يحدث في السعودية الآن... «مركز مسك للفنون» وجناح دائم ببينالي البندقية

الفنان أحمد ماطر المدير التنفيذي للمركز: نحن جزء من ثقافة العالم

TT

يحدث في السعودية الآن... «مركز مسك للفنون» وجناح دائم ببينالي البندقية

يتحدث الفنان السعودي لـ«الشرق الأوسط» هاتفياً من نيويورك، حيث يقيم معرضاً فردياً لأعماله في متحف بروكلين؛ الحدث له مكانة خاصة في مسيرة أحمد ماطر الفنية، فهو معرضه الفردي الثاني في الولايات المتحدة الأميركية، وهو أيضاً المعرض الذي سيتوقف بعده عن إقامة المعارض الفنية. بصوت يفيض بالحماسة والنشاط، يقول ماطر لـ«الشرق الأوسط» إنه سيتوقف عن عرض أعماله الفنية للتفرغ لمهمة أكبر، وهي إدارة أول مركز ومعهد فني في السعودية، وهو «معهد مسك للفنون»، أو كما يصفه ماطر «مركز مسك للفنون البصرية».
المفاجأة كبيرة، خصوصاً بالنسبة لفنان من قيمة ووزن ماطر، نجح في الوصول للعالمية عبر أعمال اقتنتها المتاحف العالمية، وجدول أعماله مزدحم دائماً باللقاءات والمحاضرات والإبداع. يقول ماطر: «بعد مرحلة التجريب الفني والعمل ودخول المتاحف العالمية، سأتوقف لفترة من الوقت، وأبدا مهمتي الجديدة. رأيت منذ فترة فيلماً عن المصور العالمي سباستياو سالغادو، الذي قرر بعد مشوار مشهود في التصوير الفوتوغرافي أن يعود لموطنه في البرازيل ليرعى غابة ضخمة بعد أن تدهورت، ولكنه أعادها مزدهرة خضراء للناس وللطبيعة». يستعير ماطر من حكاية سالغادو مضمونها ومغزاها، قائلاً: «بالنسبة لي، الغابة الخضراء هي معهد الفنون الذي سيفتح أبوابه للكل. سيكون مكاناً نلتقي فيه ونتعاهد على الفن والثقافة والمستقبل».
ويملك ماطر طموحاً لا حد له، ومن يعرفه يعرف أنه مدمن للعمل والإنتاج والإبداع، وهو ما سيحمله معه في دوره الجديد كمدير تنفيذي لـ«معهد مسك للفنون»؛ يقول: «نحن الآن في السعودية الجديدة نصنع المستقبل للشباب والحياة والفن والثقافة. الآن، نتحمل مسؤوليتنا كجيل نجح في تحقيق كثير من طموحاته، ودورنا الآن هو أن نصنع جيلاً جديداً من الفنانين والمثقفين الشباب، ليخرجوا للعالمية وليصنعوا صورة السعودية الحديثة في الخارج».
وقبل الإطلاق الرسمي لـ«معهد مسك للفنون»، كان النشاط يدب في الفريق المسؤول عنه، وكانت الفعاليات تتوالى. وفي سبيل تكوين مركز للفنون يفي بحاجات الشباب، ويكون على مستوى عالمي، قام الفريق باللقاء مع مدراء متاحف عالميين، حسب ما يقوله لنا ماطر: «التقينا بمدراء متاحف رائدة، مثل متحف موما ومتحف المتروبوليتان في نيويورك والمتحف البريطاني في لندن وغيرهم، لنأخذ منهم أفكاراً وبعض المرئيات، كما أقمنا ورش عمل لنكون الرؤية العامة للمعهد».
أسأله عن تفاصيل أكثر حول المعهد ونشاطاته، فيقول إن هناك مسابقة بين معماريين عالميين لتصميم مقر المعهد، وسيعلن في نهاية الشهر الحالي (ديسمبر | كانون الأول) عن الفائز، ويستطرد قائلاً إن المعهد لا يختص فقط بالتعليم، بل هو كما يفضل أن يصفه «مركز حضري فني ثقافي، مثل (سنتر بومبيدو) في باريس: فيه تعليم، وفيه عروض، وفيه برنامج سنوي».
وتبدو الروزنامة للأعوام المقبلة مشحونة بالأفكار والفعاليات، فالبرنامج المقبل كما يقول ماطر يمتد على فترة من 2018 إلى 2020، وهو برنامج يضم التعليم الفني وسلسلة من المعارض، بالإضافة لأسبوع مسك للفنون الذي سيقام بدءاً من 2018، في الفترة ما بين 1 و7 أبريل (نيسان)، حيث سيكون الأسبوع مناسبة لـ«لقاء كل الفنانين والمثقفين والمفكرين والمهتمين بالفنون البصرية الذين يشاركون عبر عدة منصات».
وبما أن المعهد تعليمي في جزء من أهدافه، أستفسر منه عن تفاصيل أكثر، فيقول بداية إن الجانب التعليمي للمعهد سيكون غير تقليدي، ويضيف: «نؤمن بطريقة التعليم الحديثة؛ لن يكون هناك الفصول التقليدية، سيكون مثل المصنع، يتعلم الفنانين الصناعة الفنية والثقافة والبحث، سيكون مركزاً للأبحاث يستطيع الفنان أن يقرأ ويبني ثقافته عبره».

