المدنيون المنسيون... ضحايا الغارات

زيارات ميدانية لأكثر من 150 موقعاً قصفتها غارات التحالف في العراق

المدنيون المنسيون... ضحايا الغارات
TT

المدنيون المنسيون... ضحايا الغارات

المدنيون المنسيون... ضحايا الغارات

يقول المسؤولون العسكريون الأميركيون إن الحرب الجوية ضد تنظيم داعش هي الأكثر دقة في التاريخ... ولكن في العراق، يشير أحد التحقيقات الميدانية إلى أن الغارات الجوية لقوات التحالف قد تسببت في مصرع عدد كبير من المدنيين أكثر مما ذكرته التقارير في السابق. ويتساءل الناجون من هذه الغارات عن سبب استهداف عائلاتهم. وأكثرهم لم يحصل على إجابة لذلك. وهذه قصة أحدهم، ممن حاولوا الوصول إلى إجابة.
في وقت متأخر من مساء 20 سبتمبر (أيلول) لعام 2015، كان باسم رازو يجلس في غرفة مكتبه بمنزله الواقع على الجانب الشرقي من الموصل، إذ كان يتابع شاشة حاسوبه المضاءة أمامه. وكانت زوجته، ميادة، تغط في نوم عميق بالطابق العلوي، ولكن باسم يقضي عادة الساعات الطوال، يتابع عروض السيارات الفارهة على «يوتيوب»... السيارة «بي إم دبليو ألبينا بي7»، والسيارة «أودي كيو7»، وغيرهما. وكان يمضي كل ليلة على هذا المنوال. إذ كان للرجل شغف قديم بالسيارات الرياضية فائقة السرعة. ولكن مع احتلال تنظيم داعش الموصل، أغلقت أبواب جميع معارض السيارات في المدينة، وكانت سيارة العائلة القابعة في المرآب - طراز «بي إم دبليو» لعام 1991 - قلما استخدمت خلال العام الماضي بأكمله. فلم يكن هناك من مكان يذهبون إليه بالسيارة.
كانت عائلة السيد رازو تعيش في حي «وودز»، وهو من الأحياء شبه الريفية على ضفاف نهر دجلة، حيث تتناثر الفيلات الرخامية والجصية في خضم غابات من أشجار الأوكاليبتوس، والشينار، والصنوبر. وكانت المقاهي والمطاعم تنتشر على ضفاف النهر فيما سبق، ولكن منذ سقوط المدينة في قبضة المتطرفين العام الماضي، فضل باسم وزوجته ميادة الترفيه عن أنفسهم داخل جدران المنزل. وكانا يضعان الكراسي بجانب المسبح، ويشويان الكباب على الشواية في الهواء الطلق. وكانت ميادة تحب طهي البيتزا أو الأرز الصيني، في محاولة من الأسرة للمحافظة على أسلوب الحياة المعتاد لديهم من قبل. أما ولدهما، يحيى، فقد تمكن من الفرار إلى أربيل بعدما تخلى عن دراسته في جامعة الموصل، ولم يره أحد منذ ذلك الحين. إذ كان يمكن لمن غادروا المدينة حين استيلاء «داعش» عليها معاودة الدخول مرة أخرى إلى أرض «الخلافة» المزعومة، ولكن بمجرد العودة، لا يمكنهم المغادرة مجددا، وهو المأزق الذي أعاق حركة الكثير من الناس الذين تقطعت بهم السبل أينما وجدوا أنفسهم في هذه المدينة المنكوبة. وكانت أعياد الميلاد، ومراسم الزفاف، وحفلات التخرج تأتي وتذهب، وتجمدت الاحتفالات في قلوب الناس انتظارا لتلك اللحظة المستحيلة بعيدة المنال، وهي لحظة التحرير.
