اليانسون عشبة لا مفر منها

تاريخ حافل بالأحلام الجميلة

اليانسون عشبة لا مفر منها
TT

اليانسون عشبة لا مفر منها

اليانسون عشبة لا مفر منها

لطالما استخدم الناس اليانسون مغلياً مع الشاي ليلاً، ولطالما وضعوه مع الخبز والكعك لأنه يساعد على تهدئة الأعصاب والنوم، ويساعد على الهضم. كما دخل اليانسون في الكثير من الوصفات المطبخية والطبية منذ قديم الزمان. وجاء في الكثير من خلطات البهارات المعروفة، وخصوصاً خلطة الزعتر الحلبي الشهيرة والتي تضم القضامة والزعتر والسماق والفستق الحلبي وجوز الهند والكمون وغيره.
وعادة ما تلجأ بعض المطابخ الآسيوية وخصوصا المطبخين الصيني والهندي إلى استخدام اليانسون النجمي أو الليسوم كبديل عن اليانسون العادي للتشابه الكبير في الطعم. ويدخل اليانسون النجمي في الآلاف من وصفات الطعام في هذين المطبخين، وبالتحديد في خلطات بهارات الغارام ماسالا.
اليانسون واحد من أقدم أنواع البذور والأدوية والبهارات في العالم وحوض البحر الأبيض المتوسط، وهو من البهارات المحببة لدى الناس، ومن الفصيلة الخيمية كما ذكرنا، والتي يطلق عليها باللاتينية اسم Apiaceae - ابياكيا، والتي تضم أنواعا كثيرة لا تقل عن 3700 نوع من النباتات، على رأسها الكرفس والبقدونس والكمون والكزبرة والشبت والكراويا والفزع والجزر. وهو من النباتات أو الأعشاب الحلوة المذاق والعطرية الرائحة كالبقونس الأفرجي - cicely. وفي مجال التعريف بمعنى اليانسون يقول معجم المعاني الجامع: «إنسون، انيسون، نبات حولي من فصيلة الخيميات، زهره صغير أبيض، وثمره حب جاف طيب الرائحة، يحتوي على زيت عطري طيار......».
الاسم العلمي أو اللاتيني لليانسون هو بيمبينيلا آنسيوم - Pimpinella anisum، أما الاسم الإنجليزي انيس - Anise فهو يأتي من الاسم العربي يانسون - yaansoun وعلى الأرجح من اليونانية القديمة ἄνηθον. ومع ذلك، يعتقد بعض العلماء أن الكلمة التي ترجمة إلى «اليانسون» في الفصل الثالث والعشرين في العهد الجديد في إنجيل متى كانت في الواقع تشير إلى «الشبت» في اليونانية الأصلية. وقد أعطي اليانسون لقب سولامن إنتستينوروم - Solamen intestinorum الذي يعني معزي أو «مريح الأمعاء». وهو يعرف بالعربية أيضا بعدة أسماء مثل الانيسون والرازيانج والينكون والكمون الحلو والتقدة والحبة الحلوة في المغرب.
حسب الموسوعة الحرة، فإن موطن اليانسون الأصلي غير معروف، لكنه «يزرع على نطاق واسع في جنوب أوروبا ولبنان وتركيا وسوريا وإيران والصين والهند واليابان وجنوب وشرق الولايات المتحدة الأميركية». لكن بعض المصادر الأخرى، وهي أكثر صحة على الأرجح، تؤكد أن مواطن اليانسون هي مصر القديمة واليونان وتركيا وعلى الأرجح حوض المتوسط بشكل عام. ولا بد من الذكر هنا أنه مضى على استخدام اليانسون أكثر من 2000 عام، رغم أنه لم يحصل أي تطور جذري أو ذات أهمية على أصنافه.
الفراعنة
وقد عثر علماء الآثار على بقايا اليانسون في المقابر الفرعونية وخصوصا في مدينة طيبة التاريخية المعروفة، وجاء اسمه وذكره في المخطوطات الفرعونية القديمة أو أوراق البردي (برديات ايبرز وهيرست) ضمن عدة وصفات علاجية، فاستعملوه شرابا مغليا للمعاونة على إدرار البول واضطرابات المعدة وأوجاع اللثة والأسنان. وبشكل عام فإن اليانسون «احتل مكانا علاجيا هاما عند الفراعنة وما زال يزرع بكثرة حتى اليوم في محافظة الصعيد».
الزمن التوراتي
كان اليانسون في الزمن التوراتي وبعد ظهور المسيحية في فلسطين، ذات قيمة عالية جدا، حيث كان يستخدم في العادة في الأضحية ودفع الضرائب ومنها العشر التي تشبه ضريبة الجمارك. ذكر في كل من إنجيل لوقا ومارك ومتى.

