كيانات ليبية في مرمى عقوبات مجلس الأمن بسبب تهريب البشر

TT

كيانات ليبية في مرمى عقوبات مجلس الأمن بسبب تهريب البشر

كشف مسؤول عسكري، يتبع الجيش الوطني الليبي، ومتحدث باسم غرفة أمنية في مدينة صبراتة (70 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس) عن وجود شخصيات وكيانات وميليشيات مسلحة، قد تتعرض لعقوبات دولية من مجلس الأمن، بـ«تهمة تهريب المهاجرين غير الشرعيين» إلى أوروبا، وقالوا لـ«الشرق الأوسط» إن ليبيا «تعاني من ظلم المجتمع الدولي، الذي يحملها تبعات هذه الأزمة، في حين أنها بلد عبور، وليست مصدراً للهجرة».
يأتي ذلك وسط إعلان الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عن خطة «لتفكيك شبكات تهريب البشر، ومعاقبة المتهمين المعروفين، وإعادة توطين المهاجرين العالقين في ليبيا».وطالبت فرنسا مجلس الأمن الدولي، الثلاثاء الماضي، بفرض عقوبات على «مهربي البشر» في ليبيا، واقترحت مساعدة لجنة العقوبات في تحديد الأفراد والكيانات المسؤولة عن التهريب عبر الأراضي الليبية.
وقال فرنسوا ديلاتر، سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة، خلال الجلسة: «على المجلس استخدام العقوبات للمساعدة في القضاء على تهريب البشر في ليبيا... وفرنسا تعوِّل على دعم أعضاء المجلس لإحراز تقدم قصد الوصول إلى هذه الغاية».
وأفاد المسؤول العسكري بأن «الفراغ الأمني الذي ساد البلاد عقب سقوط النظام السابق عام 2011 دفع كثيراً من الأفراد لتكوين تشكيلات للعمل على تجميع الراغبين في الهجرة إلى أوروبا بهدف جمع الأموال»، مشيراً إلى وجود أشخاص وميليشيات ومنتسبين لإحدى القبائل في الجنوب، وكيانات عدة، يعملون منذ نحو خمس سنوات في تجميع المهاجرين غير الشرعيين داخل بعض المناطق ثم تسفيرهم إلى أوروبا.
كما أوضح المسؤول العسكري أن «ميليشيا أحمد الدباشي، قائد ما يُسمى بـ(كتيبة 48 مشاة)، الشهير بـ(العمو) التابعة لمجلس فائز السراج، تأتي في مقدمة الذين يمارسون عملية التهريب في منطقة الغرب الليبي»، وقال بهذا الخصوص إن «هذه الميليشيا تُعدّ من أكبر عصابات الهجرة غير الشرعية، قبل أن تقوم قوات الجيش الوطني بتطهير المدينة من (المسلحين المخربين)»، لافتاً إلى أنها «كانت تمتلك مقرات لتجميع المهاجرين قبل نقلهم عبر سواحلنا».
ومضى المسؤول العسكري يقول: «ولا ننسى ميليشيا مصعب أبوقرين، التي تعد المنافس الأول لـ(العمو)»، مشيراً إلى أنها تنشط في منطقة دحمان القريبة من صبراتة، وتُجمّع المهاجرين غير الشرعيين في مناطق قريبة من شاطئ البحر، قبل إرسالهم في قوارب إلى الجانب الآخر.
وفي الثالث من سبتمبر (أيلول) الماضي نقلت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية عن الدباشي، قوله إنه «أبرم اتفاقاً مع حكومة الوفاق في طرابلس لوقف تدفق المهاجرين إلى أوروبا»، مبرزاً أن «الاتفاق جاء مقابل سيارات وقوارب، والاعتراف بقواته باعتبارها قوى أمنية شرعية»، موضحة أن «الدباشي قابل بعض المسؤولين من حكومة الوفاق في يوليو (تموز) الماضي لمناقشة سبل إنهاء أنشطة الاتجار بالبشر عند سواحل ليبيا، وخلال اللقاء اتفقوا على إسقاط التهم الجنائية الموجهة ضد قواته»، لافتة إلى أن «كتيبة (أنس الدباشي) متهمة بالتورط في تهريب المهاجرين عبر سواحل ليبيا، وتُعدّ من المجموعات الرئيسية المسيطرة على تلك الأنشطة في مدينة صبراتة»، غير أن الأخير «نفى التهم الموجهة إلى قواته بالتورط في تهريب البشر، أو الحصول على أموال من إيطاليا مقابل وقف أنشطة التهريب».
لكن صالح قريسيعة، مدير الإعلام لغرفة مكافحة «داعش» في صبراتة، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «عمليات التهريب مستمرة في مدن بشرق البلاد، مثل زوارة والزاوية، والقرة بوللي، والمطرد، لكنها توقفت في صبراتة»، مبرزاً أن «كل الذين يعملون بالتهريب في مدينتنا، وكانوا يخفون الأفارقة في (هناكر) سلموا ما لديهم للغرفة ومكتب الهجرة، وتم ترحيل المهاجرين تباعاً إلى دولهم»، لافتاً إلى أن «(العمو) هرب إلى تركيا».
