أزمة لبنان مفتوحة على المواجهة الحتمية

استقالة الحريري أسقطت «التسوية» ووضعت سلاح «حزب الله» على الطاولتين المحلية والدولية

أزمة لبنان مفتوحة على المواجهة الحتمية
TT

أزمة لبنان مفتوحة على المواجهة الحتمية

أزمة لبنان مفتوحة على المواجهة الحتمية

لا تشبه الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم، الناتجة عن استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، أي أزمة في تاريخه. لقد كان خطاب الاستقالة واضحاً في الأسباب التي دفعت إلى اتخاذ هذا القرار، رغم كل محاولات التأويل والتحليل التي تحيط بها. فـ«حزب الله»، ومن خلفه إيران، هما السبب المباشر في وصول الأمور إلى هذه المرحلة، بعد عام على «التسوية» التي أوصلت ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، وسعد الحريري إلى رئاسة الحكومة... ولكن يبقى السؤال مطروحاً، بانتظار إجابات شافية عن مدى تجاوب هذا المحور أو عدمه مع متطلبات الموقف بعد تكريس الاستقالة، وما قد يترتّب على أي قرار بهذا الشأن.
في ظل محاولة «حزب الله» وحلفائه في لبنان وخارجه تجاوز الأسباب الرئيسية التي أدت إلى استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، يرى خصوم الحزب أن الأمور وصلت إلى «نقطة اللاعودة». ومن ثم، بات نزع سلاحه هو المطلب الأساسي في هذه المرحلة، نتيجة قرار دولي في موازاة بدء الحديث عن «سيناريوهات» عدة للخروج من الأزمة، أبرزها تشكيل حكومة حيادية من المرجح أن يرفضها الحزب، والذهاب إلى حكومة لا تمثيل لحزب الله فيها، أو حكومة يرفض تيار «المستقبل» المشاركة. ومع الحالتين الأخيرتين - أي تغييب «حزب الله» أو عزوف «المستقبل» - سيجد لبنان نفسه أمام أزمة مضاعفة قد تصل إلى المواجهة المفتوحة. وفي المقابل، يتمسك فريق لبناني آخر بالحكومة السياسية، معتبراً أنه لا يمكن عزل أي فريق، وهو الأمر الذي يستحيل تحقيقه، أو قبول «حزب الله» به في ظل الوضع القائم.

الرد بتغييب الأسباب
في رد أمين عام «حزب الله»، حسن نصر الله، على استقالة الحريري، حاول نصر الله - وكذلك عبّر مسؤولون في حزبه - عدم التوقف عند الأسباب التي أوردها رئيس الحكومة في خطاب استقالته، والتركيز على الشكل، رامياً كرة إيجاد الحل في ملعب رئيس الجمهورية ميشال عون، ومحملاً المملكة العربية السعودية المسؤولية، بل إن نصر الله اعتبر أن الحكومة «حققت إنجازات... وكانت قد أنجزت المزيد، لو استمرت في عملها»، مع ادعاء «حرص الحزب على الاستقرار في لبنان»، ودعا إلى «عدم القلق، وإلى الحفاظ على الأمن والسلم الأهلي في منطقة متفجرة تعاني الأزمات السياسية»، حسب تعبيره.
هذا الكلام وصفه النائب في «تيار المستقبل»، الوزير السابق أحمد فتفت، بأنه «إعلان حرب» و«دس للسم في العسل»، في حين نعى رئيس كتلة «المستقبل» النيابية رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة «التسوية»، التي اعتبر أن الحزب والتيار الوطني الحر (التيار العوني) تعاملا معها وكأنها ضعف أو استضعاف، لتحقيق المزيد من المكاسب على حساب الوطن. وفي حين قال السنيورة إن «قرار الاستقالة جاء بعد شهور من محاولات الحريري تجنيب لبنان الانسياق إلى مشكلات، نتيجة تدخل (حزب الله) الذي يتصرف وفقاً لتعليمات إيرانية بشؤون الدول العربية»، أكد أن «الحل يكون بالعودة إلى اتفاق الطائف والدستور، وإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية التي يجب أن تكون صاحبة السلطة».
من جهته، كان ثامر السبهان، وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، واضحاً في إعلانه أن السعودية «سوف تُعامَل الحكومة اللبنانية كأنها حكومة إعلان حرب على المملكة»، محملاً في الوقت عينه حكومة الحريري مسؤولية الفشل في التحرك ضد «حزب الله» خلال عام لها في السلطة، وقال: «هناك من سوف يردعه (أي حزب الله)، ويجعله يعود إلى كهوفه الموجود فيها في جنوب لبنان»، داعياً اللبنانيين جميعاً لأن «يعوا هذه المخاطر، وأن يعملوا على تدارك الأمور قبل أن تصل إلى نقطة لا رجعة فيها».
وبدوره ألقى عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، باللوم على «حزب الله» في استقالة الحريري «الذي وصل إلى مرحلة قال فيها: كفى، ونحن ندعمه بالكامل في هذا القرار»، وتابع: «كان من الواضح أن (حزب الله) يقوّضه على كل منحنى، ويؤدّي المراهنات الإيرانية».

