الجذور الثقافيّة والآيديولوجيّة لوعد بلفور

عن تراث الإمبراطوريّة البريطانية المرّ

اللورد بلفور  -  المؤرخ ستيوارت
اللورد بلفور - المؤرخ ستيوارت
TT

الجذور الثقافيّة والآيديولوجيّة لوعد بلفور

اللورد بلفور  -  المؤرخ ستيوارت
اللورد بلفور - المؤرخ ستيوارت

في رسالته المؤرخة 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 إلى الرأسمالي اليهودي اللورد ليونيل والتر دي روثشايلد التي تفوح كلماتها القليلة بالعنصريّة وأوهام التفوق العرقي وصلف موظفي الإمبراطوريّة، وعد وزير خارجيّة بريطانيا اللورد آرثر جيمس بلفور (1848 - 1930) - المنحدر من جذور أرستقراطيّة اسكوتلنديّة والعضو البارز في حزب المحافظين الحاكم وقتها - بأن «حكومة صاحب الجلالة ستنظر بعين العطف إلى إقامة كيان قومي لليهود في فلسطين»، وتمنّى عليه أن يبلغ الاتحاد الصهيوني بذلك. ورغم أن الرسالة ليست لها قيمة فعليّة قانونيّة أو إجرائيّة سوى من الناحية الرمزيّة المحضة، فإنها بتبعاتها التاريخيّة، وبجهود الدولة البريطانيّة العظمى، تمخضت عنها واحدة من أكثر التجارب السياسيّة البريطانيّة في عهد الإمبراطوريّة عنصريّة وإجراماً مستمرَين إلى اليوم بعد مرور أكثر من قرن على تلك الرسالة التي وعدت بـ«أراض لا تمتلكها الإمبراطوريّة، لشعب لا يقيم فيها وعلى حساب سكان البلاد الأصليين ودون استشارتهم مع تجريدهم من حقوقهم السياسيّة والوطنيّة».
كانت رسالة بلفور محطة تاريخيّة رئيسية في تاريخ الشرق الأوسط، وفي سياسة الإمبراطوريّة خلال مرحلة الحرب العالميّة الأولى لغاية حرب السويس 1956. واعتبرها اليهود الصهاينة بمثابة شهادة ميلاد رسميّة لقيام كيانهم المصطنع على الأراضي العربيّة. وقد أفاضت المصادر التاريخيّة في وصف الخلفيّات السياسيّة لإقدام السلطات البريطانيّة على إطلاق وعد كهذا، ومن ثم التزامها الكّلي بتنفيذ مفاعيله رغم التكاليف الماليّة والبشريّة والأخلاقيّة الهائلة، مع أن البريطانيين كثيراً ما منحوا وعوداً لأطراف كثيرة في مفاصل تاريخيّة معينة وانتهوا إلى النكث بها فور تحول الأوضاع التي أملتها في حينها - ولعل أقربها وعود الإمبراطوريّة للهاشميين بتأسيس مملكة عربيّة كبيرة في الشرق والتي انتهت هشيماً تذروها رياح الصحراء.
ومع أن كثيراً من التحليلات السياسيّة تلك تبدو مقنعة وذات صلة بسياق تطورات الأحداث فإنها تقصُر تفسيراتها على المرحلي والسياسي تحديداً، دون كبير تدقيق في الخلفيّات الثقافيّة والآيديولوجيّة التي يمكن أن تكون قد أفرزت تلك المناخات الموبوءة بالأنفاس العنصريّة، والخطاب العرقي لتمنح أفراداً يُفترض بهم أنهم نابهون - كاللورد بلفور وغيره - القدرة على ارتكاب جرائم هائلة بحق مجتمعات وشعوب أقدم من الشعب البريطاني بينما هم يشعرون بالفخر والانتشاء الحضاري والديني والقومي بحيث تبدو معها رسالة وعد بلفور العتيدة مجرد قُطبة أخرى في نسيجٍ أسود حالكٍ يغطي كل التاريخ البريطاني الحديث منذ انقشاع العصور الوسطى.
يربط المفكر البريطاني المعروف ستيورات هول التاريخ الشديد الخصوصيّة للمشاعر العنصريّة ووهم التفوق العرقي في بريطانيا بنشوء الرأسماليّة هناك بشكلها الحديث وما تسببت به من أنشطة استعماريّة عبر المسكونة. كانت العنصريّة وقتها نتاج تيار فكري روّجت له مصالح الرأسمال كآيديولوجيّة دفاعيّة عن العوائد الاقتصاديّة لتجارة الرقيق، إذ إن تداخل تلك التجارة مع عمالة العبوديّة في مزارع إنتاج السكر الإنجليزيّة بجزر الكاريبي كما الصناعات التحويليّة الطموحة على البر الإنجليزي أنتجت منظومة متشابكة لتوليد الأرباح على مستويات غير مسبوقة، فكان أن تولى مثقفو تلك المرحلة - والخاضعون بحكم تكوين الاجتماع البشري لطبقة المهيمنين ومصالح النخبة - صياغة ما يسميه بيتر فراير «ميثيولوجيا العرق» من خلال تجميعهم عناصر «خردة قديمة» من أساطير وأوهام دينيّة ومشاعر عنصريّة وقوميّة واكتشافات علميّة غير مكتملة، ومن ثم توظيف تلك الميثيولوجيا كتغطيّة على جرائم ضد البشريّة تصادف أنها تدرّ أرباحاً طائلة.