- مقر دائم للسعودية في بينالي البندقية
ويلقي ماطر بالمفاجأة الأكبر عندما ينتقل للحديث عن البرنامج الدولي لـ«معهد مسك للفنون»، ويقول: «هي المنصة التي تحتاجها السعودية، وأستطيع إعلانها عن طريق (الشرق الأوسط)، حيث حصلنا على الموافقة على إقامة أول جناح دائم في بينالي البندقية. والآن، نختار المبنى المناسب في فينيسيا، بعد أن تم اعتمادنا رسمياً من قبل إدارة البينالي».
ويبدو ذلك كتحقيق لحلم الكثيرين من المهتمين والفنانين والمسؤولين في المملكة، فالسعودية «ظلمت» بعدم حصولها على مقر دائم في أرض البينالي، ولكن الأمر تغير الآن، حيث ستكون للمملكة منصة دائمة تعرض من خلالها الفنون والعمارة والسينما والموسيقى والمسرح: «لدينا منصتنا هناك. الآن، السعودية جزء من ثقافة العالم، فالسعودية ستشارك في بينالي البندقية بكل أفرعه عن طريق مركز مسك، المنبثق من مؤسسة مسك الخيرية، وهي المظلة الرئيسية».
«السعودية من خلال الفن» مفهوم يعرفه ماطر جيداً، وقد قدم من خلاله كثيراً من أعماله في الخارج. والآن، ومن خلال دوره الجديد، يأخذ هذا الهدف ليجعله استراتيجية لعمل المعهد، فيقول: «أيضاً، عندنا مهرجان عربي في نيويورك، ومعارض في فرنسا ولندن، ومعرض متجول، وهو (طريق البخور) الذي سيكون معرضنا المتجول، حاملاً الفكر والثقافة السعودية للعالم، وهو معرض متنوع ومتغير نعرض فيه لفنانين من عدة اتجاهات، إضافة إلى العروض الأدائية. وكانت التجربة الأولى لهذا المعرض باليونيسكو، وقد كانت ناجحة. والآن، نحاول توسيع المعرض ليصبح معرضاً يقدم السعودية للجمهور العالمي». ويشير إلى أن المحطات المقبلة لـ«طريق البخور» ستكون لندن ونيويورك وطوكيو.
شراكة مع «آرت دبي» ومعرض للكتاب
هذا بالنسبة لبرنامجكم المحلي والعالمي، ماذا عن البرنامج الإقليمي؟ كان سؤالي التالي، ويجيبني قائلاً: «سنعلن قريباً عن شراكة مع (آرت دبي)، ولكنها غير ربحية. سنهتم بالبرنامج التعليمي والفنون الحديثة، وتاريخ الفن الحديث العربي والسعودي، وسيكون هناك معرض بعنوان (50 عاماً من الفن السعودي)، وهو معرض تاريخي وأحد المعارض التي نعدها للعرض في المستقبل».
كما سيقيم المعهد في «آرت دبي» أول معرض فني للكتاب، من الكتاب المقروء إلى الكتاب الديجيتال «ليكون الكتاب جزءاً من تجربتنا الثقافية، حتى نعزز فكرة القراءة في مجتمعات الفنون».
أحلام وطموح لا حدود لهما، أجدني أتوقف قليلاً لأستوعب كل ما ذكره ماطر، وأعقب قائلة: بمعنى آخر، سيخلق المركز حالة جديدة من الإبداع في المملكة، فيقول: «هذا هو هدفنا بالفعل. أشعر أن الفترة إيجابية، ولهذا أنا متحمس للعمل وإكمال هذه الرسالة».
جدير بالذكر أن «مركز مسك للفنون» أطلق برنامجه الإقليمي الأول، على هامش «آرت أبوظبي»، الشهر الماضي.
والمعهد الذي أطلقته مؤسسة مسك الخيرية يطلق برامجه من خلال موقعين في الرياض وأبها، بجنوب غربي السعودية، حيث مثلت قرية المفتاحة الفنية بدايات حركة فنية معاصرة في السعودية، وخرج منها جيل كامل من الفنانين السعوديين الذي تألقوا على المستويين المحلي والعالمي. ويمتد البرنامج على مدار العام المقبل، ويشمل عدة مشاريع طموحة تعيد تشكيل المشهد الفني في السعودية عبر مشروعات لدعم المشاريع الفنية العامة والمعارض، ومعرض خاص بكتب الفن يقام بالتزامن مع أسبوع الفن بجدة، إضافة لمشاريع لدعم مناهج الفن في المدارس السعودية وبرامج التبادل الفني العالمية.
وبنظرة أقرب، يتوجه المعهد لتخصيص جائزة فنية محلية، إضافة إلى برنامج حافل من المعارض والفعاليات التي ستقام على هامش «آرت دبي»، في مارس (آذار) المقبل. كما ستحتضن العاصمة الرياض مهرجاناً فنياً ومعارض لفنانين سعوديين.



واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
«توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها. وبينما اتخذت وزارة السياحة والآثار المصرية إجراءات فورية ضد المتورطين في الواقعة، واستبعدتهم من مواقع عملهم وأحالتهم للتحقيق طالب خبراء ومتخصصون بتشديد إجراءات التأمين للمواقع الأثرية، وتشديد عقوبات التعدي على الآثار.

وأصدرت وزارة السياحة والآثار بياناً، الأربعاء، أشارت خلاله إلى تداول صور على بعض مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر قيام سائحتين بتسلق أحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية، ما عدّته الوزارة «مخالفة صريحة لكافة القوانين واللوائح المنظمة للزيارة داخل المواقع الأثرية»، مؤكدة أنه «تم على الفور استبعاد المسؤولين المتورطين في هذه الواقعة من أماكن عملهم، وإحالتهم إلى التحقيق، مع اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيالهم، وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة».

وأكدت الوزارة التزامها الكامل بـ«الحفاظ على المواقع الأثرية والسياحية واحترام قواعد زيارتها، والتصدي بكل حزم لأي تجاوزات من شأنها الإخلال بالضوابط والقواعد المعمول بها، بما يضمن صون التراث الحضاري والأثري المصري».

والسيرابيوم هو سرداب يضم دفنات للعجل المقدس «أبيس» الذي ارتبط بالمعبود بتاح معبود مدينة منف، ويؤدي طريق على جانبيه تماثيل أبو الهول إلى السيرابيوم الذي يتألف من ممرين طويلين كانا يحويان بقايا العجول المحنطة. وقد بدأ استخدام السيرابيوم منذ عهد أمنحتب الثالث بالدولة الحديثة حتى العصر البطلمي، وفق وزارة السياحة والآثار. وتضم ممرات السيرابيوم 24 تابوتاً حجرياً ضخماً، مصنوعة من أحجار صلبة، ويصل وزن كل تابوت إلى نحو 60 طناً، وفق تقديرات أثرية.