وإلى جوار منزل باسم هناك منزل يماثله تقريبا وهو لشقيقه مهند وزوجته عزة. ولقد كانا نائمين في تلك الساعة على الأرجح، ولكن باسم ظن أن ابنهما الوحيد نجيب البالغ من العمر 18 عاما لا يزال مستيقظا حتى الساعة. وقبل بضعة أشهر، ألقي القبض على نجيب بواسطة الشرطة الدينية لدى «داعش» بتهمه ارتداء السروال الجينز والتيشيرت الذي يحمل بعض الكلمات باللغة الإنجليزية. وبالتالي كانت العقوبة عشر جلدات بالسوط، وكإجراء إضافي للمذلة والإهانة قامت الشرطة الدينية بحلق شعر رأسه تماما. ومنذ ذلك الحين كان نجيب يلزم المنزل طوال الوقت ولا يخرج أبدا، ويقضي أغلب أوقاته على «فيسبوك». ولقد كتب يقول قبل بضعة أيام على صفحته: «سوف ينتهي كل شيء في يوم من الأيام. وحتى ذلك اليوم، سوف أحتفظ بقوتي وصمودي».
وفي بعض الأحيان، وبعد ذهاب والديه إلى النوم، كان نجيب يحاول الحصول على المفتاح من الخزانة والذهاب خلسة إلى بيت عمه. وكانت لدى باسم المقدرة الكبيرة على أن يجعل ابن أخيه ينسى الواقع المظلم الذي يعيشون فيه. كان يؤمن دائما بنصف الكوب الممتلئ، من واقع إيمانه بأن حياة البشر - كل انتكاسة وكل نجاح، وكل كسرة للقلب وكل انتصار - ليست إلا قدرا مكتوبا منذ بلوغ الإنسان أربعين يوما في رحم أمه.
لم يكن باسم رجلا متدينا بالمعنى الحرفي للكلمة، بيد أن لمحة الإيمان الضئيلة تلك أيدت ما بدا له كحقيقة لا مناص منها، حتى في زمن الحرب بالعراق: كل شيء يحدث لسبب ما. كان ذلك من التأكيدات التي يعرضها بنفسه على الجميع، لقد فقد نجله يحيى عاما كاملا من دراسته الجامعية بلا جدوى، ولكنه في منفاه قد تعرف وتقدم لخطبة شريكة حياته. وقال مخاطبا زوجته ميادة: «ألا ترين؟ إنه القدر!»
كانت تلك المشاعر تعيش داخل باسم بقدر ما كان يتذكر. وهو المحاسب البالغ من عمره 56 عاما ويعمل لدى شركة «هواوي»، شركة الاتصالات الصينية متعددة الجنسيات، وكان قد درس الهندسة في ثمانينات القرن الماضي لدى جامعة ويسترن ميتشيغان بالولايات المتحدة. وكان يعيش بصحبة زوجته في شقة صغيرة من غرفة نوم وحيدة في بورتاغ بولاية ميتشيغان تلك الشقة التي استغلتها زوجته ميادة مقرا لعملها بصفتها ممثلة مبيعات لشركة «آيفون» لمستحضرات التجميل. ولقد بدأت بداية صغيرة، حيث كانت تحاول بيع مستحضرات التجميل وكريمات البشرة للجيران. وسرعان ما وسعت مبيعاتها إلى مقاطعات كالأمازو وكومستوك بالولاية نفسها. وفي غضون عام، تمكنت من ادخار ما يكفي من المال لابتياع كاميرا طراز «مينولتا» بسعر 700 دولار هدية لزوجها باسم. واعتاد باسم الاعتماد على مقدرتها في فرض النظام كل ما هو غريب ودنيوي في الغربة، وإتقان كل شيء تقريبا من الفروض المنزلية إلى سرعة البديهة في التحضير لنزهات أعضاء هيئة التدريس إلى جانب نوادي الروتاري. لقد كان القدر! وقد ظلا متزوجين الآن لمدة 33 عاما.
وبحلول منتصف الليل في منزله بالموصل، استمع باسم إلى صوت قادم من الطابق الثاني، فنظر، فإذا لمحة من الضوء تخرج من غرفة نوم ابنته «تُقى» ذات الـ21 عاما. فطلب منها أن تذهب إلى فراشها، إذ صار الوقت متأخرا. وكان من عادتها البقاء مستيقظة لوقت متأخر من الليل، وفي حين أن باسم يدرك أنه ليس بالمثال الجيد لابنته في ذلك، وأن الظروف الحالية لا توفر الأسباب الكافية للاستيقاظ المبكر، إلا أنه يعتقد في الأثر المهدئ للنوم المبكر والاستيقاظ المبكر كعادة من عادات الحياة. وانتظر عند أسفل الدرج، وطلب منها النوم مجددا، فانطفأ نور الغرفة وساد الظلام الدامس المكان.
