«اللويا جيرغا» في أفغانستان يصادق على الاتفاقية الأمنية مع واشنطن

الرئيس الأفغاني حميد كرزاي بين أعضاء اللويا جيرغا خلال اليوم الأخير من اجتماعاتهم في العاصمة كابل أمس (رويترز)
الرئيس الأفغاني حميد كرزاي بين أعضاء اللويا جيرغا خلال اليوم الأخير من اجتماعاتهم في العاصمة كابل أمس (رويترز)
TT

«اللويا جيرغا» في أفغانستان يصادق على الاتفاقية الأمنية مع واشنطن

الرئيس الأفغاني حميد كرزاي بين أعضاء اللويا جيرغا خلال اليوم الأخير من اجتماعاتهم في العاصمة كابل أمس (رويترز)
الرئيس الأفغاني حميد كرزاي بين أعضاء اللويا جيرغا خلال اليوم الأخير من اجتماعاتهم في العاصمة كابل أمس (رويترز)

افق «اللويا جيرغا»، المجلس التقليدي الأفغاني الكبير، الذي يضم 2500 عضو، أمس، على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة التي أكد الرئيس حميد كرزاي استعداده لتوقيعها، لكنه وضع في المقابل سلسلة شروط. وأضاف: «السلام شرطنا المسبق. على أميركا أن تحقق لنا السلام ومن ثم نوقع هذا الاتفاق». ولم يوضح كرزاي ما قاله، ولكنه كان قال من قبل إن هناك حاجة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة لضمان السلام في أفغانستان.
واجتمع المجلس الأعلى للقبائل «لويا جيرغا»، لاتخاذ قرار بشان الاتفاق الأمني، لكن كرزاي أثار الشكوك بشأنها، بقوله إنه سيرفض توقيعها إلى أن تجري الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) 2014. وكانت الولايات المتحدة ذكرت مرارا أنها لا يمكنها الانتظار بعد نهاية هذا العام. لكن كرزاي بدا في كلمة ختامية وجهها إلى الاجتماع الذي استمر أربعة أيام متمسكا بموقفه السابق، وهو أنه لن يوقع على الاتفاق إلا بعد إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل.
وقال صبغة الله مجددي رئيس المجلس الأعلى للقبائل لكرزاي، في ختام الاجتماع: «إذا لم توقع عليه، فإننا سنشعر بخيبة الأمل». ورد كرزاي قائلا: «حسنا»، ثم غادر المنصة.
وأعلن فضل كريم ايماك نائب رئيس المجلس التقليدي الكبير المنعقد في كابل، منذ الخميس، «موافقة أعضاء (اللويا جيرغا) على هذه الاتفاقية». وأضاف بعد أن وافقت 50 لجنة بالإجماع على الاتفاقية في ختام نقاشات دامت أربعة أيام إن «(اللويا جيرغا) يطلب من الرئيس المصادقة على الاتفاقية قبل نهاية العام الحالي». وهذه الاتفاقية الأمنية الثنائية ستحدد أطر الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان بعد انسحاب جنود حلف شمال الأطلسي، المقدر عددهم بـ75 ألفا في نهاية 2014. ويثير هذا الأمر مخاوف من اندلاع أعمال عنف في البلاد، التي تسيطر حركة طالبان على قسم منها.
فبعد أشهر من المفاوضات الشاقة اتفقت كابل وواشنطن هذا الأسبوع على مضمون الاتفاقية. وأمس، في خطاب اختتام أعمال «اللويا جيرغا»، لم يعلن كرزاي بوضوح أنه قد يعيد النظر في قراره توقيع الاتفاقية، بعد الاقتراع الذي لا يمكنه المشاركة فيه، لأن الدستور الأفغاني يحظر ترشحه لولاية ثالثة. لكنه أعرب عن استعداده لـ«قبول» قرار «اللويا جيرغا» وتوقيع الاتفاقية، مشيرا إلى شروط مسبقة. وقال «هذا الاتفاق يجب أن يقودنا إلى السلام وإلا فستقع كارثة».
ويقول منتقدون إن إصرار كرزاي على عدم التوقيع حاليا على الاتفاق ربما يعكس رغبته في أن ينأى بنفسه عن أي اتفاق مع الولايات المتحدة. ويعتقد البعض أن كرزاي متخوف من أن الولايات المتحدة وبلدانا غربية أخرى ربما تحاول التدخل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ولا يحق لكرزاي الذي قضى مدتين رئاسيتين خوض الانتخابات المقبلة.
ويثير هذا الأمر مخاوف من اندلاع أعمال عنف في البلاد التي تسيطر حركة طالبان على قسم منها، بعد أشهر من المفاوضات الشاقة اتفقت كابل وواشنطن هذا الأسبوع على مضمون الاتفاقية. ويعني عدم حسم الاتفاق الأمني انسحابا كاملا للقوات الأميركية لتترك أفغانستان وحدها في مواجهة تمرد حركة طالبان.