ورغم أنه لا يمكن نسب نشوء التيارات الفكريّة والاجتماعيّة إلى لحظة محددة في التاريخ، فإن خبراء النظريّة الثقافيّة يعدون كتاب إدوارد لانغ المزارع والقاضي ومالك العبيد عن «تاريخ جامايكا» - 1774 - بمثابة أهم النصوص المؤسسة للنهج العنصري البريطاني التي تبرر تفوق العرق الأبيض، وتتقبل الرّق وتجارة العبيد بوصفهما طبيعة الأشياء رغم أن الكتاب ومؤلفه من دون قيمة فكريّة تذكر. وتتابعت بعد «تاريخ جامايكا» نصوص مهمة أخرى نشرت في كتب أكاديميّة وتاريخيّة لتتحول تلك الفكرة المقيتة مع مرور الوقت إلى منطق مقبول، رصد إدوارد سعيد تمثلاته في نصوص أدبيّة عدة من تلك الفترة لا سيما في فن الرواية (كونراد، وأوستن وغيرهما)، معتبراً أنها عبّرت عن نسق متكامل من «السرد المؤدلج» الذي صار بحكم أهم الآليات التي يحافظ بها الغرب على هيمنته على الآخر (الشرق نموذجاً).
مراكمة الأرباح المحصلة من المستعمرات البريطانيّة عبر البحار ساعدت على تمويل إنشاء تحالف وثيق بين الطبقة الأرستقراطيّة - ذات الامتيازات المستمرة منذ إقطاعات العصور الوسطى - مع البرجوازيين الصاعدين ومحدثي النعمة للسيطرة على مقاليد الأمور في البلاد، وهو الأمر الذي جنّب بريطانيا قيام ثورة برجوازيّة تتولى إدارة الدولة كما كان الحال في فرنسا مثلاً.
تحول النظام السياسي البريطاني بأكمله من مؤسسات الدولة إلى الجيش الإمبراطوري المسلّح بأحدث معطيات تكنولوجيا عصره من بنادق ومدافع وبحريّة، مروراً بطبقة المثقفين من صحافيين وأكاديميين وعلماء وأدباء ومعلمين وانتهاء بالمؤسسة الدينيّة التي أرادت «تنوير أولئك التعساء من خلال تنصيرهم أو على الأقل إفساد أديانهم المحليّة» - تحول بمجموعه إلى مجرّد أداة لخدمة الرأسمال حصراً. وحتى الأحزاب البريطانيّة الكبرى من (محافظين وعمال وليبراليين أحرار) فهي تعاقبت على الحكم لخدمة ذات السيّد بتكتيكات مختلفة، ودون مساس بثوابت المشروع الرأسمالي الأساسيّة.
موظفو السلطة الإمبراطوريّة - على اختلاف مواقعهم - سواء الوزراء أو الجواسيس أو الضباط أو المبعوثين الثقافيون أو الدينيون - كانوا في معظمهم بوعيهم أم بلا وعيهم قد عبثت بعقولهم هذه التأثيرات المتقاطعة من الشحن العنصري والآيديولوجي المطعّم بفلسفات القومية اليمينيّة وانحيازات الأساطير الدينيّة المستقاة من نصوص العهد القديم.
وهكذا عندما جلس اللورد بلفور ليوقع رسالته المشؤومة تلك في مكتبه بمقر وزارة الخارجيّة البريطانية - وهو رجل كبُر على نصوص العهد القديم، وتشبع بأفكار الصهيونيّة التي توافقت تطلعاتها الأسطوريّة لإسكان اليهود في أرض الميعاد مع عقيدته الشخصيّة - كانت يمينه يمين الإمبراطوريّة كلّها وتتحدث باسم تراكم لعقود طويلة من التراث المسموم، وإن كان هو شخصيّاً من تحمل المسؤوليّة الرمزيّة لاحقاً عن جرائم دولة إسرائيل العنصريّة التي قامت فعلاً في 1948، وما زالت إلى اليوم نموذجاً منفصلاً عن سياقه الاجتماعي والجغرافي والتاريخي تماماً كأي مشروع بريطاني سياسي من مخلفات مرحلة الإمبراطوريّة التي تقاعدت الآن ولم تعد لها أسنان كثيرة بعد صعود الولايات المتحدة إلى دفة الهيمنة العالميّة.
اللورد بلفور في واقع الأمر لم يبتدع سياسة بلاده نحو المشروع الصهيوني. فالتوجه العام في أروقة الحكومة الإمبراطوريّة ومنذ قبل بداية القرن العشرين كان التعاطف مع المشروع الصهيوني والتحالف معه بل وربما توظيفه لخدمة أغراض الإمبراطورية.
ووفق خرائط اتفاقيات سايكس - بيكو التي سبقت الوعد البلفوري كانت فلسطين، وبالتوافق مع الجانب الفرنسي ستبقى ذات وضع خاص مُلتبس بعكس الأراضي الأخرى التي توافق الطرفان على اقتسامها.
وقد بدا واضحاً من احتفاء تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانيّة الحميم ببنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي ومقالة بوريس جونسون وزير الخارجيّة البريطاني الحالي بمناسبة مرور مائة عام على صدور الوعد - والتي أكد فيها على فخر بريطانيا بدورها في تأسيس (إسرائيل) - أن لا أشياء كثيرة تغيّرت في الطبقات العميقة من نفسيات ومواقف موظفي الدّولة البريطانيّة رغم مرور الزمن.
بلفور ليس اسم علمٍ على وعد أطاح بشعب لمصلحة غزاة غرباء. بلفور اسم حركي للعنة مست روح بريطانيا وعبثت بتكوين عقليات أبنائها ولم تعد بقادرة - فيما يبدو - على الشفاء منها.



