الأكاديمية البريطانية تستحضر شعراء العالم القديم

في «ملتقى أفريقيا وآسيا وأوروبا» بلندن

من ندوات الملتقى
من ندوات الملتقى
TT

الأكاديمية البريطانية تستحضر شعراء العالم القديم

من ندوات الملتقى
من ندوات الملتقى

استضافت الأكاديمية البريطانية ليومين متتالين نشاطات مؤتمر «وجوه اللامتناهي: الأفلاطونية المحدثة والشعرية» الذي شارك فيه أكاديميون وباحثون جاءوا من عدة جامعات أوروبية وأميركية وغيرها، ولم يكن هناك حضور لأي جامعة عربية، ما عدا الدكتورة فريال غزول، رئيسة قسم اللغة الإنجليزية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، التي كانت الأكاديمية العربية الوحيدة التي ساهمت في أعماله.
الثيمة الأساسية للمؤتمر الذي نظمه معهد الدراسات الأفريقية والشرقية (جامعة لندن) دارت حول السؤال التالي: ما هو تأثير الأفلاطونية المحدثة على الشعراء عبر العصور وفي شتى الثقافات التوحيدية؟
لذلك كانت الجلسة الأولى للمؤتمر مكرسة للبدايات، وبداية البدايات كانت مع الفيلسوف أفلاطون المولود عام 428 قبل الميلاد في أثينا. فهو الذي أسس أول جامعة في تاريخ البشرية أطلق عليها اسم «الأكاديمية». وفي كتبه الحوارية التي جعل بطلها أستاذه سقراط، طرح جملة أفكار متفرقة شكلت الأرضية التي نشأت عليها الأفلاطونية المحدثة لاحقاً. وهو يعد مؤسس الفكر المثالي في تاريخ الفلسفة، إذ حسب رؤيته، هناك مقابل كل الكائنات القائمة في عالمنا نماذجها في العالم اللامرئي أطلق عليها «المُثُل العقلية»، كذلك فهو من المؤمنين بفكرة «المبدأ الأول» التي كانت أساساً لمبدأ الوحدانية في الديانات السماوية الثلاث.
لكن النقلة الحقيقية لأفكار أفلاطون تحققت في القرن الثالث الميلادي على يد الفيلسوف المصري - اليوناني، أفلوطين، الذي أنشأ نظاماً مثالياً يستند إلى فكرة «المبدأ الأول» أو علة الوجود الأولى. ومن هذا المبدأ الأول جاء العقل الأول ثم النفس الكلية فالوجود المادي.
في القرن التاسع الميلادي قام عبد المسيح عبد الله بن ناعمة الحمصي بترجمة فصول من كتاب أفلوطين المعروف باسم «التساعات» تحت عنوان آخر هو «أثولوجيا أرسطاطاليس»، وقام بتحريره لأحمد بن المعتصم بالله، الفيلسوف الكندي.
وقد ظل المفكرون العرب يظنون أنه من أعمال الفيلسوف أرسطو، فأطلقوا على مؤلفه اسم «الشيخ اليوناني»، كما انتُزِعت منه فصول سميت بـ«رسالة في العلم الإلهي للفارابي»، مع أنه مستخلص من التساع الخامس.
وعلى الرغم من تجاهل اسم المؤلف الحقيقي لهذا الكتاب، فإن تأثيره على الفكر الإسلامي عامة لا يقل عن أثر أرسطو، بل قد يزيد عليه في تشعبه إذ شمل الفلسفة والمذاهب الدينية ذوات النزعة الروحية، وتغلغل في ضمائر المفكرين الإسلاميين بطريقة لا شعورية كانت أعمق نفوذاً من ذلك المذهب الظاهري الذي كان لأرسطو.
في اليوم الأول من أعمال المؤتمر تم التركيز على أولئك الشعراء من العصر الوسيط، فكان هناك محيي الدين بن عربي وابن الفارض، حيث قدم البروفسور شتيفان شبيرل أستاذ الأدب العربي في معهد الدراسات الأفريقية الآسيوية، ورقة عن قصيدة لكل من هذين الشاعرين. كذلك قدمت أستاذة الأدب الفارسي في جامعة إنالكو بباريس، ليلى أنور، ورقة عن الشاعر عبد الرحمن جامي، ومدى تأثره بالأفلاطونية المحدثة.