وكانت الساعة قد قاربت الواحدة صباحا عندما أغلق حاسوبه الشخصي، واتجه للطابق العلوي لأجل أن ينام. واستقر بجسده إلى جوار زوجته، التي كانت تغط في نوم عميق. وفي وقت لاحق، انتفض مستيقظا. وكانت ملابس نومه غارقة في عرق غزير، وأحس على لسانه بطعم غريب للغاية - إنها الدماء! كان الهواء ثقيلا ولاذعا. وكان لا يزال في غرفة نومه، ولكن سقف الغرفة كان قد اختفى تقريبا. واستطاع أن يرى السماء ليلا، ويلحظ النجوم في أجواء الموصل. ووجد باسم ساقيه وقد بلغتا مسافة قريبة للغاية من وجهه بما تبقى من حطام سريره. فانتابه الذعر الشديد. وتحول إلى جانبه الأيسر، فرأى كومة من الحطام. صرخ مناديا على زوجته، فلم تأته إجابة وأحس بصمت مطبق يلف المكان. فصرخ مرة أخرى مناديا على ابنته. كانت جدران غرفة النوم قد تلاشت هي الأخرى، ولم يبق منها سوى الأعمدة الجرداء. وكان يستطيع أن يرى رؤوس الأشجار على مسافة غير بعيدة في ظلام المساء. وتمكن من الاستماع إلى صوت أنثوي يصيح من على مسافة قريبة. فصرخ مجيبا الصوت الذي أجابه صراخا بصراخ. كانت زوجة أخيه «عزة» تنادي عليه من مكان ما في الخارج: «أين أنت؟»، فأجابها قائلا: «لقد ماتت ميادة!».
قالت زوجة أخيه: «كلا، كلا، سوف أعثر عليها!». فأكد لها بصياحه الملتاع: «كلا يا عزة لقد ماتت. لقد رحلوا جميعا!».
وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، نشرت قوات التحالف لمحاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا بقيادة الولايات المتحدة مقطعا على صفحتها بموقع «يوتيوب»، يحمل عنوان: «غارة قوات التحالف تدمر منشأة تابعة لـ(داعش) بالقرب من الموصل»، بتاريخ 20 سبتمبر (أيلول) لعام 2015. ويعرض المقطع مشاهد ليلية طيفية باللونين الأبيض والأسود لمبنيين متقاربين من تصوير إحدى الطائرات المقاتلة كانت تحوم ببطء في الأفق. وليس هناك صوت في مقطع الفيديو. وفي غضون ثوان معدودة، اختفت المباني من على المقطع إثر انفجارات غلفتها سحابة من الدخان الكثيف. وكان الهدف، وفقا لمقطع الفيديو، هو منشأة لصناعة السيارات المفخخة في شبكة من «المنشآت المتعددة المنتشرة في جميع أنحاء الموصل والمستخدمة في صناعة العبوات الناسفة لصالح أنشطة (داعش) الإرهابية»، التي تشكل «تهديدا مباشرا لكل من المدنيين وقوات الأمن العراقية». وبعد ذلك، وعندما عثر باسم على ذلك المقطع، تمكن من مشاهدة اللحظات الأولى فقط. وكان يعرف على الفور أن المباني الظاهرة في المقطع هي لمنزله ومنزل أخيه.
وذلك المقطع هو واحد من مئات المقاطع التي نشرتها قوات التحالف منذ بدء الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش الإرهابي في أغسطس (آب) لعام 2014، ولقد نُشرت أيضا على مواقع وزارة الدفاع الأميركية، بغية إثبات الحملة العسكرية الجارية التي ليست كأي حملة أخرى - من حيث الدقة، والشفافية، والصرامة. وفي معرض جهودها لطرد «داعش» من العراق وسوريا، نفذت قوات التحالف أكثر من 27 ألفا و500 غارة جوية حتى اليوم، واستخدمت فيها معظم أنواع الطائرات في ترسانتها، من قاذفات «بي - 52» الكبيرة وحتى الطائرات المسيرة الحديثة. والقوة الجوية الساحقة قد مكنت القوات البرية المتقدمة من التغلب على المقاومة العنيفة على الأرض واستعادة أغلب المدن في جميع أنحاء المنطقة. يقول الميجور شين هوف، الناطق الرسمي باسم القيادة المركزية: «تعمل القوات الأميركية وقوات التحالف بكل جدية للالتزام بمعايير الدقة في العمليات، ونتيجة لذلك، فهي تنفذ واحدة من أكثر الحملات الجوية دقة في التاريخ العسكري». وقالت قوات التحالف إنها تمكنت منذ أغسطس (آب) لعام 2014 من قتل عشرات الآلاف من مقاتلي «داعش» ونحو 466 مدنيا في العراق، وذلك وفقا لما ورد في إجمالي الإحصاءات الشهرية الخاصة بهم.