ووصف الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، هذه الواقعة بأنها «سلوك فردي وحالات فردية لا ترتقي لمستوى الظاهرة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «يجب مراعاة كل الاحتياطات اللازمة في التعامل مع الآثار لضمان حمايتها وحفظها من العبث بها حتى لو كانت حالات فردية»، ودعا عبد المقصود إلى «تشديد الرقابة عبر استخدام المزيد من الكاميرات؛ لأنه لن نستطيع تخصيص عنصر بشري لكل أثر، وهذا يحدث في بعض المواقع، لكن يجب أن يمتد لكل المواقع»، وعدّ الإجراء الذي اتخذته وزارة السياحة «حاسماً ومن شأنه أن يحد ويوقف هذه التصرفات الفردية، ويضع كل شخص أمام مسؤولياته».

وشهدت منطقة سقّارة الأثرية واقعة مشابهة في فبراير (شباط) الماضي؛ إذ تم توقيف مرشد سياحي لقيامه بالرسم على أحد الآثار أثناء الشرح لمجموعة سياحية. وبمواجهته بمقطع فيديو متداول، أقر بارتكاب الواقعة، وبرر تصرفه برغبته في تبسيط المعلومات التاريخية للسائحين، دون تقديره لخطورة الفعل أو تبعاته القانونية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضده، وإزالة الرسوم بمعرفة متخصصين.

ممرات السيرابيوم بسقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن معاقبة المتورطين في واقعة السماح لسائحتين بتسلق «تابوت السيرابيوم» بسقّارة، هي إجراء قانوني وفقاً لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته؛ إذ إن القانون يجرم لمس الآثار والتسلق، بالإضافة إلى أن ذلك يدخل في دور الإهمال، مما يستدعي التعامل وفقاً للقوانين.

وقال عامر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الواقعة ليست الأولى في منطقة آثار سقّارة؛ فقد سبقها قبل ذلك كحت بآلة حادة في مقبرة (مريروكا)، وكذلك سرقة جدارية من مقبرة (خنتي_كا)، مما يستوجب إعادة تقييم المنظومة الأمنية بهذه المنطقة المهمة، بالإضافة إلى التفتيش والمتابعة الدورية، ولا بد من وضع كاميرات مراقبة داخل هذه الأماكن المهمة».

وتحدد المادة 45 من قانون حماية الآثار المصرية رقم 117 لسنة 1983 عقوبة من يتسلق أثراً دون ترخيص له بذلك؛ إذ تصل إلى الحبس شهراً وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه (الدولار يساوي نحو 52.85 جنيه مصري)، ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، أن البيان الذي أصدرته وزارة السياحة والآثار حول الواقعة «يعكس قدراً عالياً من المسؤولية المؤسسية في التعامل مع واقعة (تابوت السيرابيوم) في سقّارة بسرعة وحسم؛ إذ بادرت بفتح تحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المتورطين، في خطوة تؤكد التزامها الصارم بحماية التراث الأثري وصونه».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن هذا التحرك السريع يؤكد الوعي بأهمية المواقع الأثرية، ليس فقط بوصفها شواهد تاريخية، بل باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية المصرية وإرثاً إنسانياً عالمياً. كما يعكس حرص الوزارة على تطبيق معايير الانضباط والرقابة داخل المنظومة الأثرية، بما يضمن الحفاظ على هذه الكنوز الفريدة.

وعدّت أن «الحفاظ على الآثار يأتي في صدارة الأولويات. كما يعكس ذلك نهجاً إدارياً يسعى إلى التطوير المستمر، وتعزيز كفاءة الأداء داخل المواقع الأثرية كدليل على جدية الدولة في صون تراثها الحضاري، وقدرتها على التعامل باحترافية مع التحديات، بما يدعم مكانة مصر كوجهة ثقافية وسياحية تحظى بالاحترام والتقدير على المستويين الإقليمي والدولي».