يمكن القول إن هؤلاء الشعراء قد كيفوا طروحات أفلوطين بشكل يتوافق مع الدين الإسلامي، وساهموا عبر أشعارهم بتعزيز الاتجاه الصوفي الذي يسلم بأن المعرفة الحقيقية للعالم الخفي تأتي عبر القلب وعبر حالة الانخطاف (أو الشطح)، إضافة إلى القبول بكل الديانات باعتبارها تشير إلى نفس الرب.
كرست أعمال يوم الجمعة بالدرجة الأولى على عصر النهضة في إيطاليا وإسبانيا وتركيا. كانت أبرز الأوراق التي حظيت باهتمام الحضور، تلك التي قدمتها الدكتورة أبيغايل براندين من جامعة كمبردج، إذ أضاءت في محاضرتها «الثقافة الشعرية خلال القرن السادس عشر في إيطاليا ومدى تأثرها بالأفلاطونية المحدثة»، حيث كان الأسلوب البتراركي (نسبة إلى الشاعر بترارك) هو السائد في البلاطات الملكية قبل انتشاره بين قطاعات أوسع من الناس بفضل بروز الطباعة.
وقد ركزت المحاضِرة براندين على الشاعرة الأرستقراطية الأرملة فيتوريا كولونا (1490 - 1547) وصديقها المقرب الفنان مايكل أنجلو بوناروتي (1475 - 1564). وكان هذان الصديقان يناقشان ويتبادلان القصائد الروحية ذات التأثير المشترك على اهتماماتهما بقضايا الإيمان والتسامي.
وعن إسبانيا القرون الوسطى كانت ورقة البروفسور جوليان وايس، أستاذ العصر الوسيط والحديث المبكر الإسباني، من جامعة كنغز كوليج بلندن، التي سلطت الضوء على شاعرين من تلك الحقبة هما فرانسيسكو دو ألدانا (1578 - 1537) وكاتالينا كلارا راميرز دو غوزمان (1680 - 1611)، وهو بتناوله لهذين الشاعر أراد إظهار أهمية الأفلاطونية المحدثة كظاهرة عابرة للثقافات، ولفهم الكيفية التي انتقلت فيها عبر الثقافات المختلفة، «فإنه من اللازم الاعتراف بقدرتها الآيديولوجية الكامنة كي تتجاوز الحواجز الثقافية وتتعايش مع كل الاختلافات الكثيرة».
جرت أعمال اليوم الثالث من المؤتمر في معهد الدراسات الأفريقية الآسيوية بلندن، وتم التركيز فيه على الشعراء المعاصرين.
ومن بين الأوراق التي قدمت كانت تلك التي تناولت عدة شعراء أتراك تأثروا بالفكر الصوفي الإسلامي الذي يحمل بين طياته أفكار الأفلاطونية المحدثة بصيغة تتوافق مع الدين الإسلامي. وقد تطرق المحاضران محمد كلباكلي ونسليهان ديميركول إلى تأثير التحولات السياسية على الشعراء الأتراك، فهناك خانات أصبح على الشاعر المعاصر أن يناضل للتحرر من الوقوع فيها. فمَن يكتب تحت تأثير الشعراء المتصوفة العرب والفرس الكبار كالرومي وابن عربي وابن الفارض سيتهم بانتمائه إلى الماضي العثماني، وإذا حاول أن يكتب بطريقة الشعراء الغربيين، فإنه سيتهم بنكران ثقافته. ومن بين الشعراء الذين ركز الباحثان على أعمالهما، آصف حاليت جلبي (1958 - 1907).
كانت آخر أوراق المؤتمر للأستاذة العراقية فريال غزول من الجامعة الأميركية في القاهرة، وكما ذكرَت فإنها أمَلت أن تكون محاضرتها مسك الختام، ولعلها نجحت في تحقيق ذلك، على الأقل بالنسبة للعرب المتواجدين في القاعة.
تحدثت الدكتورة غزول عن الخلفية الأكاديمية للشاعر الراحل محمد عفيفي مطر (2010 - 1935) فهو درس الفلسفة في جامعة عين شمس بالقاهرة، وعن العلاقة التي جمعته بأستاذه عبد الرحمن بدوي الذي حقق الترجمة الأولى لكتاب أفلوطين الذي قام بها عبد المسيح بن عبد الله الحمصي في القرن التاسع.
سلطت المحاضرة في ورقتها على الكيفية التي تشربت بها قصائد محمد عفيفي مطر بالأفلاطونية المحدثة بشكل خاص وبالفلسفة بشكل عام.