كان باسم لا يزال في غرفة نومه، ولكن سقف الغرفة قد انهار بالكامل. وكان يستطيع رؤية السماء والنجوم في ليل الموصل.
ولكن، لم تكن عائلة باسم من بين أولئك الذين كانوا في الحسبان حتى استطعنا الدفع بقصته إلى وسائل الإعلام. إذ كانت ميادة، وتُقى، ومهند، ونجيب؛ أربعة من المدنيين العراقيين المنسيين الذين أدرجت قوات التحالف وفاتهم على حساب «داعش». وتشير التقديرات الصادرة عن مختلف المنظمات غير الحكومية المعنية بالشأن العراقي إلى أن إجمالي وفيات المدنيين العراقيين هو أكبر بكثير مما ذكرته تقارير قوات التحالف، غير أن قوات التحالف تعارض هذه الأرقام بقوة، وتقول إنها لا تستند إلى معلومات استخبارية محددة، ولكن إلى التقارير الإخبارية المدنية وأقوال شهود العيان التي جمعت من بعيد.
بيد أن تقاريرنا الخاصة، التي تجمعت على مدى 18 شهرا كاملة، تظهر أن الحملة الجوية لقوات التحالف لا تحظى بالقدر المزعوم من الدقة المعلنة من جانب قوات التحالف. فما بين أبريل (نيسان) 2016 ويونيو (حزيران) 2017، عملنا على زيارة المواقع التي قصفتها غارات قوات التحالف، التي بلغت 150 غارة جوية، في مختلف أنحاء شمال العراق، بعد فترة ليست بالطويلة من إخلاء تلك المناطق من «داعش» وعناصره. ووجدنا أن واحدة من كل خمس غارات لقوات التحالف من التي وقفنا عليها قد أسفرت عن وفيات في صفوف المدنيين، وهو المعدل الذي يزيد على 31 مرة مما تم الاعتراف به من جانب قوات التحالف. وبصرف النظر تماما عن الادعاءات الرسمية، ومن حيث وفيات المدنيين، فإنها قد تكون أقل الحروب شفافية في التاريخ الأميركي الحديث.
استيقظ باسم في أحد عنابر مستشفى الموصل العام، مثقلا بالكثير من الضمادات. وكان مشوشا للغاية، ولكنه تذكر محاولة إخلائه من بين أنقاض منزله، إذ كانت أيادي الجيران تحاول انتشاله هناك، وألقى به الحفار بهدوء على الأرض، وكانت سيارة الإسعاف ذات الأضواء الساطعة تنتظره في الجوار.
وفي المستشفى، كان باسم على دراية بأطقم الممرضين والعاملين، ولكنه لم ير أي وجه مألوف حتى الصباح. كان بجواره شقيق زوجته ميادة. وعندما سأله باسم عمن نجا من أهل بيته، قيل له: لا أحد. لقد أدى الانفجار إلى مقتل زوجته وابنته على الفور. وأسفرت الضربة الثانية عن مقتل مهند ونجيب في المنزل المجاور. وكانت عزة والدة نجيب على قيد الحياة، بسبب أن قوة الانفجار قد دفعت بها عبر نافذة الطابق الثاني. وانتقل باسم إلى منزل والديه في الجزء الجنوبي من المدينة. ولمدة يومين، كان يستقبل الزيارات من الأقارب وأصدقاء العائلة، ولكنه كان يتعرف على وجوههم بصعوبة بالغة. وفي اليوم الثالث، وجد نفسه قادرا على الوقوف، وبدأ في متابعة الصور المحفوظة على هاتفه. وإحدى آخر هذه الصور التقطت في الليلة السابقة على الغارة: كانت صورة لتُقى وهي تبتسم في المطبخ. وشرع في البكاء للمرة الأولى منذ خروجه من المستشفى. ثم تغلب على مشاعره وفتح صفحته على «فيسبوك». وكتب يقول: «في منتصف الليل، استهدفت طائرات التحالف منزلين للمدنيين الأبرياء. فهل هذه هي التكنولوجيا المتقدمة؟ إنه هجوم بربري وحشي كلفني حياة زوجتي، وابنتي، وشقيقي، وولده». وعلى نحو مفاجئ، بدا الأمر كما لو كانت المدينة بأسرها على معرفة بالأمر، وتدفقت الرسائل على حسابه في فيضان عجيب.
