ليبيا.. صراع «النفط» و«السلاح»

المحرك الخفي لدوامة العنف في الداخل.. وأياد خارجية وراء التصعيد

ليبيا.. صراع «النفط» و«السلاح»
TT

ليبيا.. صراع «النفط» و«السلاح»

ليبيا.. صراع «النفط» و«السلاح»

في عرس بمدينة المرج في الشرق الليبي تصور أغنية شعبية الوضع في البلاد المضطربة بأنه صراع بين الضأن والراعي، والذئب الجديد. المقصود بالذئب الجديد جماعات الإسلام السياسي المتشددة التي تهيمن على البرلمان. تقول الأغنية إن الذئب الجديد حل محل الذئب القديم، وهو «نظام القذافي».
لكن الصراع الداخلي المتفجر في البلاد أصبح يحظى بزخم دولي أيضا بسبب مصالح جوهرية تتعلق بصفقات معطلة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات في مجال السلاح والنفط، إضافة لقلق من تنامي ميليشيات التطرف وتهريب أسلحة الجيش وتنقل الجهاديين عبر حدود دول الجوار. يدرك الليبيون الأمر، فإن الاهتمام الدولي ببلادهم لا يتعلق بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان ولا أي شيء من هذه الأسماء التي يحلو للبعض ترديدها على شاشات التلفزيون ومواقع الإنترنت وواجهات الصحف. فالنفط والسلاح يبدو أنهما المحرك الخفي لتلك الصراعات الداخلية والخارجية. فمن الذي يتحكم في نفط ليبيا وغازها؟ وما حجم تجارة السلاح فيها؟ وما علاقة الصراعات الداخلية بين الميليشيات بالقوى الإقليمية والدولية؟ ومن حركها؟
في بعض الجلسات الخاصة في القاهرة لعدد من كبار المسؤولين السابقين (ممن عملوا مع القذافي وممن انشقوا عنه أيضا)، يمكن أن يتحدث إليك البعض عما يجري خلف الستار. مثلا.. أرادت شركات سلاح أميركية أن تعقد صفقة قيمتها مليارا دولار من حيث المبدأ من أجل توريد أسلحة وتدريب طيارين ليبيين. لكن هذه الصفقة تعطلت بسبب قانون أميركي قديم يحظر منح التأشيرة لليبيين الذين يريدون تعلم الطيران والعلوم النووية. وعليه بدأت شركات السلاح الأميركية في البكاء بين يدي الكونغرس.
وعلى أي حال.. تزيد الرواية قائلة إن شركات السلاح ومعها وزارة الدفاع الأميركية طلبت من الرئيس باراك أوباما التدخل لإلغاء قانون التأشيرة لليبيين الذي يعود لثمانينات القرن الماضي. وتأثر أوباما بالدفوع التي قدمها صناع السلاح ووزارة الدفاع، ومن أهمها أنه إذا تأخر عقد صفقات عسكرية أميركية مع الجانب الليبي، فإن سماسرة ودولا أخرى ستقوم بالأمر وتستفيد من حاجة السوق الليبية لأسلحة جديدة وتدريب عسكريين وبناء مطارات ودشم عسكرية بعد أن قصف حلف الناتو في 2011 معسكرات الجيش.
لكن أوباما حين بدأ يدرس موضوع إلغاء قانون التأشيرة الخاص بالليبيين، اصطدم بمنظمات أهلية وشبه رسمية قدمت تقارير للكونغرس بينت فيها أن ليبيا ما زالت دولة خطرة على السلام العالمي بسبب تزايد أعداد الجهاديين فيها، ومن بينهم قيادات في المؤتمر الوطني (البرلمان) والحكومة، وبعضهم له صلات بعمليات إرهابية أو أنه يتستر على مطلوبين نفذوا عمليات إرهابية وقعت في الماضي، بما فيها عملية تفجير القنصلية الأميركية في بنغازي في 2012.
