الجيش الليبي يستنفر قواته بعد معارك بنغازي

استنفار أمني وتهديد بقصف الخارجين على القانون جوا.. وحكومة زيدان تحصل على دعم أميركي بريطاني

مواطن يطلق النار على عناصر من ميليشيات تنظيم أنصار الشريعة المتطرف مؤازرة للجيش الليبي في مدينة بنغازي أمس (رويترز)
مواطن يطلق النار على عناصر من ميليشيات تنظيم أنصار الشريعة المتطرف مؤازرة للجيش الليبي في مدينة بنغازي أمس (رويترز)
TT

الجيش الليبي يستنفر قواته بعد معارك بنغازي

مواطن يطلق النار على عناصر من ميليشيات تنظيم أنصار الشريعة المتطرف مؤازرة للجيش الليبي في مدينة بنغازي أمس (رويترز)
مواطن يطلق النار على عناصر من ميليشيات تنظيم أنصار الشريعة المتطرف مؤازرة للجيش الليبي في مدينة بنغازي أمس (رويترز)

استمرت، أمس، حرب الشوارع في مدينة بنغازي بشرق ليبيا بين قوات الجيش الليبي، الذي أعلن حالة الاستنفار القصوى، وميليشيات تنظيم أنصار الشريعة المتطرف، حيث أبلغ إبراهيم العوامي الناطق الرسمي باسم الغرفة الأمنية المشتركة في المدينة «الشرق الأوسط» أن الجيش بات يفرض سيطرته بشكل شبه كامل على المدينة التي تعد معقل الثوار ومهد الانتفاضة الشعبية ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي قبل نحو عامين.
وقال العوامي إن «لدى بنغازي تجربة في هذه الأوضاع. وضع الاشتباكات حاليا في انحسار، هناك اشتباكات متقطعة جدا جدا، لكن الأصابع ما زالت على الزناد، المجموعة التي كان الجيش يتعامل معها أصبحت خارج المدينة».
وردا على تقارير بمشاركة عناصر من غرفة عمليات ثوار ليبيا في القتال مع ميليشيات «أنصار الشريعة» ضد الجيش الليبي، أضاف العوامي: «هذه ميزة الجيش والشرطة؛ أن تعرفه من زيه، لكن هؤلاء لا يمكنك الحكم عليهم، ويختلط الأمر».
وأوضح أن رئيس الغرفة الأمنية المشتركة عقد اجتماعا مع مجلس حكماء بنغازي، الذي أكد دعمه لقوات الجيش، مشيرا إلى أن المواطنين يطلبون الحماية بعد ترويعهم ومنع أولادهم من الالتحاق بمدارسهم، وأنهم يريدون وقفة حازمة من الجيش.
وحذر العوامي من أن أي أرتال عسكرية تخرج من مدينة بنغازي أو تدخلها من دون تعليمات من رئاسة الأركان أو الغرفة الأمنية ستعتبر بمثابة أرتال خارجة عن القانون، وسيجري قصفها من قبل السلاح الجوي الليبي، وكذلك الذين يحملون أسلحة من المدنيين ويجوبون بها الشوارع.
كما نفى العقيد مصطفى الشركسي الناطق باسم قاعدة بنينا الجوية ببنغازي التصريحات المنسوبة لآمر القاعدة بشأن قدوم أرتال عسكرية إلى المدينة، وقال في تصريحات بثتها قناة «ليبيا» الوطنية: «نحن الآن نعمل بمنظومة عسكرية تتبع رئاسة الأركان العامة ووزارة الدفاع، ولا نتحرك إلا بأوامر عسكرية».
ووقعت الاشتباكات في منطقة جزيرة البركة، لدى نقطة تفتيش «أنصار الشريعة» حيث استخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، بينما دعا العقيد ونيس بوخمادة رئيس القوات الخاصة بالجيش كل العناصر بالثبات في نقاطهم والتمركز بها، وأعطى الأوامر بالتعامل مع أي اعتداء مسلح يستهدف أي نقطة للقوات الخاصة في أي منطقة.
وأمكن سماع إطلاق نار وانفجارات في بنغازي وتصاعد دخان كثيف من منطقة رأس عبيدة، وقال شهود إن الجيش طلب من السكان تجنب الخروج إلى الشوارع واستدعى جنودا من إجازاتهم للانضمام إلى وحداتهم بالمدينة.
وتعد هذه هي أول مواجهات من نوعها بين القوات النظامية والمجموعة الإسلامية، حيث كانت السلطات تتجنب حتى أمس أي مواجهة مع الإسلاميين، الذين يتزايد نفوذهم في شرق البلاد.
