علي الوردي.. شقاء الفكر وسيرة ذاتية ضائعة

كاتب عراقي رافقه في السنوات الأخيرة من حياته يكتب عنه

علي الوردي.. شقاء الفكر وسيرة ذاتية ضائعة
TT

علي الوردي.. شقاء الفكر وسيرة ذاتية ضائعة

علي الوردي.. شقاء الفكر وسيرة ذاتية ضائعة

صدر عن «دار الحكمة» بلندن كتاب «مائة عام مع الوردي» للباحث محمد الخاقاني. تضمن الكتاب مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، إضافة إلى ملف بالوثائق والصور. ويشير المؤلف في مقدمته الوافية إلى «سانحة الحظ التي أتاحت له مرافقة عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في سنواته العشر الأخيرة من حياته». وقد اطلع الخاقاني خلال هذه السنوات العشر على غالبية المنجز الفكري للدكتور الوردي.
يضع المؤلف عشرة أسباب رئيسة دفعته لإنجاز هذا الكتاب، نذكر منها أن الوردي نفسه قد حصد ثمار جهوده الفكرية التي بذلها طوال حياته، كما أعاد قراءتها وتقييمها في مرحلة الشيخوخة من دون خشية من أحد أو ضغط من هذا الطرف أو ذاك. وقد ساعد هذا التقييم الأخير على تنقية الاختلاط، وفرز التداخل بين الفكرة والنظرية. ثمة أسباب أخرى تتعلق بخشية الخاقاني من تحوير آراء الوردي وتزوير أفكاره، خصوصا آراءه المثيرة للجدل في الأحداث والشخصيات التي روي بعضها بطريقة غير دقيقة مما دفع الباحث لتصحيح بعض الروايات التي حرفت أو شوهت كليا، وكان الخاقاني نفسه قد تجاوز مرحلة المراهقة آنذاك ودخل في مرحلة الشباب التي تؤهله للفحص والتدقيق واستخلاص النتائج.

* صورة قلمية
يركز الفصل الأول من الكتاب على ولادة الوردي وطفولته وصباه، ثم دراسته في بيروت حيث درس التجارة والاقتصاد. وحينما عاد درس في الإعدادية المركزية وثانوية التجارة في بغداد قبل أن يذهب في بعثة دراسية إلى جامعة أوستن الأميركية ويمارس البحث الاستقرائي والاستقصائي. حصل الوردي على شهادة الدكتوراه بتقدير امتياز عن أطروحته الموسومة بـ«التحليل الاجتماعي لنظرية ابن خلدون». وحينما عاد بهذه الشهادة العليا درس مادة «علم النفس الاجتماعي». ثم تدرج الوردي حتى نال لقب الأستاذية، وأسندت إليه رئاسة قسم الاجتماع عام 1963، وبدأت شهرته تتسع وتتخذ منحى عربيا وعالميا بعد أن كتب الكثير عن شخصية الفرد العراقي، وطبيعة المجتمع العراقي. ونتيجة لأفكاره المعروفة التي لم يحد عنها، أقدمت جامعة بغداد على سابقة غير مألوفة حين سحبت منه لقب الأستاذ المتمرس عام 1989، لتبدأ سلسلة جديدة من معاناته إذ منع من السفر، وضيق عليه الخناق في الندوات والمحاضرات فالتجأ إلى المجالس الثقافية وعلى رأسها مجلس الخاقاني، لكن المرض استشرى في جسمه حتى تغلب عليه.