أو كما قال أحد المشرفين الأميركيين على تحقيقات تجري بشأن تفجير القنصلية، في إفادة حصلت «الشرق الأوسط» على تفاصيل منها، وهو يوجه حديثه إلى مسؤولين عسكريين وآخرين من البيت الأبيض: هل توصلتم إلى الفاعل في الهجوم على القنصلية قبل أن تتحدثوا عن فتح باب التأشيرات لليبيين الساعين لتعلم الطيران؟ هل تعلمون أن الجيش الليبي (الرسمي) فيه جهاديون؟ هل تريدون أن ندرب هؤلاء لكي يقودوا طائرات يمكن أن يفجروها في ناطحات السحاب الأميركية؟ هل تريدون تكرار ما حدث في 11 سبتمبر (أيلول) 2001؟
جرى هذا اللغط في الأشهر الأولى من هذا العام. وأعقب ذلك إرسال موفدين أميركيين بشكل غير رسمي للتحقق من طبيعة ما يجري على الأرض الليبية، خاصة بشأن تغلغل الجهاديين في الجيش الرسمي الذي تديره وزارة الدفاع ورئاسة الأركان، وهما جهتان تقول المصادر إن كثيرا من القيادات فيهما من الموالين للجماعات المتشددة، وإن كثيرا منهم تدخل في السابق لإرساء مبادئ خطيرة تتعلق بالسماح للكتائب والميليشيات بالعمل كأذرع للبرلمان المؤقت والحكومة، وتخصيص رواتب لقادتها وعناصرها من ميزانية الدولة، وهو أمر أسهم في عرقلة بناء الجيش والشرطة.
ليس بالضرورة أن يكون للمقدمة السابقة علاقة مباشرة بـ«عملية الكرامة» التي بدأ تنفيذها اللواء خليفة حفتر، القائد السابق في الجيش الليبي، ضد المتشددين الإسلاميين والكتائب والميليشيات المحمية من قيادات رسمية، وفقا لأحد المصادر الليبية المطلعة، الذي يشير إلى أن عملية حفتر التي انطلقت منذ الشهر الماضي ليست إلا محصلة لمطالب محلية ودولية تريد تحقيق الاستقرار في ليبيا، لكن الاستحسان الذي تلقاه هذه العملية يزيد الزخم حول إمكانية أن يتحول القائد العسكري السابق إلى محور لدولة متماسكة، رغم أن أيا من الأطراف صاحبة المصلحة لم تعلن صراحة الوقوف مع أو ضد حفتر.
يقول المحلل السياسي الليبي حسين قدورة: «هذا ليس هدف الغالبية العظمى من المواطنين الليبيين فقط، ولا شركات السلاح الكبرى فقط، ولكنه أيضا هدف أصيل لشركات النفط العالمية التي لها مصالح منذ عقود في هذا البلد الغني بالنفط، إضافة إلى أنه هدف أصيل لدول الجوار الليبي التي تعاني ضعف الرقابة على الحدود وتهريب السلاح وتنقل الجهاديين عبرها، خاصة الجزائر ومصر وتشاد».
والخلاصة أن كل التقارير التي أعدتها مجموعة من الدول الغربية بشكل منفرد، على ما يبدو، من جانب كل منها، انتهت إلى أن الوضع الليبي لا يمكن أن يستمر بالطريقة التي يريدها الأعضاء الفاعلون في المؤتمر الوطني وفي الحكومة التي تساندها جماعة الإخوان المسلمين. ووفقا لدبلوماسيين غربيين، فإن هذه التحركات الدولية جاءت تحت ضغط من شركات السلاح والنفط التي أصيبت بخسائر ضخمة بسبب عدم القدرة على تفعيل أي صفقات، بما فيها الصفقات الموقعة سلفا مع دولة تعاني الفوضى.
ويلاحظ أن عددا من الدبلوماسيين الغربيين وحتى المسؤولين قاموا خلال الشهور الماضية، ومنذ أواخر العام الماضي، بزيارات أو اتصالات أو لقاءات في الداخل والخارج، مع أطراف ليبية مهمة، في محاولة لإيصال رسالة تقول إنه إما إرساء مبادئ دولة ديمقراطية آمنة بجيش وشرطة قويين، أو أن الأمور قد تتطور إلى ما لا تحمد عقباه. وتعد المحاولة الفاشلة لتهريب النفط من ميناء السدرة في الشرق الليبي، واحدة من الوقائع التي أعادت الزخم الدولي حول هذا البلد.
هناك الكثير من الصفقات التي كان ينبغي الانتهاء منها خلال الأشهر الماضية، إلا أنها تعطلت بفعل الانفلات الأمني والخوف من تنامي نشاط تنظيم القاعدة، وخلافات الفرقاء السياسيين. أو كما يقول البعض فإن أهم عنصرين حركا المياه الراكدة على الصعيد الدولي بشأن ليبيا أخيرا، هما «السلاح والنفط».. أي تعطل صفقات تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.