المتحف المصري بالتحرير يبرز نسيجاً جنائزياً نادراً

من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
TT

المتحف المصري بالتحرير يبرز نسيجاً جنائزياً نادراً

من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)
من القطع النادرة للنسيج الجنائزي بالمتحف المصري (المتحف المصري)

من خلال قطعة أثرية استثنائية تجسد تلاقي الفن الجنائزي، والعقيدة المصرية القديمة في العصور المتأخرة، ​يعرض المتحف المصري بالقاهرة نسيجاً جنائزياً نادراً استُخرج من مقبرة «باك إن رنف» بمنطقة سقارة في الجيزة.

​ويضم النسيج الأثري تكويناً فنياً دقيقاً يتوسطه الإله أوزوريس (رمز البعث والخلود)، يحيط به ثعبان على أنه رمز للحماية الكونية. وعلى جانبيه، تظهر الربتان إيزيس ونفتيس في وضعية الحماية المعتادة، مما يعكس استمرارية الطقوس الجنائزية المصرية، وتطورها الفني خلال تلك الحقبة، وفق بيان للمتحف، الاثنين.

وبالكشف عن نسيج جنائزي نادر مستخرج من مقبرة «باك إن رِنِف» بمنطقة سقارة، يضيف المتحف المصري بالتحرير صفحة جديدة إلى سجل عرض التراث المادي الدقيق لمصر القديمة، ويعيد تسليط الضوء على عناصر كثيراً ما ظلت في الهامش لصالح القطع الحجرية، والمعدنية. وفق حديث المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «النسيج الجنائزي ليس مجرد بقايا مادية، بل وثيقة ثقافية تحمل دلالات دينية، واجتماعية، وتقنية، تعكس مكانة المتوفى، وطقوس العبور إلى العالم الآخر، إضافة إلى مستوى التطور في صناعة النسيج، وأساليب الصباغة، والحياكة».