الرومان والإغريق
كالكثير من أنواع البهارات والأعشاب، استخدم الرومان اليانسون وزرعوه على نطاق واسع لعطره ونكهته الطيبة وفوائده واستخداماته الطبية الجمة. وقد بجل أو وقر ونصح عالم الرياضيات والفيلسوف اليوناني فيثاغورس من عمليات استخدام جذور اليانسون وأوراقه وبذوره وحث على استهلاكها سواء نية أم مطبوخة. وحسب موقع «تاريخ الطعام» فإن فيثاغورس كان يعتقد أن امتلاك اليانسون يمكن أن يمنع نوبات الصرع، ويقال إنه كان يوصي بوضع اليانسون قرب السرير ليلا للتمتع بأحلام «جميلة بفضل عطره العذب».
ويضيف الموقع أن «أبو الطب أبقراط» اكتشف عدة استخدامات مهمة لليانسون منها علاج السعال، وأوصى بتناوله لتخليص الجهاز التنفسي من المواد المخاطية. وجاء ذكره لدى الكثير من الكتاب والمؤرخين والأطباء الرومان واليونانيين، وعلى رأسهم الكاتب بالادوس والعالم اليوناني ثاوفرسطس الذي كان أول من حاول تصنيف النباتات وأشهر المؤرخين الرومان في العصور القديمة بليني الأكبر والطبيب اليوناني صاحب كتاب الحشائش ديسقوريديس فيدانيوس.
وذكر ديسقوريدس فائدة اليانسون لعلاج السعال في كتبه، بالإضافة إلى فائدته في علاج التهابات الشعب الهوائية والربو.
وذكر المؤلف الروماني ماركوس أبيشيوس في القرن الأول للميلاد، اليانسون في مجموعة من وصفات الطبخ التي حملت اسمه (أول الكتب الذي عرف مصطلح المطبخ في التاريخ) وبالتحديد وصفة لذيذة للحم مع اليانسون. وربما كان أبيشيوس من بين أولئك الذين قالوا إن اليانسون «عشبة لا مفر منها».
وبالإضافة إلى استخدامه للمساعدة على الهضم، كان الرومان يعطونه للمرأة للتخفيف الفوري من آلام الولادة، وتعطى بذوره المطبوخة مع الحليب والشعير لاستعادة الأم قواها الجسدية بعد الولادة أيضا. أي لتحمل الألم والتعافي بعد ذلك.
وتأتي عادة استخدام الكعك مع اليانسون الحالية من العادات الرومانية القديمة أثناء الأعراس في روما القديمة، إذ كانت تنتهي هذه الأعراس بتقديم هذا النوع من الكعك للزوار. وكما سبق وذكرنا سابقا كان بإمكان سكان روما ومواطني الإمبراطورية الرومانية دفع ضرائبهم ببذور اليانسون التي كانت تستخدمها السلطات الحاكمة كعملة دولية آنذاك.
أما ملك الفرنجة شارلمان أو كارل الكبير الذي أطلق عليه العرب اسم قارلة، فقد أمر في القرن التاسع بزرع اليانسون في المزارع الإمبراطورية. كما أثنى الكاهن والمؤلف ألبيرتوس ماغنوس الذي كان الأكثر قراءة على نطاق واسع في القرنين الثاني والثالث عشر على اليانسون ومنافعه واستخداماته.
ولا عجب أن عرفت أوروبا وخصوصا بريطانيا اليانسون بكثرة في القرون الوسطى، ويقال إن الملك الإنجليزي «إدوارد الأول فرض عليه ضريبة بغية استخدام العائدات في إصلاح جسر لندن» الشهير.