قبل بداية عملية «الكرامة» مارست الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا ودول غربية أخرى، ضغوطا على أطراف النزاع الليبي من أجل التهدئة والسيطرة على الفوضى الأمنية والدخول في المسار الديمقراطي. وتشير المصادر إلى أن دولا إقليمية أخرى عملت منذ وقت مبكر في هذا الاتجاه، من بينها مصر وبلدان أفريقية مجاورة، لكن استقالة الدكتور علي زيدان من رئاسة الحكومة وفشل المؤتمر الوطني في لم شمل الخلافات، وتصلب مواقف الميليشيات المسلحة والكتائب التي يقودها متطرفون، أدت على ما يبدو إلى حالة من الإحباط على المستويين المحلي الليبي والإقليمي والدولي.
وبينما كان الليبيون في الداخل ينظمون خلال الشهرين الماضيين فعاليات للعصيان المدني احتجاجا على سياسات المؤتمر الوطني والميليشيات ومظاهر التسلح، زار عدد من المستشارين والمسؤولين الغربيين ليبيا، في محاولة على ما يبدو لفهم ما يجري في هذه البلاد النفطية شاسعة المساحة، وكان من بينهم نائب وزير الخارجية الأميركي ويليام بيرنز. وقال مصدر قبلي ليبي إن زيارة بيرنز سبقتها زيارات أخرى لأميركيين من بينهم مستشار يعمل لصالح وزارة الدفاع الأميركية قام بجولة في الزنتان وطرابلس ومصراتة والمنطقة الشرقية، مشيرا إلى أن الأميركيين لديهم قلق من تصاعد نفوذ المتشددين في ليبيا.
وتتلاقى أهداف عملية «الكرامة» مع أطراف أخرى داخلية وخارجية لأنها «ربما ستكون طريقا جديدا لبناء دولة متماسكة، في حال تمكن قائدها حفتر من جمع الأطراف الرئيسة والفاعلة في البلاد حول مشروع وطني يؤيده الشارع، لاستعادة سلطة الدولة المركزية»، كما يقول أحد القيادات الليبية السابقة المقيمة في العاصمة المصرية القاهرة. ويضيف أن أمام حفتر عدة تحديات من بينها إيجاد خطاب متوازن يرضي ثورة 17 فبراير (شباط) ويرضي القبائل التي جرى تهميشها وإقصاؤها تحت زعم مساندتها لحكم القذافي، بالإضافة إلى إقناع القيادات التي خرجت بفعل قانون العزل السياسي من الحياة العامة منذ صيف العام الماضي، بالتفاهم وتصويب الوضع القانوني الذي تضرر منه الألوف من الليبيين ممن عملوا في الإدارات الحكومية في العهد السابق.
ومنذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي في خريف عام 2011، كانت خيوط الدولة المركزية تفلت يوما بعد يوم من بين أصابع قيادات الحكم الجديدة. وجرى إقصاء أي إمكانية لتكوين جيش وسلطات أمنية قوية، لصالح استفحال الميليشيات والكتائب وسيطرتها على مخازن سلاح جيش القذافي وكتائبه، وإحلال نفسها محله ليتحول قادة هذه الميليشيات وأمراؤها إلى المئات مما أصبح يسميه البعض «القذافيين الصغار». ويمارس قادة الميليشيات سياسات القذافي في الإقصاء والتهميش والاحتجاز والمحاكمة خارج نطاق القانون. أو كما يقول أحد الأساتذة في جامعة بنغازي: «من السهل الإطاحة بديكتاتور، ومن الصعب بناء دولة».
وحصلت «الشرق الأوسط» على وثائق جديدة تخص التحقيق في مقتل اللواء عبد الفتاح يونس، الذي كان يسعى لتفعيل الجيش الوطني الليبي، ليكون ركيزة للدولة الجديدة في صيف 2011، وتبين هذه الوثائق إدراك قادة الميليشيات الإسلامية منذ وقت مبكر لخطورة وجود جيش أو سلطة مركزية قوية على مستقبلها. كما تشير هذه الوثائق إلى وجود تململ من جانب اللواء حفتر بسبب عدم حسم اللواء يونس لعدة أمور ظلت معلقة وربما تسببت في مقتله في نهاية المطاف، ومن بينها العلاقة المركبة والغامضة بين يونس ومراكز حلف الناتو التي كانت تدير عمليات القصف ضد قوات القذافي، وعلاقته بقادة الميليشيات، خاصة تلك التي يقودها إسلاميون ليبيون متشددون قادمون من أفغانستان وغيرها، وكانوا يدبرون المكائد ضده دون أن يتخذ الاحتياطات اللازمة.