موقف عون
هذا، ورغم تسليم معظم القوى السياسية في لبنان بسقوط التسوية الأخيرة، تعتبر مصادر رئاسة الجمهورية أنه من المبكر الحديث عن هذا الأمر، علماً بأن مصادر سعودية كانت قد أشارت لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحريري كان قد طلب مباركة انتخاب ميشال عون رئيساً مقابل تفاهمات بين المكونات السياسية، بينها أن «حزب الله» لن يكون له وجود في سوريا أو أعمال عدائية في الخليج واليمن، وسيعمل عون والحريري على ذلك. وهكذا، تم اختيار عون والحريري. ولكن بعد ذلك، تدريجياً، «حدث العكس، وأصبح هناك انجراف وتسليم كامل لإيران». ولفتت المصادر السعودية إلى أنه «تم الحديث عن مهلة سنة لتصحيح الوضع»، لكن على العكس من ذلك «في هذه السنة، ابتعد لبنان عن سياسة النأي بالنفس، ثم زار وزراء سوريا، وجرى تطبيع مع النظام، ومشاركة (حزب الله) في إحداث قلاقل أمنية في الكويت، وإطلاق صواريخ باليستية من اليمن بأيادٍ لبنانية».
ثم أشارت إلى أن الحريري «أبلغ الرياض قبل بضعة أشهر بأن أجهزة اتصال حرسه الخاص انقطع عنها الإرسال أثناء مرورها بأماكن متفرقة مرتين». وجدير بالذكر أنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، كُلف الحريري برئاسة الحكومة، بموجب تسوية سياسية أتت بحليف «حزب الله» الأبرز ميشال عون إلى سدة رئاسة الجمهورية، بعد عامين ونصف العام من الفراغ الرئاسي.

سلاح الحزب
الحريري قال في خطاب الاستقالة إن إيران «تطاولت على سلطة الدولة، وأنشأت دولة داخل الدولة (...) وأصبح لها الكلمة العليا»، وأشار إلى فرض «حزب الله»، المشارك في الحكومة، الأمر الواقع «بقوة سلاحه»، بينما ردت وزارة الخارجية الإيرانية باعتبارها الاستقالة بمثابة «سيناريو جديد لإثارة التوتر في لبنان والمنطقة». ومعلومٌ أن «حزب الله» يتلقى دعماً سياسياً وعسكرياً كبيراً من إيران، والجانبان يساندان النظام السوري في الحرب في سوريا. وكان الحريري قد رفض على الدوام مشاركة الحزب عسكرياً في النزاع في سوريا.
وأمام كل المستجدات الحاصلة، يجمع كل من شارل جبور مسؤول الإعلام والتواصل في حزب «القوات اللبنانية»، والدكتور سامي نادر مدير «معهد المشرق للشؤون الاستراتيجية» في العاصمة اللبنانية بيروت، على أن قضية «حزب الله» وسلاحه باتت هي المحوَر والمشكلة الأساسية التي تقف أمام أي حل للأزمة في لبنان، في وقت يربط فيه نائب رئيس الحكومة السابق إيلي الفرزلي، المؤيد لـ«حزب الله»، قضية سلاحه بقضية إسرائيل، داعياً المجتمع الدولي إلى «إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، قبل المطالبة بنزع سلاح (حزب الله)».
وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، قال الفرزلي إن «إعادة وضع الأمور في نصابها يحتاج إلى الواقعية»، متسائلاً: «كيف يمكن المطالبة بضرب الحزب الذي لم تستطع إسرائيل مواجهته، أو الطلب من اللبنانيين الذهاب إلى اقتتال داخلي لا يمكن معرفة نهايته، في حين لا يعمل المجتمع الدولي على إسقاط مبررات هذا السلاح المتمثل بالاحتلال الإسرائيلي؟».
وتابع الفرزلي: «كذلك سلاح (حزب الله) ليس وليد اليوم... بل هو من عشرات السنين، والمطلوب اليوم بدل التصويب عليه إعادة تقوية منطق الدولة، وفقاً للدستور واتفاق الطائف، ما سيخلق أجواء مطمئنة تخفف منطق السلاح. وبالتالي، بعد تحقيق هذين المطلبين، يمكن عندها البحث في سلاح الحزب».
ودعا من ثم - حسب تعبيره - إلى «إنقاذ اتفاق الطائف، عبر إعادة تكليف الحريري لرئاسة حكومة تنجز الانتخابات النيابية المفترضة في مايو (أيار) المقبل، والبحث على نار هادئة للوصول إلى تسوية تجنب ذهاب البلاد إلى المجهول»، واستطرد: «كان يفترض أن تقرأ علاقة عون - الحريري السياسية على أنها سدّ منيع أمام نتائج الصراعات الإقليمية على لبنان، وأتمنى أن يتم إنقاذ الوضع قبل فوات الأوان».