إعداد دقيق
في هذه الورشة الأكاديمية التي استمرت ثلاثة أيام، أقف عند الإعداد الدقيق والعمل الذي سار وكأنه ساعة رقمية دقيقة حسب البرنامج المعطى.
كذلك، أثارت انتباهي تلك الجهود المبذولة في العديد من الجامعات الغربية لإعادة أولئك الذين أبدعوا في المجال الأدبي أو الفني عبر العصور إلى الحياة، بتقصي كل ما تركوه من تراث، بدراسته وكشف كل أسراره وكشف ملامح عصره، فلا رسالة أو ملاحظة سجلها هذا المبدع هنا أو هناك ستترك من دون دراسة. وفي هذا العمل يساهم الفلاسفة ومؤرخو الأدب والفنون والنقاد في ترميم تلك القطع المتفرقة للمبدعين الراحلين بحيث نجدهم في الأخير، وقد عادوا إلى الحياة واختلطوا مع الطلبة والمهتمين بتراثهم.
هناك علماء متخصصون بحقبة تاريخية واحدة يعيدون تدريسها والبحث فيها والكتابة عنها سنة بعد سنة، بل نجد أحياناً من هو متخصص بتراث أديب أو مفكر واحدة طوال حياته.
هنا يشعر المرء بأنه امتداد لأجيال سبقته، وأن قيمة ما يضيفه تكمن في أنها إضافة صغيرة تسمح لنهر الحياة أن يستمر في التدفق: إنه انتصار على الموت الفردي.

- نماذج شعرية من الأوراق البحثية
> قصيدتان مغنتان من نوع المادريجال (الغناء من دون آلات موسيقية) لمايكل أنجلو مهداتين لفيتوريا كولونا (1544):
رجل ضمن امرأة، أو بالأحرى ملاك
يتكلم عبر فمها، لذلك فأنا،
باستماعي إليها،
أعِيدَت صياغتي إلى الحد الذي لن أكون فيه أبداً نفسي ثانية.
أنا أؤمن، لكوني استُلِبتُ من نفسي على يدها،
بأني سأشفق على نفسي، لأني خارج نفسي؛
وجهها الجميل يدفعني
بعيداً جداً إلى ما وراء الرغبة العابرة
إلى الحد الذي أرى الموت في أي جمال آخر.
أيتها السيدة التي تمرر الأنفس
عبر النار والماء إلى أيام مبهجة:
أتضرع، ألا تجعليني أعود إلى نفسي ثانية.
***
فقط كما زال ذلك، أيتها السيدة، يضع المرء
في صخر صلب شاهق صورة حية
تظل تنمو أكثر فأكثر
بينما الصخر يتلاشى شيئاً فشيئاً،
بحيث تكون الزيادة في لحم تلك الصورة،
مع قشرتها الخشنة، الجافة، الصلبة
تخفي قدراً من الأعمال الجيدة في النفس
التي ترتعش تحت هذا العبء.
أنتِ وحدك قادرة على أن تكوني نائية جداً من كينونتي الخارجية،
ففي داخلي هناك عينان علي
إنه ليس إرادة وليس قوة.