وعدّت أهمية هذا العرض أنها تكمن في ربطه بين سياق الاكتشاف الأثري في سقارة، ووظيفة المتحف باعتباره مؤسسة علمية، وتنويرية، تُبرز القطعة داخل إطارها الزمني، والطقسي، لا بوصفها أثراً معزولاً.

وقالت إن «إبراز هذا النسيج الجنائزي النادر يعكس توجهاً متقدماً في الخطاب المتحفي المصري، يقوم على قراءة شمولية للتراث، ويمنح الجمهور -المتخصص وغير المتخصص- فرصة لفهم أعمق للحياة اليومية، والمعتقدات الجنائزية في مصر القديمة، بعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل الحضارة في التماثيل، والعمارة فقط».

يضم المتحف آثاراً من عهد بناة الأهرامات (المتحف المصري)

​وتعكس هذه القطعة مهارة النساج المصري في دمج الرموز الدينية التقليدية مع المؤثرات الفنية للقرن الثاني الميلادي، مما يجعلها مرجعاً مهماً لدراسة تطور النسيج في مصر القديمة، وهي كتان ملون بتقنيات صباغة متقدمة من حفائر بعثة «إددا بريشياني» التابعة لجامعة بيزا الإيطالية في سقارة.

ويوضح المتخصص في المصريات، والفن المصري القديم، الدكتور عمر المعتز بالله، أن «اللغة الطقسية المصرية تعد كلاً من القيام (رس) والتحول إلى (آخ) فعلين ضروريين مرتبطين ببعضهما البعض، أي إن التلفظ بهما يُحدث تغييراً وجودياً معيناً للمتوفى. ومن ثم فإن البعث يفهم باعتباره ارتقاء من حالة الموت الساكن إلى حالة وجود ممكنة قادرة على الاستمرار، والفعل في العالم الآخر».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يشكل هذا المبدأ النصي الأساس اللاهوتي لتوسط صورة أوزيريس في المنسوجات الجنائزية، مثل القطعة القادمة من سقارة. فـأوزيريس لا يصور هنا باعتباره كياناً مقدساً لدى المصري القديم فحسب، بل بوصفه النموذج الكوني للحياة المستعادة الذي يتماهى معه المتوفى طقسياً».

ويعدّ المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، وفق وزارة السياحة والآثار المصرية، ويضم مجموعة من التماثيل، والقطع الأثرية لملوك عصر بناة الأهرامات، والمجموعة الجنائزية ليويا وتويا الملك جدي الملك أخناتون، وكنوز تانيس، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من مومياوات الحيوانات، وأيضاً ورق البردي، والتوابيت، والحلي من مختلف العصور.

وقال الخبير الآثاري، والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، إن «المتحف المصري بالتحرير يسعى في الفترة الحالية لتسليط الضوء على قطع أثرية فريدة، وتوابيت جنائزية يتم عرضها لأول مرة لزائريه لترسيخ مكانته في العرض المتحفي»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القطعة الأثرية الاستثنائية تحمل العديد من الرموز، والدلالات التي تؤكد عظمة الديانة المصرية القديمة، وتبرز مكانة الفكر الديني في الحضارة المصرية القديمة، والعقيدة التي كانت موجودة في تلك الفترة، ومدى حرص المصري القديم على حياته في العالم الآخر».

وخلال الأسبوع الماضي، قدم المتحف تجربة عرض استثنائية تحت عنوان: «الخبيئة: كنوز خفية»، تسلط الضوء على أسرار الدفن في مصر القديمة، عبر مجموعة مختارة من التوابيت المبهرة، من بينها 15 تابوتاً تعرض لأول مرة أمام الجمهور، من ثلاث خبيئات ملكية وكهنوتية تم اكتشافها في القرن التاسع عشر.


جناي بولس تتألق في «صندانس» بفيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»

انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)
انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)
TT

جناي بولس تتألق في «صندانس» بفيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»

انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)
انتقلت من مهنة الصحافة إلى عالم السينما (جناي بولس)

حققت المخرجة اللبنانية جناي بولس تقديراً في مهرجان «صندانس» السينمائي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، حيث نالت «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي، في إنجاز يعكس قيمة المضمون الأخلاقي والمعنوي لمهنة الصحافة.