وأعلنت وزارة الداخلية الليبية وضع إمكاناتها تحت تصرف القوات الخاصة (الصاعقة) المكلفة بعملية تأمين وحماية مدينة بنغازي. وأوضحت الوزارة في بيان تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه أن هذا الموقف يأتي دعما لأمن واستقرار المدينة بعد هذه الاشتباكات المسلحة.
وقال ميلود الزوي المتحدث الرسمي باسم القوات الخاصة الليبية إن اشتباكا عنيفا وقع لعدة ساعات بين قواتنا وخلية من «أنصار الشريعة»، لافتا إلى أن المواجهات اندلعت بعد تعرض دورية تابعة للقوات الخاصة لهجوم. وأوضح أن «الجيش قام بالرد، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة»، مشيرا إلى أن المواجهات بين الطرفين توسعت لتصل إلى مناطق أخرى من بنغازي.
وأعلن الجيش الليبي حالة «النفير العام» في بنغازي، ودعا «كافة العسكريين إلى الالتحاق بثكناتهم ووحداتهم العسكرية بشكل فوري» بعد المواجهات، كما وجهت الغرفة الأمنية المشتركة نداء إلى العسكريين بضرورة التوجه فورا لأقرب معسكر لهم، للمشاركة في تأمين المدينة.
وأقام مسلحون في مناطق شرق بنغازي كثيرا من الحواجز في الطريق إلى المدينة، تحسبا لقدوم قوات مساندة لجماعة أنصار الشريعة من مدينة درنة.
وقالت وكالة الأنباء المحلية إن مجموعات مدنية من ثوار مدينة بنغازي قامت بجلب أسلحة خفيفة، وشاركت عناصر القوات الخاصة في عمليات اشتباكها ومداهمتها للأماكن التي يتركز فيها مسلحون تابعون لجماعة أنصار الشريعة. كما نقلت عن شهود عيان أن الاشتباكات بين عناصر القوات الخاصة وجماعة أنصار الشريعة امتدت لعدة مناطق، من بينها الماجوري والبركة والليثي وقار يونس، مشيرة إلى أن أشد هذه الاشتباكات تركزت في منطقة رأس عبيدة التي يتحصن فيها أغلب المسلحين التابعين لجماعة أنصار الشريعة.
وحذرت الحكومة الانتقالية، برئاسة علي زيدان، من أن الجيش يشكل «خطا أحمر» يجب عدم تجاوزه، بعدما أعلن وزير الداخلية بالوكالة الصديق عبد الكريم أثناء تلاوته بيانا للحكومة أن «المواجهات أوقعت تسعة قتلى و49 جريحا».
وأكدت الحكومة أنها في حالة انعقاد مستمر منذ ساعات الصباح الأولى أمس، لمتابعة ما وصفته بـ«الأحداث المؤسفة الجارية بمدينة بنغازي، الناتجة عن الاعتداء على القوات الخاصة التابعة للجيش الليبي، المكلفة تأمين المدينة». وأكدت أن ما حدث يعكس بوضوح الحاجة لتسريع تطبيق القرار 53 لسنة 2013 بإخراج جميع التشكيلات المسلحة خارج المدينة، وإسناد الأمن بكامله للجيش والشرطة دون غيرهما.
وطمأنت المواطنين بأن الجيش الوطني الليبي بكل تشكيلاته والقوات الخاصة للجيش الليبي تقوم بواجباتها المقررة قانونا، مشيرة إلى أن هذه القوات خط أحمر، كونها تمثل سيادة الدولة الليبية، وأنها ترفض التعدي عليها لأي سبب من الأسباب.
وطالبت الحكومة جميع الأهالي في بنغازي بالتزام الهدوء حتى تتمكن السلطات الأمنية من ضبط الموقف الأمني، من خلال الغرفة الأمنية والقوات الخاصة وقوات الأمن والتعاون الكامل معها، مؤكدة أن الدولة تتعامل مع الموقف بكل حسم لتطبيق القانون وبسط الأمن في بنغازي وكامل التراب الليبي، وتناشد الشعب الليبي تفهم ذلك.
ودعا المؤتمر الوطني العام (البرلمان) جميع الأطراف في مدينة بنغازي إلى ضبط النفس والاحتكام إلى الحكمة والحوار، لكنه أكد في المقابل في بيان أصدره أمس إصراره على دعم الشرعية وإخلاء بنغازي وجميع المدن الليبية من المظاهر المسلحة كافة، داعيا الوجهاء والحكماء والأعيان إلى مواصلة جهودهم في التوصل إلى التهدئة والإصلاح. ودعت مديرية الأمن الوطني في بنغازي رجال الشرطة إلى الالتحاق بأعمالهم فورا للمساعدة في تأمين المدينة وإعادة الهدوء والطمأنينة إلى سكانها، فيما أغلقت المدارس بالمدينة أبوابها.