«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
TT

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

لا يكتفي الفنان السوداني الهميم الماحي باستحضار صورة الأم بمعناها المباشر، بل يذهب إلى ما هو أبعد، حيث تتحوَّل الأمومة إلى استعارة للأرض والوطن في معرضه الأحدث «أمومة» الذي يستضيفه غاليري «أكسيس آرت سبيس» بوسط القاهرة.

ويقول الفنان إنه المعرض الفردي هو الثاني له في غاليري «أكسيس»، إذ سبقه معرض «طبقات من الجنوب» عام 2022، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «رغم اختلاف الثيمة، فإنّ المعرض الجديد يُعدّ امتداداً للمعرض الأول، فالأمومة أساس الحياة، وهي رمز وحدة الوطن وتماسكه ودفئه، مثلما هي الحال في الأسرة؛ وهو ما تناولته في معرضي السابق الذي احتفى بالوطن في الأساس».

سردية ممتدَّة عن السودان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «معظم لوحاتي تنبع من الخيال أو مستمدة من البيئة السودانية؛ ولذلك فهي تتجاوز صورة الأم في دورها داخل الأسرة لتغدو العمود الفقري الذي تستند إليه الحياة اليومية بكل تفاصيلها»، مؤكداً أنّ «المرأة السودانية، أدَّت، كما هي الحال في كثير من المجتمعات، خصوصاً التي تواجه تحديات وصراعات، أدواراً مُتشعِّبة، امتدَّت من تدبير شؤون البيت إلى الإسهام في المجال العام، لتكون شريكاً أصيلاً في صياغة ملامح المجتمع وهويته».

ويوضح أنها «في لحظات الطمأنينة كانت ملاذاً للحنان والاحتواء، أما في أوقات الشدَّة، فقد برزت على هيئة قوة صلبة تحيط أسرتها بالرعاية والحماية والصمود».

يظلُّ الوطن حاضراً في تفاصيل العمل (الشرق الأوسط)

وعلى المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية، وتردّد الأشعار والأمثال التي تختزن خبرات الأجيال، وإنما هذه الصورة المضيئة تواجه اليوم، في تلك المجتمعات، في ظلّ الحروب والأهوال العالمية، واقعاً بالغ القسوة، وفق ما تُبينه لوحات الماحي.

وفي عيد الأم، تتجدَّد مكانتها رمزاً للحياة والصبر، وتتجدَّد معه مظاهر الاحتفاء والتقدير؛ ومن هنا أراد الفنان تكريمها من خلال هذا المعرض، وجاءت معالجته لقضية الأمومة، ليس فقط من خلال الوجوه لأمهات أو امرأة وطفلها، إنما جاءت وسط حشود ومَشاهد درامية تسرد كثيراً عن المجتمع العالمي.

ويكشف المعرض، المستمرّ حتى نهاية مارس (آذار) الحالي، عن ارتباط وثيق بين تجربة الفنان وبيئته الأولى من جهة، والعالم المحيط من جهة أخرى، مستخدماً في ذلك المعالجة التجريدية، وهي مرحلة فنّية جديدة تشكَّلت عبر مسار طويل من التجريب.

ففي بداياته، تنقَّل الفنان بين مدارس وأساليب متعدّدة، من رسم البورتريه إلى الطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية، في محاولة لاكتشاف أدواته الخاصة.

حضور المرأة وسط الحشود ضمن فلسفة المعرض (الشرق الأوسط)

ويضمّ المعرض نحو 30 عملاً، تتنوَّع في أحجامها وتكويناتها، وتعتمد على الألوان الزيتية والأكريليك، مع ميل واضح إلى الاختزال في الشكل والتركيز على الجوهر.

من اللافت أنه يطرح في مضمونه أسئلة تتّصل بالهوية والانتماء، مثل: «كيف يمكن للإنسان أن يعيد تعريف ذاته بعيداً عن أرضه؟ وهل يصبح الفن بديلاً مؤقتاً عن الوطن أم وسيلة للعودة إليه؟»، هذه التساؤلات تتسلَّل عبر الأعمال بسلاسة، من خلال حشده للشخوص واستحضاره رموزاً ومفردات من بيئته، ممّا يجعل المتلقي جزءاً من التجربة ذاتها.