تفرّغت جناي للعمل السينمائي بعد مسيرة طويلة في مجال الصحافة، واستندت في فيلمها إلى تجارب شخصية عاشتها مع حبيبها عبد القادر حبق، الذي أصبح لاحقاً زوجها.

وعقب فوزها، قالت جناي بولس في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة لي، تؤكد هذه الجائزة أهمية الصحافة، ليس فقط كمهنة، بل بوصفها عملاً أخلاقياً يقوم على الشهادة، وقول الحقيقة. فالصحافة الأكثر تأثيراً لا تنبع من الحياد البارد، بل من الانخراط، والتعاطف، والصدق».

وكانت بولس قد قدمت فيلمها إلى مهرجان «صندانس» السينمائي في الولايات المتحدة، وتقول عن ترشحه: «قدمت الفيلم في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، وبعد نحو شهرين تلقيت رسالة تفيد بإعجابهم بالعمل. الفيلم يشارك ضمن مسابقة (وورلد سينما) للأفلام الوثائقية، ويتنافس مع أعمال أخرى على جوائز المهرجان».

وشهد المهرجان هذا العام عرض 20 فيلماً وثائقياً طويلاً من إنتاج غير أميركي، تميزت بالابتكار، وارتكزت على مواهب دولية صاعدة. وأقيمت فعالياته بين 22 يناير (كانون الثاني) و1 فبراير (شباط) في مدينة بارك سيتي بولاية يوتا، ويهدف المهرجان إلى تسليط الضوء على سرديات جريئة، ومتنوعة. ويُعد «صندانس» مركزاً رئيساً للأفلام الوثائقية، حيث تُمنح الجوائز من لجان التحكيم، والجمهور في فئات متعددة.

تشير جناي بولس إلى أن فيلمها يتناول قصتها مع زوجها منذ التعارف. ففي تلك المرحلة كانت تعمل في غرفة الأخبار بمحطة «بي بي سي» في لندن، بينما كان عبد القادر حبق ناشطاً إعلامياً في سوريا خلال الحرب، والحصار. وقد نشأ بينهما تعاون إعلامي، إذ كان يزودها بآخر تطورات الحرب في بلده.

وتقول جناي: «تطورت علاقتنا مع الوقت، لا سيما أننا ننتمي إلى خلفيات متشابهة. فكلانا فُرضت عليه الهجرة بسبب الحرب، وتقاسمنا مشاعر الانسلاخ عن الأرض، والحنين إليها».

لاحقاً، انتقل حبق إلى تركيا، ومنها إلى لندن، حيث تعرَّفت إليه عن قرب. ويضيء الفيلم على قضايا الهجرة، والغربة، وعلى علاقة عاطفية تنشأ بين شخصين من دينين مختلفين. وتضيف جناي: «نقلت في الفيلم كل الصراعات الداخلية التي خضناها، كلٌّ من موقعه، وتجربته».

هذا الصراع الشخصي ألهمها لإنتاج أول أفلامها في السينما المستقلة، معتمدة على تقارير، وصور صحافية، إضافة إلى محادثات إلكترونية دارت بينها وبين زوجها، ليظهر العمل بمثابة قصة حب تشكّل خيطه المحوري.

تروي جناي في «عصافير الحرب» قصتها وزوجها (جناي بولس)

وتروي جناي أن إنجاز الفيلم استغرق نحو 3 سنوات، قائلة: «استعنّا بفريق عمل كبير ليقدّم رؤيته من خارج ثنائيتنا. فعندما يروي أحدنا قصة من حياته الواقعية، يحتاج إلى من يساهم في ضبط الوقائع كي لا يطغى عليها التشتت». وتضيف: «رويت في الفيلم ذكريات أحملها معي في غربتي عن بلدي. لبنان حاضر بقوة في العمل، كما ينقل أحداثاً حقيقية وقعت في سوريا».

وتؤكد جناي أن شعوراً بالذنب كان يرافقها بعد مغادرتها لبنان: «كانت المسافة التي تفصلني عن وطني تؤرقني، إذ كنت أتابع الأحداث من مكتب إخباري في لندن، مستندة إلى تقارير تصلني من دون أن أشارك فيها ميدانياً. من هنا وُلدت فكرة الفيلم، لأوثّق كل هذه المشاعر، وأترجمها».

وترى أن عرض الفيلم لأول مرة كان تجربة مؤثرة: «امتلأت الصالة بجمهور عربي، وأميركي، وعندما تفاعل الحضور بالتصفيق الحار في الختام، شعرت بتأثير العمل عليهم».