وهذه المواجهات هي الأولى من نوعها بين جماعة إسلامية والجيش، لكن محمود البرعصي أحد قادة تنظيم أنصار الشريعة اتهم، أمس، السلطات الرسمية في ليبيا بالكفر والردة، مشيرا في تصريحات لقناة «ليبيا الأحرار» إلى أن التنظيم سيقاتل من لا يطبق الشريعة أو يسلم المواطنين إلى الكفار والنصارى، في إشارة إلى خطف القوات الخاصة الأميركية للمواطن الليبي نزيه الرقيعي (أبو أنس)، المتهم بالتورط في عمليات إرهابية ضد المصالح الأميركية.
وتأسست جماعة أنصار الشريعة بعد إعلان تحرير البلد، إثر سقوط نظام القذافي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011 في مدينة بنغازي، ومن ثم تكونت لها فروع عدة في مصراتة وسرت ودرنة وعدد من المدن الليبية الأخرى.
وتدعو الجماعة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، علما بأنه قد نسبت إليها مسؤولية اغتيال قضاة ومسؤولين أمنيين في بنغازي، كما يشتبه في ضلوعها في الهجوم الذي قتل فيه السفير الأميركي وثلاثة أميركيين آخرين العام الماضي، لكنها تنفي أي ضلوع لها.
وتأتي أعمال العنف في بنغازي بينما اتخذت السلطات الليبية خطوات لإخراج الجماعات المسلحة من طرابلس، بسبب الاستياء الشعبي في العاصمة.
وفي منتصف الشهر الحالي قُتل 46 شخصا، وأصيب أكثر من 500 بجروح في طرابلس، بعدما فتح مسلحون النار على متظاهرين مسالمين كانوا يطالبون بخروج الجماعات المسلحة من العاصمة. وتزامنت هذه الاشتباكات مع اجتماع ثلاثي عقده بالعاصمة البريطانية لندن علي زيدان رئيس الحكومة الانتقالية مع كل من وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ونظيره البريطاني ويليام هيغ، جرى فيه متابعة التعاون في مختلف المجالات بين الدول الثلاث، وتبادل وجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.
واعتبر كيري عقب الاجتماع أن ليبيا مرت بكثير من الاضطرابات، ولكن التغير الذي حصل يوم الجمعة بالعاصمة طرابلس شكل فرصة لليبيا لتخطو خطوة نحو الدولة الديمقراطية، دولة القانون.
ومن جهته، نوه هيغ بأن تضحيات الليبيين المستمرة، وآخرها تضحيات الجمعة 15 نوفمبر (تشرين الثاني)، تؤكد مدى إصرار الليبيين على التحول الديمقراطي والسعي لبناء دولة مدنية، قائلا في هذا الصدد: «نحن ندعم ليبيا».
ومن جانبه، حيا زيدان الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وعبر عن شكره وتقديره لموقفهما الداعم لليبيا، مؤكدا أن تضحيات الشعب الليبي وسقوط ما يقارب عن 50 قتيلا جاء من أجل أمن ليبيا وضمان استقرارها، وسيكون هذا الحدث نقطة تحول مفصلية لاستتباب الأمن واستقرار ليبيا، مجددا حرص الحكومة الليبية على استمرار الصداقة والتعاون مع جميع الأصدقاء من أجل بناء ليبيا دولة القانون دولة مستقلة مستقرة.
من جهة أخرى، بحث مسؤولون بوزارة الداخلية الليبية، أمس، مع بعثة الاتحاد الأوروبي في ليبيا سبل تطوير التعاون القائم بين ليبيا والاتحاد في دعم الأجهزة والمؤسسات الأمنية في ليبيا.
وأملا في احتواء المقاتلين السابقين، استعانت الحكومة بميليشيات لتوفير الأمن، لكن ولاء هذه الميليشيات ظل لقادتها أو قبائلها، وكثيرا ما تدور بينها اشتباكات في نزاعات على الأرض أو لعداوات شخصية.
ووعد الجيش الأميركي وبريطانيا وفرنسا وحلف شمال الأطلسي وتركيا بتقديم العون للقوات المسلحة الليبية، على أن معظم برامج المساعدات بدأت لتوها، وما زالت خبرة الجنود لا تضاهي أفراد الجماعات المسلحة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.