ويقول أحد العسكريين الليبيين إن حفتر بدأ في ذلك الوقت في التراجع خطوات للخلف، لأنه لم يكن راضيا عن طريقة عمل يونس على الجبهة. وحين تعرض يونس للقتل على أيدي من يعتقد أنهم إسلاميون متشددون، ابتعد حفتر عن القيادة، وظل يعمل بقدر استطاعته للإسهام في القضاء على القذافي دون أن يكون موجودا في الصفوف الأولى التي حرص أمراء الحرب من الجماعات الإسلامية مثل «الجماعة المقاتلة» و«الإخوان» وغيرهما، على تصدر مشهدها طيلة الوقت. وحين انتهى نظام القذافي، أخذت الميليشيات والكتائب الإسلامية تعمل على سد أبواب العمل أمام حفتر رغم أهميته كرجل عسكري مخضرم.
ويعتقد البعض أن «الجيش الوطني الليبي» الذي بدأ عملية «الكرامة» أخيرا بقيادة حفتر مجرد اسم جديد لمجموعة من العسكريين. وهذا غالبا غير صحيح. وكلمة «الجيش الوطني» ارتبطت أساسا بحفتر حين انضم إلى المعارضة الليبية ضد القذافي في الخارج في ثمانينات القرن الماضي. كان حفتر من رجال الجيش في عهد النظام السابق، وحقق انتصارات في قيادته للحرب الليبية في تشاد، مما تسبب في خوف القذافي منه، فتخلى عنه، ليقع في أسر التشاديين مع مئات من الجنود الليبيين في معركة وادي الدوم الشهيرة عام 1987.
وبعد هذه الواقعة انشق حفتر عن القذافي وتدخلت عدة دول مع ظروف سياسية أخرى، لتحريره من الأسر، وانتقل مع رفاقه إلى الخارج، وبدأ في تأسيس الجيش الوطني عام 1988 ليكون الذراع العسكرية للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، وهي جبهة معارضة كانت تتكون من معظم القيادات التي عادت من المنفى وأسهمت في الإطاحة بنظام القذافي في 2011، لكن المؤتمر الوطني المنحاز للميليشيات الإسلامية تخلص من غالبية قيادات المعارضة هذه، وتسببت حالة الفوضى في طرد الكثير من السياسيين الكبار إلى خارج البلاد مرة أخرى، واستخدم قادة إسلاميون عدة وسائل مثل إصدار قانون العزل السياسي، والخطف والاغتيالات ووصم قادة المعارضة التاريخية بـ«الليبراليين والعلمانيين» الذين يعارضون إقامة دولة إسلامية في ليبيا، وغيرها من وسائل الترهيب.
وقبل الوصول إلى مطلع تسعينات القرن الماضي كان الزخم حول الجيش الوطني الليبي قد بدأ في التراجع، ولم يظهر مجددا بشكل قوي إلا مع عودة حفتر من الخارج مع بدء الانتفاضة المسلحة ضد القذافي في 2011، لكن مقتل يونس أدى إلى تبخر حلم إحياء الجيش الوطني.
وبدأ الحكام الجدد في المجلس الانتقالي وعدة دول أجنبية في التعامل مع قادة الميليشيات والكتائب كجيوش مستقلة عن بعضها البعض، لا يجمعها غير الرغبة في التخلص من القذافي. انتهت المهمة، لكن هذه المجموعات المسلحة ما زالت تعمل كجيوش صغيرة داخل الدولة التي تركها القذافي وهي تعاني تناقضات معقدة.
مثلا في منطقة جنوب ليبيا، أو ما يعرف بـ«إقليم فزان»، كانت التربة صالحة لإنبات وضع مختل، وفقا لما أشار إليه تقرير للباحث الألماني ولفرام لاخر، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن تقريره اعتمد على «مقابلات أجريت مع شخصيات سياسية وعسكرية في سبها وأوباري ومرزق في شهر سبتمبر من عام 2013 ومع ممثلين عن فصائل المجتمع في الجنوب الليبي في كل من طرابلس وبنغازي ونيامي وأغادز في عامي 2012 و2013 وشهر يناير (كانون الثاني) من عام 2014».