وترى جناي أن الفيلم يحمل رسالة إنسانية تدعو إلى التعاطف بين الناس: «علينا أن نفهم بعضنا بعضاً. في النهاية نحن جميعاً بشر، والسياسة وحدها قادرة على تفريقنا».

وعقب إعلان فوز الفيلم، نشرت جناي على حسابها في «إنستغرام» كلمات شكرت فيها زوجها على دعمه، قائلة: «قبل 3 سنوات تقريباً، أمسك هذا الرجل الشجاع بيدي وقلبي، بينما كنا نخطو خطوة إيمانية لنتبع ما نؤمن به، وننصت إلى أصواتنا الداخلية».

وتختم حديثها بالقول: «يشرفني أن يُحتفى بهذا العمل للسبب نفسه الذي صُنع من أجله، أي منح صوت للواقع المعيش. كما يذكّر الجمهور بأن خلف كل عنوان إخباري أشخاصاً حقيقيين، لهم آمالهم، ومخاوفهم، وروابطهم الإنسانية».


صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان

صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان
TT

صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان

صراع الصدارة يشتعل بين فنانين مصريين عشية موسم رمضان

انطلق صراع الصدارة حول الأعلى أجراً والأكثر مشاهدةً بين فنانين مصريين عشية موسم دراما رمضان الذي يشهد منافسةً كبيرةً بين أكثر من 30 عملاً درامياً ما بين إنتاجات «الشركة المتحدة» وبعض شركات الإنتاج الخاصة.

وكتب الفنان عمرو سعد الذي يخوض الموسم الرمضاني بمسلسل «إفراج»، على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»: «الطموح حلو»، وظهر في صورة ممسكاً بلوحة الكلاكيت التي تحمل عنوان مسلسله الجديد.

وانتقد سعد ادعاء زملاء له تربعهم على عرش المشاهدات والنجومية عبر مداخلة تلفزيونية مع الإعلامي عمرو أديب ببرنامجه الحكاية (الأحد) الذي يُعرض عبر قناة «إم بي سي مصر» في معرض سؤال لعمرو أديب عمن يكون الأعلى أجراً حالياً في الدراما، فرد عليه قائلاً إن «هذا سؤال لا يُسأل»، مضيفاً أنه بطبيعته خجول ولا يحب أن يشير لنجاج حققه، ومشدداً على أنه «لا يوجد محطة تلفزيونية ولا منصة ولا مُنتج في مصر إلا ويدرك أن مسلسل عمرو سعد هو الأعلى في القيمة التسويقية، والأغلى في الوطن العربي كله»، معبراً عن فخره كفنان مصري استطاع أن يحقق ذلك خلال 5 سنوات.

وقال خلال حديثه إنه «لا يصح أن نكذب على الجمهور وإلا نكون بذلك نغشهم في البضاعة التي نقدمها لهم»، لافتاً إلى «حدوث متغيرات مذهلة، وأن كثيراً من الناس يتلقون الشائعات على أنها حقائق، وهذه هي المشكلة»، مطالباً الناس بأن تزن بعقلها ما يقال.

أحمد العوضي على ملصق مسلسل «علي كلاي» (حسابه على فيسبوك)

ورأى متابعون عبر مواقع التواصل أن تعليق عمرو سعد جاء رداً على ما أثاره الفنان أحمد العوضي حول أنه الأعلى أجراً والأعلى مشاهدة، وطالب بعضهم، الفنانين، بوقف هذه التصريحات، وأن يتركوا للجمهور الحكم على أعمالهم عند عرضها، وكتب حساب باسم ياسر محمود: «يا خسارة على الفن المصري بعد رحيل نجومه الكبار واعتزال عادل إمام، عمرنا ما سمعنا ولا شفنا مثل هذه المهاترات».

كان أحمد العوضي ظهر مؤخراً في «لايف» عبر حسابه على «فيسبوك»، وقال إنه النجم الأعلى أجراً في مصر والأعلى مشاهدة ومبيعاً في مصر، مؤكداً أنه سيكمل مسيرة النجاح مع مسلسل «علي كلاي» ليكون الأعلى أيضاً في رمضان المقبل بفضل دعم جمهوره، ومشيراً إلى أن الفرق بينه وبين المركز الثاني كبير، ليدخل على الخط وائل شقيق الفنانة ياسمين عبد العزيز وقد نشر صورة تجمع ياسمين ومحمد رمضان قائلاً إن «الاثنين الأعلى أجراً وجماهيرية بالوطن العربي».