- فيتوريا كولونا (قصائد نشرت لأول مرة عام 1546)
إذا كنتُ غالباً ما أفشل في رفع ملف
الحس السليم عالياً، التطلع حولي
بعينين مزدريتين، فإني أرفض التنميق
أو مسح أشعاري الخشنة غير المهذبة،
هذا لأن همي الأولي هو ليس
لكسب الثناء بفضلها أو لتجنب الازدراء،
ولا كي تستمر أشعاري بعد عودتي المبهجة إلى السماء
في العالم حية ومكرَّمة عالياً؛
بل أن تشعل النار الإلهية، من خلال رحمتها،
عقلي، وأحياناً تمنح هذه الشرارات برضاها،
وإذا كانت إحدى هذه الشرارات أدفأت مرة واحدة
بعض القلوب الرقيقة فإني مدينة ألف مرة
بألف شكر لتلك الغلطة السعيدة.

- أوجينيو مونتال
(1920 - 1954)، إيطاليا
استمعوا إليّ: الشعراء المكللون بالغار
وحدهم من يمشون بين نباتات
ذات أسماء نادرة: البقس، وجنبة الرباط والأقنثا.
لكني أحب دروباً تؤدي
إلى خنادق عشبية حيث الأطفال
يرفعون بأيديهم بضع أسماك جائعة
من سمك الإنقليس من بُرَك شبه جافة:
دروباً تمتد بجانب الضفاف،
وتمر ما بين الخيزران المقنبر
وتنتهي ببساتين، بين أشجار الليمون.
من الأفضل إذا كان صخب الطيور
يتلاشى، حيث الزرقة تبتعله:
نستطيع أن نسمع همسات أكثر
لأغصان حميمة في جو غير هادئ تماماً،
والأحاسيس الناجمة عن هذه الرائحة
التي لا يمكن فصل ذاتها عن التراب
والأمطار، حلاوة مضطربة في القلب.
هنا، وبمعجزة ما، الحرب
الناجمة عن عواطف متكدرة تعلن هدنة؛
هنا نحن الفقراء، نتسلم، أيضاً، حصتنا من الثروات،
التي هي عبق الليمون.
شاهِد، في مساحات الصمت هذه حيث الأشياء
تكف عن الفعل فتبدو كأنها على وشك الكشف
عن سرها النهائي،
أحياناً نحن نشعر بأننا على وشك
أن نكشف عن خطأ في الطبيعة،
النقطة الساكنة للعالم، الآصرة التي لن تبقى،
الخيط لغرض حلّ ذلك الذي سيؤول أخيراً
إلى قلب الحقيقة.
العين تستكشف ما يحيطها،
العقل يستقصي صفوف العطر المنقسمة
وهو يفوح
في أكثر الأيام وهناً.
إنك في مساحات الصمت تلك ترى
في ظل كل إنسان عابر
بعضاً من ألوهية مضطربة.
لكن الوهم يفشل، والزمن يعيدنا
إلى مدن صاخبة حيث الزرقة
مرئية في هيئة بقع، إلى أعلى ما بين السقوف.
المطر يرهق التربة آنذاك؛
ضجر الشتاء يثقل على البيوت،
الضوء يصير بخيلاً - النفس مريرة.
حتى اليوم الذي من خلال بوابة نصف مغلقة
في فناء ما، هناك ما بين الأشجار،
نستطيع رؤية صفرة الليمون؛
فيذوب الفلفل الحار في القلب، وفي أعماقنا
ترمي أبواق الشمس الذهبية
بأغانيها علينا.

- كاتالينا كلارا راميريز دو غوزمان (1611 - 1684)، إسبانيا
أيها البورتريه، إذا كنت ظلاً، كيف تستطيع تقليد
سنى الشمس الساطعة؟
وإذا كنت ميتاً، كيف تكون ألوانك حية جداً؟
وإذا كنت مفتقداً الحياة، كيف استطعت سرقة حيوات كثيرة جداً؟
بافتقادك للجسد، منحتَ قوة للكثير من النفوس؛
بافتقادك للنفس، أين تطرُق صرامتك؟
وإذا كان المفضَّلون لدى «كلوري» لا نظير لهم،
لماذا تستميت كي تتجاوزها؟
أنت لست إلا طيفاً يمكن الاستمتاع به من خلال العينين،
وهماً مبهجاً لفكرة ما؛
خداعاً مصاغاً من خلال المظهر
خيالاً يداهن الذائقة؛
كذبة، تعطي الكذبة، أخيراً، للحقيقة.