«لقد انقسمت فزان، كما هو حال سائر مناطق ليبيا، إلى مناطق نفوذ محلية متعددة، فمنها ما يرزح تحت سيطرة مجموعة مسلحة واحدة، ومنها ما تتصارع عليه مجموعات كثيرة، كما في بعض أجزاء من سبها». هكذا يشير تقرير «ولفرام لاخر». لكنه يتحدث أيضا عن اشتباه في قدرة المجموعات المتطرفة على عبور فزان بالاعتماد على حلفائهم المحليين «فقد أرسلت مجموعة أنصار الشريعة على الأقل رتلا من المقاتلين والأسلحة إلى شمال مالي في أواخر عام 2012، ونقل أن هذا الرتل استخدم أذونات رسمية لعبور نقاط التفتيش في (منطقتي) هون وتمنهنت. وكذلك نقل أن المجموعة المسؤولة عن هجمات يناير من عام 2013 على المرافق النفطية في عين أميناس في الجزائر كانت قد اجتمعت في العوينات شمال غات في ليبيا».
ويزيد التقرير قائلا إن أكثر المناطق الجغرافية قيمة تتمثل في «الحدود والطرق ونقاط التفتيش وحقول النفط والقواعد العسكرية ومستودعات السلاح.. وقد أدت الأرباح التي تجنى من هذه الموجودات إلى إغراء المجموعات المسلحة لتوسيع نطاق سيطرتها أو مضاعفة أرباحها.. ففي يونيو (حزيران) من عام 2013. على سبيل المثال، قام الحرس المنتمون إلى قبائل التبو بإيقاف الإنتاج في حقل الفيل (النفطي) للمطالبة بفرص عمل إضافية لأفراد المجتمع المحلي في مجال حماية هذا الحقل. وعندما أراد الحرس القادمون من الزنتان والمسؤولون عن حماية الحقل فك الحصار عنه، قوبلوا بتعزيزات من التبو اضطرتهم إلى التقهقر، وانتهت الأزمة بتعزيز حرس التبو لمواقعهم في الحقل». ويقول «ولفرام لاخر» إن المصالح التي رسختها المجموعات المسلحة ستشكل عائقا كبيرا أمام محاولات إعادة تأسيس سلطة الدولة.
ويطلق البعض على ما يجري في ليبيا تعبير «الصراع بين السلاح القبلي والسلاح الإسلامي»، في إشارة إلى المجموعات القبلية التي تمكنت من الاستحواذ على الألوف من قطع السلاح الخفيف والمتوسط والثقيل عقب سقوط نظام القذافي، والتحصن وراء ما تملكه من ترسانة أسلحة لحماية نفسها من الميليشيات والكتائب الإسلامية المدججة بالأسلحة بما فيها الدبابات والصواريخ.. لكن المشكلة الرئيسة، كما يراها البعض، أن الميليشيات والكتائب لها نصيب الأسد في الدولة الجديدة بسبب الاعتماد عليها من جانب المؤتمر الوطني والحكومة، على حساب القبائل، خاصة تلك التي كانت منخرطة في الأجهزة الأمنية التابعة للقذافي.
وتبرز التفاصيل الصغيرة للصراع اليومي بين السلاح القبلي والإسلامي، في كل المناطق النفطية، خاصة تلك التي جرى فيها استجلاب عمالة من خارج المدن القريبة منها، وتسبب هذا النزاع في إغلاق موانئ نفطية في عدة مناطق في هذا البلد العضو في منظمة أوبك، خاصة في منطقة الشرق، مما كبد البلاد خسائر بمليارات الدولارات، وتوقفت الغالبية العظمى من صادرات البلاد، وتأخر تنفيذ عقود تخص عشرات الشركات النفطية الأجنبية.. فبعد أن كان الإنتاج اليومي قبيل فبراير 2011 يصل إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميا، تراجع إلى نحو 200 ألف برميل يوميا.
وتبرز تفاصيل الصراع اليومي أيضا في كل الأراضي المتنازع عليها.. والمقصود هنا تلك الأراضي الشاسعة التي أقام عليها القذافي مشروعات ومساكن بينما هي تخص قبائل، بينما من يستفيد من هذه المشروعات والمساكن قبائل أخرى. وكل هذا يحتاج لدولة مركزية قوية قادرة على صياغة قوانين وإصلاح ما أعطبه القذافي، ومعالجة إقصاء الحكام الجدد لقبائل مهمة مثل ورفلة وورشفانة وترهونة والمقارحة وغيرها.
وتصور أغان شعبية ليبية البرلمان الذي يهيمن عليها الإسلاميون وجماعة الإخوان على أنه «ذئب»، وتصور ليبيا على أنها «ضأن»، بينما الراعي هو «الشعب». وتقول كلمات الأغنية إن الراعي عليه أن يواجه الذئب الجديد لحماية أغنامه، بعد أن تخلص من الذئب السابق.