ونصح عالم الأعشاب البريطاني المعروف قديما جون جيرارد، مؤلف كتاب «تاريخ النباتات» عام 1597، الذي أخذ الكثير من معلوماته من أعمال الدكتور بريست السابقة وخصوصا «بيمبتادس - Pemptades) «1583)، بإعطاء الأطفال الصغار اليانسون وذكر عددا من استخداماته العلاجية.
ولأنهم كانوا يؤمنون بقوة في القيمة الطبية لليانسون، طيب الألمان خبزهم خلال القرن التاسع عشر باليانسون.
أما العرب، فقد عرفوا واستعملوا اليانسون منذ القدم وخصوصا للأغراض الطبية وبالتحديد في «المعاونة على التخلص من الماء الزائد عن حاجة الجسم في البول، وبالتالي انخفاض درجة الحرارة وتنشيط عمل الكلى».
وجاء ذكر اليانسون عند العلامة ابن سينا «كعلاج ناجع للأرق، وتهدئة النفس عند الغضب إذا ما شُرِب دافئا ممزوجا باللبن والعسل».
ويقول في كتاب القانون: «إذا سحق اليانسون وخلط بدهن الورد وقطّر في الأذن أبرأ ما يعرض في باطنها من صدع عن صدمه أو ضربه، ولأوجاعهما أيضا كما ينفع اليانسون شرابا ساخنا مع الحليب لعلاج الأرق وهدوء الأعصاب».
أما داود الأنطاكي فيؤكد ما جاء على ذكره ابن سينا فيقول في «تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب والإعجاب»، إن «اليانسون يطرد الرياح، ويزيل الصداع، وآلام الصدر، وضيق التنفس والسعال المزمن، ويدر البول ويزيد العمم، وإذا طبخ بدهن الورد قطورا ودخانه يسقط الأجنة والمشيمة، ومضغه يذهب الخفقان، والاستياك به يطيب الفم ويجلو الأسنان ويقوي اللثة».
ولأنه غني بالنحاس وبالتالي الإنزيمات الحيوية بما فيها السيتوكروم C - أوكسيديز، فإنه يساعد في إنتاج خلايا الدم الحمراء.
وفي دراسة نشرت في عام 2010، وجد الباحثون في تايوان أن «4 مركبات مضادة للميكروبات المستمدة من اليانسون كانت فعالة جدا ضد ما يقرب من 70 سلالة من البكتيريا المقاومة للأدوية». لكن من مضار اليانسون المعروفة أنه يقلل من القدرة الجنسية عند الرجل.
ومن الاستخدامات الأخرى المعروفة لليانسون، يقال إن زيت اليانسون يزيل القمل، ويخلص من بعض أنواع العضات والحكة التي تسببها بعض الحشرات. وكان يخلط مع الشحم أو زيت الحوت ويستخدم كمرهم لعلاج تهيج الجلد كما يؤكد موقع «أورهيرب غاردين».
وحسب الموقع، يعتبر زيت اليانسون مع الجبن واحداً من أهم المواد التي تستخدم كطعم للفئران.


مقالات ذات صلة

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

مذاقات المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي.

كيلا هوانغ (نيويورك)
مذاقات سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن...

رامين غانشرام (نيويورك)
مذاقات وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»،

جوسلين إيليا (لندن)

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.