مسلسل محمد إمام (حسابه على فيسبوك)

وأثارت تصريحات العوضي جدلاً كبيراً، وعلق الفنان محمد إمام عبر حسابه على «إنستغرام» قائلاً: «(الزعيم) عادل إمام كان وما زال الأعلى أجراً في الوطن العربي ولم يستطع أحد أن يقترب منه».

وكانت قد أثيرت مناوشات بين أحمد العوضي وياسمين عبد العزيز العام الماضي حينما أعلن العوضي عن تصدر مسلسله «فهد البطل» قائمة الأعلى مشاهدة على منصة «وتش إت»، ونشرت ياسمين عن حصولها على جوائز أفضل ممثلة، وكتب المؤلف عمرو محمود ياسين أن مسلسل «وتقابل حبيب» حاز المركز الثالث على المنصة ذاتها لكنه كان يعرض على منصة «شاهد» أيضاً، ما يجعله يوازي المركز الأول في الأكثر مشاهدة.

مصدر الأرقام

وتتساءل الناقدة ماجدة خير الله عن مصدر الفنانين لتلك الأرقام، مؤكدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه لا يوجد مقياس يمكن الوثوق به، وأن ما يقولونه يعكس قلة الثقة بالنفس لأن من لديه ثقة في تكوينه كفنان لا يلجأ لأرقام ولا إعلان، قائلة إن «أحمد العوضي يقدم لوناً واحداً لم يخرج عنه منذ بدايته، كما أن تجربته في السينما لم تكن ناجحةً رغم عمله مع مخرج له اسم مثل خالد يوسف».

ياسمين عبد العزيز تتصدر بطولة «وننسى اللي كان» (حسابها على فيسبوك)

وتلفت خير الله إلى أن «محمد رمضان اعتبر نفسه قبل سنوات (نمبر وان)، فهل يستطيع أن يقول عن نفسه ذلك الآن في وقت لم يعد له وجود بالسينما أو الدراما التلفزيونية، وأصبح هناك من يقدمون نفس لونه». مشددةً على أنه «لا يوجد أحد يكون رقم 1 إلى الأبد، وأن من يعلن تفوقه يجب أن يكون لديه ما يوثق كلامه حتى يتمتع بالمصداقية أمام جمهوره».

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أنه لا يوجد بين من يدعون أنهم الأعلى أجراً من يجرؤ على إعلان أجره الحقيقي، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الأجر الذي يُحاسب عليه الفنان ضريبياً يكون مختلفاً عما يتقاضاه في الواقع، كما أنه لا يوجد ما يُثبت من هو صاحب الأجر الأعلى، عاداً هذا مجرد كلام مرسل وصراع زائف الهدف منه الدعاية لأعمالهم قبل شهر رمضان. وأشار سعد الدين إلى أن «محمد رمضان هو من أشعل هذا الأمر قبل 10 سنوات، وقال أنا الأعلى أجراً وهناك من يسير على نفس خطته في الدعاية لنفسه الآن».

منافسة كبيرة

ويشهد موسم رمضان 2026 منافسة كبيرة بين مسلسلات عدة، من بينها «رأس الأفعى» لأمير كرارة، و«كان يا ما كان» لماجد الكدواني، و«توابع» لريهام حجاج، و«مناعة» لهند صبري، و«حكاية نرجس» لريهام عبد الغفور، و«أولاد الراعي» لأحمد عيد، و«فخر الدلتا» لأحمد رمزي، و«درش» لمصطفى شعبان، و«اتنين غيرنا» لدينا الشربيني، و«النص التاني» لأحمد أمين، و«فرصة أخيرة» لطارق لطفي، و«اللون الأزرق» لجومانا مراد، و«على قد الحب» لنيللي كريم، و«عرض وطلب» لسلمى أبو ضيف، و«فن الحرب» ليوسف الشريف، و«علي كلاي» لأحمد العوضي، و«بيبو» لأحمد بحر (كزبرة)، و«أب ولكن» لمحمد فراج، و«حد أقصى» لروجينا، و«كلهم بيحبوا مودي» لياسر جلال، و«عين سحرية» لعصام عمر، و«صحاب الأرض» لمنة شلبي.