وأشار قريسيعة إلى أن «مجال تهريب البشر راج خلال السنوات الماضية، ودخله أشخاص جدد، يأتون بأفارقة من جنسيات عدة، يرغبون في الهجرة لكنهم لا يملكون نقوداً، فيوفرون لهم وظائف لجمع تكاليف الرحلة، التي تتم غالباً بواسطة قوارب متهالكة».
وأبرز المسؤول الأمني أن «الحدود الجنوبية مفتوحة أمام المهاجرين الذين يأتون من تشاد والنيجر بشكل كبير جداً، حيث تستقبلهم ميليشيات بمناطق قريبة من قبائل التبو، وتجمعهم في مدينة سبها، ثم نقلهم إلى سواحل الغرب الليبي، على أن تتولى قبيلة أولاد سليمان تأمينهم خلال انتقالهم».
وتحمّل الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء (شرق البلاد) المجلس الرئاسي المسؤولية عن تنامي إشكالية الهجرة غير الشرعية، وقالت في بيان سابق إن «مناطق سيطرتها التي تمثل معظم مساحة البلاد لم تعرف تسجيل حالة واحدة لعبور البحر الأبيض المتوسط»، لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي فضل التحرك على مسار مجلس الأمن الدولي، قال إن التحرك ميدانيا في ليبيا يجري بالتنسيق مع «الزعيمين الليبيين خليفة حفتر وفائز السراج».
وأكد ماكرون لفضائية «فرانس 24»، مساء أول من أمس، على ضرورة «اتخاذ مبادرات عسكرية وشرطية لتفكيك شبكات الاتجار بالبشر في ليبيا»، مستدركاً أن «اتخاذها يكون بالتعاون بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والحكومة الليبية». وأمس، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة للاجئين أن أجهزة مكافحة الهجرة غير الشرعية في العاصمة طرابلس ستقيم قريباً مركزاً ليكون «منشأة عبور وترحيل» للمهاجرين «الأكثر عرضة للخطر» نحو دول ثالثة.
وقالت المفوضية في بيان نشرته وكالة «الصحافة الفرنسية»، أمس، إن هذه المبادرة التي تدعمها الحكومة الإيطالية ستسهل نقل آلاف المهاجرين الأكثر عرضة للخطر إلى دول ثالثة، وأشار الناطق باسم المفوضية في ليبيا روبرتو منيوني إلى أن «من بين تلك الحلول لمّ شمل الأسر، والإجلاء إلى مراكز طوارئ تديرها المفوضية السامية للاجئين في دول أخرى أو العودة الاختيارية».
ولام صالح قريسيعة، مدير الإعلام لغرفة مكافحة «داعش» في صبراتة، المجتمع الدولي على «تعاطيه السيئ مع ملف الهجرة غير الشرعية في بلاده»، وقال إن «المجتمع الدولي ظالم وغير متعاون مع ليبيا، فالمنظمات الدولية تشن حرباً على ليبيا، بسبب (فيديو) غير صحيح، دون تحقيق، مما ورد به من مزاعم بيع أفارقة على أنهم (رقيق)».
واختتم قريسيعة حديثه مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بلادي تعاني من المهاجرين غير الشرعيين، نحن دولة عبور فقط، والدول الغربية لا تتعامل مع هذه القضية بجدية... بل فقط تبحث عن إدانة، ولا تقدم حلولاً».
في السياق ذاته، قال مسؤولون إن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وافقوا على خطة طوارئ لتفكيك شبكات تهريب البشر، وإعادة توطين المهاجرين العالقين في مسعى لتخفيف وطأة كارثة تتعلق بحقوق الإنسان في ليبيا.
وخرجت الخطة، وفقاً لـ«رويترز»، من اجتماع بين مسؤولين من الأمم المتحدة وقادة في الاتحاد الأوروبي، وممثلين لحكومات تشاد والنيجر والمغرب والكونغو وليبيا عقد، أول من أمس، بناء على طلب من فرنسا، خلال قمة بين الاتحادين الأفريقي والأوروبي، افتتحت أعمالها في ساحل العاج أول من أمس (الأربعاء).
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليل الأربعاء، إن الخطة تتضمن تشكيل «قوة عمل تنفيذية» مؤلفة من أفراد شرطة أوروبيين وأفارقة وأجهزة مخابرات، مضيفاً أن «الهدف سيكون في وقت قصير جداً هو التمكن من اعتقال مَن يتم التعرف عليه من المهربين، وتفكيك هذه الشبكات وتمويلها، الذي يجري من خلال بنوك ومدفوعات في المنطقة تسهم في دعم الإرهاب».
من جهتهم، قال مسؤولون ألمان إن «الحكومة الليبية التي تعهدت بالتحقيق في التقارير المتعلقة بمزادات العبيد، وافقت على السماح لوكالات الأمم المتحدة بزيارة مخيمات المهاجرين في المناطق الخاضعة لسيطرتها»، مضيفين أن دول الاتحاد الأوروبي وافقت على تمويل جهود إعادة توطين المهاجرين من ليبيا، وهي العملية التي تنظمها بالفعل المنظمة الدولية للهجرة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.