الأمير هاري يتأمل صورة والدته ديانا بإستمرار... ويكشف عن سؤال يراوده

الأمير البريطاني هاري يسير ممسكاً بيد زوجته ميغان ماركل (رويترز)
الأمير البريطاني هاري يسير ممسكاً بيد زوجته ميغان ماركل (رويترز)
TT

الأمير هاري يتأمل صورة والدته ديانا بإستمرار... ويكشف عن سؤال يراوده

الأمير البريطاني هاري يسير ممسكاً بيد زوجته ميغان ماركل (رويترز)
الأمير البريطاني هاري يسير ممسكاً بيد زوجته ميغان ماركل (رويترز)

كشف الأمير البريطاني هاري عن ارتباطه العاطفي بصورة قديمة لوالدته الراحلة، الأميرة ديانا، موضحاً أنه كثيراً ما يتأملها ويتساءل عما كانت ستفكر فيه بشأن حياته اليوم، وكيف ينظر إلى الصورة أحياناً مترقباً تغير تعابير وجهها، وفقاً لموقع «بيج سيكس».

وخلال جلسة جديدة من أحد البرامج، تناولت موضوع الحزن والفقد، تحدث دوق ساسكس عن مشاعره تجاه الصورة، قائلاً: «أستطيع حقاً التواصل معها بصرياً، وثمة لمسة من المرح والمشاكسة في ابتسامتها... أشعر برابط قوي جداً يجمعني بها».

والتقط الصورة المصور الفرنسي باتريك ديمارشيليه، ونُشرت في عدد خاص من مجلة «هاربرز بازار» (Harper’s Bazaar) في ديسمبر (كانون الأول) 1995.

وأضاف هاري: «أجد نفسي أنظر إليها وأتساءل: ما الذي تفكر فيه بشأن ما أفعله الآن؟».

وكشف مؤلف كتاب «سبير»، البالغ من العمر 42 عاماً، أنه ينظر أحياناً إلى صورة والدته «ليرى ما إذا كانت تعابير وجهها تتغير، لكنها لا تتغير أبداً».

وكان هاري في الثانية عشرة من عمره عندما توفيت الأميرة ديانا عن 36 عاماً، إثر حادث سيارة في باريس في أغسطس (آب) 1997.

وخلال حديثه مع عالمة الأعصاب الدكتورة ماري فرانسيس أوكونور، استعاد هاري ذكريات الفترة التي أعقبت وفاة والدته، موضحاً أنه كان يجد صعوبة شديدة في النظر إلى صورها آنذاك.

وقال: «رغم وجود صور لها في غرفتي بالمدرسة، فإنني أتذكر بوضوح أنني لم أكن أفكر في أمي؛ لأن التفكير في أمر محزن كهذا لم يكن ليعيدها إليّ أبداً».

واعترف بأنه عاش لسنوات بعد رحيل ديانا حالة من «التبلد العاطفي»، إلى درجة أنه كان يشعر «بالخيانة والذنب» لمجرد التفكير في احتمال استعادة شعوره بالسعادة.

وأوضح: «كنت أشعر بأن عليّ أن أظل حزيناً وأن أبقى في حالة من التبلد العاطفي؛ كي أثبت لها أنني أفتقدها».

لكنه أدرك في نهاية المطاف أن والدته كانت ستتمنى له أن يكون سعيداً، وهو ما وصفه بأنه شكّل «تحولاً ذهنياً هائلاً» في حياته.

وقال: «لقد حررني ذلك، ومنحني نظرة مختلفة تماماً للحياة».

وكشف هاري، الذي عاد مؤخراً إلى المملكة المتحدة برفقة زوجته ميغان ماركل وطفليهما، رغم التوترات والخلافات مع عائلته، أنه يفكر في والدته «تقريباً كل ليلة ومعظم الصباحات»، ويلتمس عونها في الأوقات العصيبة.


«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».