وفي بعض الأعمال، تتجلَّى الروح الصوفية في تقاطع لافت مع فكرة الأمومة، إذ تتجاور مفاهيم الحبّ والاحتواء مع التجربة الروحية التي تحتفي بالصفاء الداخلي.

ولا يمكن فصل هذا الحضور عن السياق الأوسع للتصوّف، الذي لعبت فيه الأم دوراً مهماً عبر التاريخ، سواء من خلال الممارسة الروحية أو الإسهام في تشكيل الوعي الجمعي، فيقول الماحي: «في بعض الأوساط الصوفية، اندمجت النساء مع الرجال في الطقوس».

المرأة في لوحات المعرض رمز للصمود (الشرق الأوسط)

ويتابع: «وفي طرق صوفية أخرى، اجتمعت النساء في حلقات خاصة بهن للتأمُّل والعبادة بمعزل عن الرجال، بل كرَّست بعض النساء أنفسهن للروحانية زهداً، بينما اختارت أخريات دور المُحسنات ورعين حلقات العبادة والدراسة».

وفي هذا الإطار، تبدو بعض الأعمال كأنها تستعيد هذا الامتداد، عبر رموز وإشارات تفتح المجال لتأويلات متعدّدة.

ينتمي الهميم الماحي إبراهيم إلى جيل من الفنانين الذين تشكَّلت تجربتهم عبر التراكم والمعرفة، إذ تعكس أعماله قدرة واضحة على استيعاب الفنّ وإعادة صياغته برؤية خاصة.

وتعود جذوره إلى قرية «قريب» بولاية القضارف شرق السودان، فهناك تشكَّلت ملامح وعيه الأول، ومنذ بداياته سعى إلى تطوير أدواته؛ فالتحق بمعهد «قصر الشباب والأطفال» قبل أن يشارك في ورشات فنّية مع اتحاد التشكيليين السودانيين، ثم في معارض جماعية، من بينها معرض في «المركز الثقافي الفرنسي» عام 2013، إضافةً إلى مشاركاته في فعاليات تُعنى بحماية التراث والفنون تحت مظلة «المجلس القومي للآداب والفنون».


آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
TT

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

قال الفنان الفلسطيني آدم بكري إنّ مسلسل «صحاب الأرض» حكى عن نفسه من خلال ردود الفعل الواسعة التي تلقّاها، فشهادته فيه مجروحة. وكشف في حوار مع «الشرق الأوسط» عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار نفسه، عادّاً فيلم «اللي باقي منك» أهم محطة في مشواره الفنّي، لكونه العمل الوحيد الذي جمعه بوالده الفنان الراحل محمد بكري وشقيقه صالح، مؤكداً أنّ والده رسم صورة واضحة للفنان الفلسطيني، وأنه هو شخصياً رفض أعمالاً أميركية عدّة لأنها تُقدم صورة مشوّهة للإنسان العربي، لأن لديه مسؤولية تجاه الأعمال التي يقدّمها.

وأثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»، لا سيما بعد استشهاده ضمن أحداثه، وقال إنه وافق على العمل بعدما قرأ 3 حلقات فقط منه، إذ لم تكن الحلقات قد اكتمل كتابتها.

وأضاف أنّ المخرج بيتر ميمي تواصل معه، وأوضح له أنّ شخصية «مجد» حسَّاسة تجاه المسؤولية، وأنه تحمَّس كثيراً ليكون جزءاً من هذا العمل، وشعر بأنه سيكون عملاً مصرياً مهماً ولم يحدث قبل ذلك.

آدم بكري في لقطة من مسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنّ «الفلسطينيين الذين عاشوا هذه المأساة تأثروا بالمسلسل، وشعروا بصدقه»، مؤكداً أنّ «صحاب الأرض» حكى عن نفسه عبر ردود فعل إيجابية عربية وأخرى سلبية ردَّدها إسرائيليون، وأنّ العمل ترك الأثر الذي أراده.

