوف جماعته مع إيران، وعدّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها استهدافاً مباشراً لـ«محور المقاومة»، مؤيداً الهجمات الإيرانية على مختلف الدول في المنطقة، وتوعد بمواصلة المواجهة مع إسرائيل، واستمرار «التأهب والاستعداد» لأي خيارات ضرورية تفرضها طبيعة المواجهة الحالية.

وكشفت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداداً كبيرة من العائلات بدأت التحضير للنزوح من قرب المعسكرات والمقرات الأمنية التابعة للجماعة الحوثية، خصوصاً تلك التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي خلال العام الماضي، وأن أغلب هذه العائلات كانت ممن تعرضت مساكنها لأضرار أو تعرض بعض أفرادها لمخاطر ذلك القصف.

المخاوف تتزايد في أوساط اليمنيين من تصعيد الحوثيين حملات الاعتقالات واتهامات التجسس (إ.ب.أ)

واستهدفت إسرائيل بالضربات الجوية عدداً من المنشآت الحيوية والاقتصادية عدة مرات خلال العام الماضي، وتسببت ضرباتها في سقوط مدنيين وإصابة بنايات سكنية بأضرار متفاوتة، إلى جانب اغتيال عدد من قيادات الجماعة وتدمير مقرات ومنازل خاصة بها.

مخاوف السلامة والمعيشة

على الرغم من أن الضربات الأميركية استمرت نحو شهرين خلال ربيع العام الماضي، فإنه لم تُسجّل إصابات في أوساط المدنيين سوى في مرات معدودة وعلى نطاق محدود.

ويقول أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إنه، ومنذ بدء التحضيرات الأميركية - الإسرائيلية للحرب الجارية الآن، بدأ هو وعدد من أقاربه التحضير للانتقال إلى منازلهم في الريف، بعد أن عاشوا صدمة قاسية وأوقاتاً صعبة خلال استهداف الطيران الإسرائيلي لمقر الإعلام الحربي التابع للجماعة وسط العاصمة المختطفة صنعاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، بسبب وقوع منازلهم هناك.

منذ سنوات تواصل الجماعة الحوثية إعلان تمسكها بدورها ضمن المحو الإيراني (إ.ب.أ)

من جهته، يبدي محمود، وهو طالب دراسات عليا في صنعاء، قلقاً شديداً من عودة الجماعة الحوثية للمواجهة مجدداً مع إسرائيل، نظراً لفقد أحد أصدقائه في استهداف إسرائيلي سابق، وتسبب تلك الحادثة في صدمة شديدة لوالدته وحالة طبية لم تتعافَ منها حتى الآن.

ويبين لـ«الشرق الأوسط»، أنه كان على موعد مع صديقه في مؤسسة بالقرب من المبنى لإجراء أبحاث خاصة بدراستهما، إلا أن تأخره عن الوصول إلى المكان أنقذه من مصير صديقه الذي أصيب في القصف وتوفي في الحال، وبمجرد سماع والدته بالحادثة تعرضت للإغماء ونُقلت إلى المستشفى، حيث اتضح تعرضها لجلطة دماغية.

وشهدت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وعدد من المدن التي تخضع لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، عودة للطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، في حين شهدت الأسواق حركة شراء متزايدة، رغم عدم ظهور بوادر أزمات تموينية بعد أيام من اندلاع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط نهاية فبراير (شباط) الماضي.

مجمع الأمم المتحدة في صنعاء حيث اعتقل الحوثيون العشرات من موظفي المنظمة (رويترز)

وذكر شهود لـ«الشرق الأوسط»، أن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي ليست طويلة، وتشهد تفاوتاً بين حين وآخر ومن محطة لأخرى، وتضاعفت حركة الشراء في أسواق المواد الغذائية بشكل لم يكن مشهوداً منذ أشهر، بما في ذلك عند دخول شهر رمضان، بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

وطبقاً للمصادر، فإن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز، ورغم أنها لم تكن طويلة أو شديدة الازدحام، فإن ظهورها في هذه الفترة يزيد من حالة القلق والترقب، ويدفع مزيداً من السكان إلى الالتحاق بها مع مرور الوقت.


زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
TT

زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)

في تطور لافت في خطاب الجماعة الحوثية تجاه الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لوّح زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الخميس، بالانخراط في الحرب إلى جانب النظام الإيراني، مؤكداً أن مقاتليه «أيديهم على الزناد»، وأن الجماعة «ستتحرك في أي لحظة تقتضيها التطورات».

وجاءت تصريحات الحوثي، الخميس، خلال محاضراته الرمضانية اليومية؛ إذ أعلن الوقوف إلى جانب إيران. وقال إن الجماعة «تتحرك في مختلف الأنشطة، وأيديها على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد والتحرك العسكري في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك»، زاعماً أن المعركة الدائرة «هي معركة الأمة كلها».

وأشاد الحوثي في الوقت نفسه بما وصفها بـ«العمليات القوية» التي نفّذها «حزب الله» اللبناني، لافتاً إلى أن الفصائل العراقية الموالية لإيران «تواصل عملياتها العسكرية». كما دعا أنصاره إلى الخروج في مظاهرات حاشدة، الجمعة، في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الجماعة.

وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من انتظار لافت في موقف الجماعة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو ما فسره مراقبون بحسابات سياسية وعسكرية معقدة تتعلق بمخاطر الانخراط المباشر في مواجهة إقليمية واسعة.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء داعمة للنظام الإيراني (أ.ف.ب)

ترسانة صاروخية

تحولت الجماعة الحوثية خلال السنوات الأخيرة من حركة تمرد محلية إلى قوة عسكرية تمتلك قدرات تسليحية متقدمة نسبياً، جعلتها إحدى أبرز أذرع إيران في المنطقة.

وتشير تقديرات مراكز دراسات عسكرية إلى أن الجماعة تمتلك ترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية والجوالة، بعضها مطور محلياً انطلاقاً من نماذج إيرانية على أيدي خبراء إيرانيين ومن «حزب الله» اللبناني.

وتشمل هذه الترسانة صواريخ بعيدة المدى مثل «طوفان»، الذي يُقدّر مداه بما يتراوح بين 1350 و1950 كيلومتراً، بالإضافة إلى صواريخ «فلسطين» الجوالة في نسخها المختلفة التي يمكن أن يصل مداها إلى نحو 2000 كيلومتر.

أحد الصواريخ ضمن ترسانة الحوثيين خلال استعراض في صنعاء (رويترز)

أما الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى فتشمل منظومات «بركان» المشتقة من عائلة الصواريخ الإيرانية «شهاب» و«قيام»، التي تصل مدياتها إلى نحو 1200 كيلومتر، إلى جانب صواريخ «بدر» قصيرة المدى.

كما طوّرت الجماعة صواريخ مضادة للسفن، مثل «عاصف» و«تنكيل»، وهي نسخ معدلة من صواريخ إيرانية مزوّدة برؤوس حربية ثقيلة، مما منح الحوثيين قدرة على استهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن خلال مدة انخراطهم في الحرب على غزة.

سلاح المسيرات

تُعدّ الطائرات المسيرة الركيزة الأساسية في الاستراتيجية العسكرية للحوثيين، نظراً إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ الباليستية وقدرتها على إحداث تأثيرات اقتصادية ونفسية كبيرة.

ومن أبرز هذه المنظومات طائرات «صماد» في نسخها المختلفة، ولا سيما «صماد-3» الانتحارية التي يصل مداها إلى ما بين 1500 و1800 كيلومتر، وقد طُورت نسخ منها لقطع مسافات أبعد. كما ظهرت نماذج أحدث مثل «صماد-4» القادرة على حمل ذخائر موجهة.

أحد أنواع الطائرات المسيّرة الحوثية التي تطلق عليها الجماعة «يافا» (إعلام حوثي)

وتستخدم الجماعة أيضاً طائرات «وعيد» الانتحارية التي تشبه إلى حد كبير الطائرة الإيرانية «شاهد-136»، ويُقدر مداها بما يتراوح بين 2000 و2500 كيلومتر. كما تنتشر طائرات «قاصف-2K» قصيرة المدى التي تستخدم بكثافة في العمليات التكتيكية.

ويقول خبراء عسكريون إن فاعلية هذه المسيرات لا تكمن في قدرتها التدميرية فقط، بل في قدرتها على إرباك الدفاعات الجوية وإحداث خسائر اقتصادية كبيرة عبر استهداف السفن أو المنشآت الحيوية بتكاليف منخفضة نسبياً.

قدرات بحرية

شهدت القدرات البحرية للحوثيين تطوراً ملحوظاً خلال العامين الماضيين؛ إذ أدخلت الجماعة بدعم من خبراء إيرانيين تقنيات جديدة تشمل الزوارق المسيرة والألغام البحرية المتطورة.

وتضم هذه القدرات زوارق انتحارية مسيرة مثل زورق «طوفان»، وهي زوارق سريعة محملة بمتفجرات يمكن التحكم بها عن بعد، بالإضافة إلى مركبات غاطسة مسيرة قادرة على استهداف السفن من الأسفل لتجاوز أنظمة الرصد السطحية.

كما يمتلك الحوثيون أنواعاً متعددة من الألغام البحرية التي تُزرع في الممرات الملاحية، وهو ما يشكّل تهديداً مستمراً لحركة التجارة الدولية في البحر الأحمر.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم الموجهة ضد الملاحة (إعلام حوثي)

وحسب تقديرات عسكرية، يعتمد الحوثيون على منصات إطلاق متنقلة مخفية داخل شبكة واسعة من الأنفاق والكهوف في مناطق شمال وغرب اليمن.

وإلى جانب ذلك يملك الحوثيون ترسانة من الأسلحة التقليدية موجهة باتجاه الداخل، مع وجود أكثر من 300 ألف مجند في صفوف الجماعة، فضلاً عن مسلحي القبائل الموالين حيث تنفق الجماعة معظم الموارد في مناطق سيطرتها على التجنيد والتعبئة منذ سنوات.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قد وصف الجماعة بأنها «مسلحة حتى الأسنان» بأسلحة إيرانية محظورة دولياً، لافتاً إلى أنها تحولت من حركة تمرد محلية إلى «منظمة إرهابية عابرة للحدود» تمتلك ترسانة متطورة.

ويرى مراقبون أن أي قرار حوثي بالانخراط المباشر في الحرب الدائرة في المنطقة قد يفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.