وتتجسد مأساة التعامل بناء على الانتماء للميليشيات والهوية القبلية، في حكايات أخرى لليبيين. مثلا تقول هذه القصة إن أحد المصريين انطلق في سيارة أجرة من مدينة طرابلس الليبية، متوجها إلى بلاده بصحبة ستة من أصدقائه الليبيين، وفي كل نقطة تفتيش من تلك النقاط التي تسيطر عليها الميليشيات المسلحة على الطرق البرية من طرابلس إلى حدود مصر، مرورا بمدينتي سرت وبنغازي، كان يجري سؤال الركاب الليبيين عن هويتهم القبلية ودرجة ولائهم للميليشيات. ويقول المصري إنه في نهاية المطاف وصل إلى حدود بلاده وحده، بعد أن قام المسؤولون عن تلك البوابات بتوقيف أصدقائه واحدا تلو الآخر لأسباب قبلية وميليشياوية إسلامية.
وتوجد الكثير من الحالات المماثلة للنزاع ليس في الجنوب الليبي فقط كما ورد في تقرير السيد «لاخر»، بل في شرق البلاد وغربها أيضا.. أي في إقليمي برقة وطرابلس، حول مواقع النفوذ، خاصة فيما يتعلق بحراسة حقول النفط التي تعمل فيها شركات تابعة للكثير من الدول، والسيطرة على المطارات الجوية، ومخازن السلاح، وغيرها. وتوجد نحو 40 شركة نفط دولية لها تعاقدت مع الدولة الليبية منذ عهد القذافي، أصيبت بأضرار بالغة منذ ثورة 2011، بسبب تراجع القدرة على التصدير أو الالتزام بالتعاقدات، من بينها شركات أميركية تعمل في المنطقة التي يسيطر عليها دعاة الحكم الفيدرالي في الشرق، وأخرى إيطالية في جنوب غربي طرابلس، إضافة لشركات فرنسية لها حصص في آبار نفطية في الجنوب.
وحول ما إذا كان يعتقد بوجود ضغوط تمارس من جانب جهات دولية من أجل تحقيق الاستقرار في ليبيا بشكل عاجل لتنفيذ صفقات معطلة منذ أشهر، خاصة بالسلاح والبترول، قال مصدر قبلي كان من ضمن وفود ليبية رسمية زارت القاهرة في أبريل (نيسان) الماضي: بطبيعة الحال الدول تسعى لمصالحها، سواء الغرب؛ أوروبا، أو أميركا.. توجد شركات تابعة لهذه الدول أصبحت متضررة بشكل كبير.. والأطراف الرئيسة، وعلى رأسها واشنطن، يمكن أن تقول إنها أصبحت تدرك أن الوضع في ليبيا يحتاج إلى جهود دولية حقيقية لمساندتها.
وتقول المصادر الليبية إن حفتر حاول بالتعاون مع عدة «أطراف وطنية» داخل البلاد وخارجها، البدء بعملية الكرامة في فبراير الماضي، لكن العملية تعرضت للإجهاض حين تعجل بعض القادة على الأرض في تنفيذ مهام دون تنسيق، خاصة في الجنوب وفي طرابلس. وتزامن ذلك مع زيادة دول ذات مصلحة في ليبيا، للضغط من أجل التوصل لحلول دون اللجوء لنزاع طويل الأمد بين الفرقاء الليبيين، ومن بين هذه الدول فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة.
وتشير المصادر إلى أن الدول الغربية ضغطت على أطراف إقليمية لها علاقات وثيقة بقادة قبائل وميليشيات وكتائب مسلحة، من أجل الانخراط في عملية بناء الدولة الليبية، وتشكيل جيش وشرطة ومؤسسات وحكومة مركزية قوية، إلا أن هذه المحاولات لم تأت بأي نتائج ذات شأن، مما فتح الباب لكل الاحتمالات، بما فيها مصير عملية الكرامة التي بدأت أخيرا بشكل أكثر تنسيقا واحترافية من المحاولة السابقة التي جرت في فبراير، وكانت «مجرد دعوة للم الشمل السياسي»، قبل أن تتحول إلى عملية عسكرية، عقب اتهام المؤتمر الوطني لحفتر ومن معه بمحاولة الانقلاب على ما يسميه الإسلاميون وقادة الإخوان الليبيين «الشرعية»، ليستمر الصراع بين الضأن والراعي والذئب الجديد.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.