«اللي باقي منك»

وجمع الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس، للمرة الأولى، بين آدم بكري ووالده الفنان الكبير محمد بكري وشقيقه صالح، وهو الفيلم الذي يستعيد القضية الفلسطينية من خلال 3 أجيال منذ نكبة 1948، وقد لاقى اهتماماً لافتاً وعُرض في عدد من المهرجانات الكبرى. يقول آدم عنه: «إنه من أهم محطاتي الفنّية لأنه العمل الوحيد الذي جمعني بوالدي وشقيقي. كبرتُ ورأيتُ والدي يقدّم سينما فلسطينية يحكي فيها قصصنا، وكنت أتطلّع إلى يوم أُشاركه في هذه المهمّة، فأكون جزءاً من هذا الفيلم وأؤدي دور والدي شاباً، في حين يستكمل هو دوري حين أكبر. مشاركتي له تُشرفني، فأبي مثلي الأعلى والبطل في عيني».

الفنان الراحل محمد بكري في لقطة مع بعض أبطال «اللي باقي منك» (الشركة المنتجة)

وتحدَّث عن ظروف التصوير: «كان من المفترض أن نُصوّر في فلسطين، وكانت قد بدأت حرب الإبادة في غزة، فصوَّرنا في قبرص واليونان والأردن. كنا نصوّر وسط الحرب، ومثَّل هذا ثقلاً لمعاناة أهلنا في غزة. ولم تجمعني مَشاهد مع أبي، لكننا كنا نعيش معاً في شقة بقبرص خلال التصوير، وزارتنا أمي، وكانت أياماً لا تُنسى».

ويستعيد ليلة العرض الأول للفيلم: «حضرت العرض الأول للفيلم مع أبي في مهرجان (كارلوفي فاري)، وقد وقف الجمهور يصفّق لـ17 دقيقة متواصلة. كان أبي يجلس بجانبي في العرض، ووضع يده فوق يدي مرات تأثراً بردود الأفعال القوية، ثم جئت إلى مصر ولم أشارك في جولة الفيلم بالمهرجانات، إلى أن توفّي والدي في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي».

ومع بدايته السينمائية المبكرة في فيلم «عمر» للمخرج هاني أبو أسعد، الذي أُنتج عام 2013، لفت آدم بكري الأنظار إلى موهبته، إذ قدَّم بطولة هذا الفيلم الذي وصل إلى القائمة القصيرة في ترشيحات الأوسكار. وبعد نحو 13 عاماً من هذه البداية، يقول: «دائماً كانت لديّ مسؤولية تجاه الأعمال التي أقدّمها، لأن والدي رسم صورة واضحة عن مسؤولية الفنان الفلسطيني تجاه وطنه، فلم يكن في حاجة إلى أن يقول لي ماذا أختار أو أرفض، كان هذا واضحاً لي منذ البداية، فأبي مثلي الأعلى».

ومن هذا المنطلق، لم يشارك آدم في أعمال تُشوّه صورة الإنسان العربي، كما يؤكد: «رفضت أعمالاً عدّة في أميركا تُظهر العربي إرهابياً أو شريراً، وقد بات لديّ نضوج أكبر فكرياً وفنياً، ثم جاءت حرب الإبادة لتضع النقاط على الحروف بالنسبة إليّ، فصارت خياراتي دقيقة وحازمة وحاسمة».

الفنان الفلسطيني آدم بكري لا يُساوم على أدوار تُصوّر العربي شريراً (الشرق الأوسط)

وحظي آدم بكري بتكريم خاص في مهرجان القاهرة السينمائي الماضي، وقد تأثر به، كما يقول: «لا يزال أمامي الكثير. وكان والدي قد كرّمه الفنان عمر الشريف في مهرجان القاهرة أيضاً عام 2005، وتكريمي يزيدني مسؤولية وحماسةً، وتعني لي هذه اللفتة من مصر، فقد تربّيتُ على أفلام عمالقة الفنّ المصري، أمثال عمر الشريف، وأحمد زكي، وسعاد حسني، وعبلة كامل، وغيرهم».

وكشف بكري عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار الذي بدأه في مصر من خلال مسلسل «صحاب الأرض».