جدير بالذكر أن القوات الأميركية موجودة في أفغانستان منذ قادت حملة للإطاحة بحكم حركة طالبان، أواخر عام 2001. وقال وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والدفاع تشاك هيغل ومسؤولون أميركيون آخرون إنه يجب توقيع الاتفاق بنهاية هذا العام لبدء ترتيبات للوجود العسكري الأميركي بعد عام 2014. وأمس، في خطاب اختتام أعمال «اللويا جيرغا»، لم يعلن كرزاي بوضوح أنه قد يعيد النظر في قراره توقيع الاتفاقية بعد الاقتراع الذي لا يمكنه المشاركة فيه، لأن الدستور الأفغاني يحظر ترشحه لولاية ثالثة. ولم تفضِ المحاولات لفتح مفاوضات سلام مع المتمردين التي شاركت فيها الولايات المتحدة، إلى أي نتيجة ملموسة حتى الآن. وترفض طالبان التحاور مع كرزاي لأنها لا تعترف بشرعيته، وتعتبره «دمية» بأيدي واشنطن.
كما أكد كرزاي أن على الولايات المتحدة وقف جميع العمليات العسكرية التي تستهدف منازل أفغانية، والتي تنتهك سيادة البلاد (على حد قوله).
وقال من على منبر «اللويا جيرغا» في قاعة واسعة في حرم معهد الفنون التطبيقية غرب كابل: «إذا عادت الولايات المتحدة مجددا إلى منازلنا فلن يكون هناك اتفاق». ولمح كرزاي إلى أنه سيواصل المباحثات مع واشنطن حول الاتفاقية، حتى إن اختبر صبر أبرز داعم عسكري ومالي لبلاده.
وقال: «سأواصل العمل على الاتفاق. وسأستمر في التفاوض». وقد تترتب نتائج عن توقيع الاتفاق من عدمه على البلاد. وعلى الرغم من الحرب التي استمرت 12 عاما، تبقى الحكومة الأفغانية ضعيفة أمام تمرد طالبان التي طردها تحالف عسكري بقيادة أميركية من السلطة في نهاية 2001.
وفي الجانب الأميركي، فإن توقيع الاتفاقية سيسمح لواشنطن بالاستمرار في الاستفادة من القواعد في منطقة ذات رهانات جيواستراتيجية مهمة، لأن موقع أفغانستان استراتيجي بين إيران وباكستان والهند والصين. وجاء الإقرار الحاسم لمشروع الاتفاقية الأمنية الثنائية من قبل الاجتماع الذي ضم 2500 زعيم في كابل، بعد أربع ساعات من المناقشات في «اللويا جيرغا» أو «المجلس الأعلى».
وفي وقت سابق، أمس، قدم رؤساء اللجان الخمسين في «جيرغا» اقتراحاتهم للرئيس، وبثت مباشرة على شاشات التلفزيون. وأصدر المجلس توصية من 31 نقطة لكرزاي، بينها إجراء تغييرات على مشروع الاتفاقية. وحث وجهاء القبائل واشنطن على تسليم أكثر من 19 سجينا أفغانيا محتجزين في معتقل غوانتانامو في أسرع وقت ممكن. ويعد أحد أكثر المواضيع الشائكة في مشروع الاتفاقية هو منح حصانة للجنود الأميركيين من القانون الأفغاني، في حال ارتكابهم جرائم في أفغانستان.
وقال المجلس إن محاكمات الجنود الأميركيين يجب أن تجري في أفغانستان قدر الإمكان، ويجب أن تجري في وجود محققين أفغان وأعضاء أسر الضحايا، سواء داخل أو خارج أفغانستان.
كما كانت قضية تفتيش القوات الأميركية لمنازل أفغانية واحدة من النقاط العالقة، حيث أوصى المجلس بضرورة إيقاف المداهمات الليلية على الفور. وقال المجلس إنه يتعين على الحكومة الأفغانية إلغاء الاتفاق في حال لم تلتزم الولايات المتحدة بتعهداتها.
كما قال إن القوات الأميركية لا يمكنها إدارة مراكز احتجاز وسجون في أفغانستان، وأوصت بعدم استخدام الأراضي الأفغانية لشن أي عمليات عسكرية من قبل الولايات المتحدة ضد دول أخرى.
وذكر مشروع الاتفاق أن المتعاقدين الأميركيين يتعين منحهم حصانة من دفع ضرائب في أفغانستان، إلا أن مجلس زعماء القبائل دعا إلى قيامهم بدفع الضرائب كاملة داخل البلاد.
وأدان متمردو طالبان «بشدة»، أمس، قرار «اللويا جيرغا» المجلس التقليدي الأفغاني الكبير، بالمصادقة على الاتفاقية الأمنية الثنائية بين كابل وواشنطن. وقال المتمردون في بيان تلقت وكالة الصحافة الفرنسية نسخة عنه أن «إمارة أفغانستان الإسلامية (التسمية التي استخدمتها طالبان عندما كانت في السلطة) تدين بشدة مجلس (اللويا جيرغا) وقراره».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».