* «سينما بغداد»
كتب الوردي سيرة حياته في كتاب «سينما بغداد»، لكن هذه المخطوطة ضاعت في ظروف غامضة رغم أن الخاقاني قد رآها بأم عينيه. وربما يقول هذا الكتاب إلى جملة الوردي ذائعة الصيت «سوف أدخلك التاريخ» التي يعني بها سوف أدخلك كتاب «سينما بغداد». وقد تحتمل هذه الجملة المدح أو القدح في آن معا، ولكنها قد تنطوي على احتمال آخر مفاده أنه سيقول رأيه الصريح بهذا الشخص. ويتضمن هذا الكتاب المخطوط كل الذين ناقشوا الوردي من السياسيين والأثرياء والأدعياء الذين يمتلكون السلطة والجاه والمال.
ويذكر الخاقاني أن أجهزة النظام السابق قد منعت الوردي من إلقاء بعض محاضراته لأنه قال بأن «الشعب العراقي لم يعلن ولاءه للحاكم»، لذلك كلفوا بعض الشخصيات بمتابعة محاضرات الوردي وندواته. ثم بدأ البعض بالتشهير به كعميل ماسوني تارة، وشعوبي تارة أخرى، بل إن أحدهم اتهمه بأنه جاسوس للحكومة فرد عليه الوردي: «الخطأ ليس منك لكن من الحكومة التي تفضح جواسيسها أمام شخص مثلك».
ويشير الخاقاني إلى أن أهم كتابين أنجزهما الوردي هما «طبيعة المجتمع العراقي» و«لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» بستة أجزاء، إضافة إلى كراس «دراسة في شخصية الفرد العراقي»، و«وعاظ السلاطين»، و«مهزلة العقل البشري»، و«خوارق اللاشعور»، و«الأحلام بين العقيدة والعلم». ومن المعروف أن الوردي، وخاصة في كتابه الأول، استنتج أن الشخصية العراقية مزدوجة المعايير والقيم. فهي من ناحية تنادي بقيم الصحراء من غلبة وانتصار وفخر بالقبيلة والعشيرة والأصل والمحتد، ومن ناحية تتوق إلى التمدن والحضارة وحب للاستقرار والمدنية. وقد لخص هذه الفكرة بمقولة دالة مفادها «أن الشخص العراقي يعشق مثل روميو ويتزوج مثل الملا عليوي»!
وفيما يتعلق بخوارق اللاشعور يحض الوردي على أن ننظر إلى جوهر الإنسان لا إلى مظهره، وهو يصف الشخصية الإنسانية بأنها مثل الجليد العائم الذي نرى عشره ولا نرى التسعة أعشار الغاطسة منه في الماء، كما يعد الوردي العقل البشري متحيزا بطبيعته بسبب العوامل اللاشعورية التي تقوده، وهي الإيحاء الاجتماعي والمصلحة الخاصة والعاطفة. وهو يصف العقل الباطن بأنه منجم من الذهب وكومة من الأقذار. وربما تكون الجملة الأكثر إثارة في «وعاظ السلاطين» أن الخليفة يعبد الله وينهب عباد الله، وأن احتراف مهنة الوعظ تنسب إلى كل من فشل في الحصول على مهنة! وربما يكون المحور المهم الذي طرحه الوردي في كتاب «منطق ابن خلدون» هو «أن العلماء والفقهاء لا يصلحون لإدارة الدولة لأنهم مثاليون بشكل مبالغ فيه وبعيدون عن الواقعية التي يجب أن يتحلى بها الحاكم مراعاة للمصالح الآنية والوقائع المباشرة». ويؤكد الوردي أن ابن خلدون «ابتدع علم العمران وقام بدراسة المجتمعات وطبائع البشر بطريقة لم يألفها مجتمعه من قبل».
ثم ينطلق الكتاب بشكل تفصيلي إلى الشخصيات التي تأثر بها الوردي قبل التخصص وهم العالم اللغوي مصطفى جواد وهبة الدين الشهرستاني والسيد محسن الأمين العاملي، والملك فيصل الأول، وسلامة موسى. أما الشخصيات التي تأثر بها في الدراسات الاجتماعية فهي ابن خلدون وويليام سمنر وأرنولد توينبي ودايل كارينجي ووليم أوغبرن. وفي مجال الدراسات الاجتماعية السياسية فيمكن الإشارة إلى مكيافيللي وجون ستيوارت مل، كما تمركزت منهجية الوردي وآليات بحثه، كما يضيف المؤلف، على ثلاث شخصيات وهي تالكوت بارسونز، أميل دوركايم وكارل مانهايم.

* الوردي والسياسة
يتمحور الفصل الرابع على رأي الوردي بالساسة العراقيين الذين تناوبوا حكم العراق منذ عام 1921 وحتى عام 2003؛ فالوردي يصف الملك فيصل الأول بأنه شخصية كاريزمية عركتها السياسة. أما الملك غازي فهو ضعيف الشخصية ومتردد على الدوام. فيما يصف الملك فيصل الثاني بأنه لم يمارس الحكم فعليا في العراق لأن الحاكم الفعلي كان الوصي عبد الإله. أما بالنسبة للجمهوريات التي جاءت فيما بعد، فللوردي آراء محددة بكل رئيس. فعبد الكريم قاسم كان زعيما شعبيا لا ينفع رئيسا للعراق، وعبد السلام عارف هو أول من مزق العراق طائفيا، وعبد الرحمن عارف هو أول من أتاح متسعا من الحرية في وقت ضيق. بينما وصف الوردي حقبة البكر بحكم القبيلة، وحقبة صدام حسين بحكم القرية. ويخلص الوردي إلى القول بأن حل مشكلة العراق تكمن في الديمقراطية والمواطنة وحكم القانون.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.