بالنسبة لباسم، كانت الأيام القليلة التالية على الهجوم قد مرت في ضباب شديد. أنزله سائق مأجور إلى إحدى سيارات الدفع الرباعي، حيث أزيلت المقاعد الخلفية لأجل وضع مرتبة مخصصة للاتكاء عليها. وسار به عبر ريف «داعش»، والقرى الرثة المغطاة بأكوام من القمامة والقاذورات. وفي فترة بعد الظهيرة، وصلا سويا إلى جبل سنجار، حيث تم إبعاد النساء الإيزيديات قبل عام كامل على أيدي «داعش» وبيعهم في سوق النخاسة والعبيد.
وانطلقا عبر أميال تلو الأميال من الصحراء الشاسعة. ولم يكن باسم قادرا على التمييز بين البلدات السورية الصغيرة التي مرا بها ولكنه كان يعلم عندما وصلا إلى مدينة الرقة، عاصمة خلافة «داعش» المزعومة، وانتقل إلى سيارة أخرى بواسطة مجموعة من المشاة. وسرعان ما انطلق سائق جديد بباسم في حقول القمح والقطن المظلمة عبر طرق ضيقة ووعرة. وفي بعض الأحيان، كانت الآلام التي تهاجمه فوق احتماله. وكانا يتوقفان لقضاء المساء، ولكنه لم يكن يعلم أين بالتحديد. وعند الفجر، كانا ينطلقان مرة أخرى عبر الطريق. وبعد فترة، التقط السائق علبة من السجائر من أسفل مقعده، وكانت ممنوعة في عاصمة الخلافة المزعومة. شعر باسم بالقلق، ولكن السائق طمأنه مبتسما وقال: «لا تقلق. لقد صرنا في منطقة الجيش السوري الحر».
وقبل مرور فترة طويلة، تباطأت حركة المرور، وكانا يتحركان عبر شوارع مزدحمة باللاجئين، والأطفال المشردين، والمتمردين السوريين. وعبر باسم الحدود على كرسي متحرك. وكان ينتظر على الجانب التركي من الحدود، ووجد ابنه يقف بجانب سيارة للإسعاف. وانحنى يحيى محتضنا والده وهو يبكي بكاء مريرا. إذ لم ير بعضهما البعض منذ ما يربو على عام كامل. قضى باسم الشهرين التاليين متنقلا بين أسرّة مستشفى العظام المتخصص في مدينة أضنه التركية. وفي الساعات الطويلة بين العمليات الجراحية، وعندما كانت مسكنات الآلام تمنحه بعضا من الهدوء، كان يحاول تفادي ذكريات كارثة حياته المفجعة.
ينتمي باسم إلى إحدى كبار عائلات الموصل العريقة، ومن بين العشرات المنحدرين من سلالة هذه العائلة - كما تقول الروايات - هناك أربعون من الأنبياء ممن استقرت بهم الأحوال على الضفاف الساخنة لنهر دجلة القديم، في الجهة المقابلة من مدينة نينوى، العاصمة الآشورية القديمة. وعلى الرغم من أن المدينة التي أسسوها قد ذاع صيتها واكتسبت سمعة المدن المحافظة، فكان باسم يتذكر بعض أوقات الذوق العالمي التي عايشها هناك برفقة عائلته.
في سبعينات القرن الماضي، ومع تعزيز صدام حسين قبضته على مقاليد السلطة، بدأت التعددية التي اتسمت بها الموصل في التلاشي، غير أن باسم لم يكن هناك بما فيه الكفاية ليعايش ذلك التلاشي والاختفاء. إذ غادر إلى المملكة المتحدة في عام 1979، ثم انطلق بعد ذلك صوب الولايات المتحدة. وكان الاستقرار في الحياة بولاية ميتشيغان من السهولة بمكان. إذ ابتاع باسم لنفسه سيارة «موستانغ»، وحصل على التأمين الصحي، وتعلم إقامة حفلات الشواء، وذهب إلى حفلات الكوكتيل، والتقى امرأة كان قد تقابل معها ذات مرة في إنجلترا. ولقد أثارت هذه التطورات قلق والديه، اللذين شرعا في مناصحته بالاستقرار والبحث عن زوجة، وأشارا عليه بابنة عمه ميادة. ولكنه قاوم الأمر في البداية، بيد أن جاذبية بدء حياة جديدة مع إنسان من الوطن كانت أكبر من مقاومته. وتزوج بميادة في عام 1982، في حفل بسيط بمنزل عمه في آن أربور بولاية ميتشيغان في حضور حفنة من الأشخاص والأصدقاء.
وبوصفه الابن الأكبر، شعر باسم بقلق متزايد ناحية والديه المسنين، ولذلك وفي عام 1988، اتخذ بصحبة زوجته القرار الصعب بالعودة إلى الوطن بصفة دائمة. وكانت الموصل التي عادا إليها قد نالتها تحولات مريعة. كانت الحرب العراقية الإيرانية في مراحلها الأخيرة، ولكنها بتكلفة باهظة بلغت نحو نصف مليون قتيل من الشعب العراقي. وكانت البدائل السياسية المتاحة في شباب باسم قد اختفت تماما؛ فلقد سُحقت الشيوعية تماما في البلاد، وفقدت القومية العربية بريقها تحت وطأة النزعة البعثية لديكتاتورية نظام صدام حسين.
لقد قمنا بزيارة ما يقرب من 150 موقعا لغارات قوات التحالف في مختلف أنحاء شمال العراق، إثر سعينا لتحديد القوات الجوية المسؤولة عنها، ومن الذي تسببوا في وفاته من المدنيين. وكانت الفكرة القائلة بمنح التعويضات للضحايا المدنيين من الحروب الأميركية حتى وقت قريب من الأفكار الراديكالية التي تحوم على أطراف العقيدة العسكرية الأميركية. وخلال الصراعات في العراق وأفغانستان، بدأ المخططون الحربيون في التركيز الجاد على تعويضات التعازي، وكانوا يعتبرونها من وسائل تحسين العلاقات مع السكان المحليين، ومنع مزيد من الهجمات الانتقامية. وسرعان ما شرعت القوات الأميركية في إنفاق آلاف الدولارات سنويا للسكان المدنيين الذين تكبدوا الخسائر جراء العمليات القتالية، وذلك لكل شيء من الأضرار التي لحقت بالممتلكات وحتى وفيات أفراد العائلات. وكانت التعويضات في أفغانستان، على سبيل المثال، تتراوح من 124 دولارا لأحد المتوفين من المدنيين وحتى 15 ألف دولار في حالة أخرى. وعندما انسحبت الولايات المتحدة من العراق في عام 2011. رغم كل شيء، توقفت جميع برامج تعويضات التعازي هناك، ولم تعد إلى العمل مرة أخرى مع بدء الولايات المتحدة حربها ضد «داعش» في عام 2014.
ومع خروج الموصل والرقة من سيطرة «داعش» في الوقت الراهن، فإن قوات التحالف «لن تقضي الكثير من الوقت تنظر في أمر» تعويضات التعازي، على نحو ما صرح العقيد جون توماس، الناطق الرسمي باسم القيادة الوسطى الأميركية، الذي أضاف: «إننا نعزز جهودنا لصالح سلامة المجتمع وعودة اللاجئين بدرجة ما إلى منازلهم». وفي حين أن مساعدة الضحايا من المدنيين لم تعد على رأس الأولويات العسكرية، فلا تزال بعض الجهات تستشعر القلق إزاء عمليات الانتقام.
* خدمة «نيويورك تايمز»



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.