قضية تمثيل السنة
ومع تريث رئيس الجمهورية ميشال عون في الدعوة إلى استشارات نيابية لتسمية رئيس للحكومة، بات لدى الجميع قناعة بأن هناك صعوبة في إيجاد الشخصية السنية التي قد تبدي استعدادها لتولي هذه المهمة بعد الحريري. ولقد أعلن رئيس تيار «المردة»، سليمان فرنجية، صراحةً رفضه أي رئيس حكومة «يتحدى المكون السني»، في حين رأى رئيس اللقاء الديمقراطي، النائب وليد جنبلاط، أن «أفضل تسوية لاستقرار لبنان هي حكومة الوحدة الوطنية الحالية»، وهو ما يتوافق مع توجه رئيس الجمهورية، التي أكدت مصادره رداً على إمكانية تغيير سياسة رئاسة الجمهورية تجاه «حزب الله»، أو التوجه إلى تشكيل حكومة لا يتمثل فيها الحزب، بالقول: «هذه الأمور من المبكر التطرق إليها اليوم، وهاجس الرئيس عون الأول والأخير هو المحافظة على الوحدة الوطنية، وهذا الأمر لا يتحقق بعزل فريق أو آخر».

«الحكومة الحيادية»
في المقابل، يعتبر جبور أن هناك استحالة لتشكيل حكومة، أياً كان شكلها في هذا الوضع، في حين يرى نادر أن الحل قد يكون بـ«حكومة حيادية» تكون مهمتها إنجاز الانتخابات، مضيفاً: «أما إذا أصر الحزب الذي خسر غطاء أساسياً له على المشاركة في الحكومة... فعندها يكون الذهاب إلى المواجهة السياسية المفتوحة على كل الاحتمالات».
وقال جبور لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «الاستحالة تكمن في عدم إمكانية المساكنة مع الحزب مجدداً في أي حكومة، بعدما بات هذا الأمر خطاً أحمر، إقليمياً ودولياً، كما أنه لن يقبل بإنتاج حكومة من دونه أو تشكيل (حكومة حيادية)، لاعتباره أن هذا الأمر سيخرجه من الحكم، وهو قد يواجه ذلك بأساليب عدة، منها السلاح الذي يمتلكه. من هنا، يبدو أن لبنان متجه إلى أزمة مفتوحة يتطلب تخطيها حلولاً غير كلاسيكية، أو على غرار (اتفاق الدوحة) الأخير، بل قيام دولة قوية ممسكة بقرارها الاستراتيجي، من دون أن ينفي أن المعطيات والنتائج التي أسفرت عن حراك رئيس الجمهورية لا تعكس أي انفراج في الأفق».
ويرى جبور أن المشكلة الأساسية لدى «حزب الله» وحلفائه «تكمن في حصر الاستقالة في الشق التقني المتعلق بتشكيل الحكومة أو غيرها من الأمور، بعيداً عن جوهرها المرتبط بشكل أساسي بسلاح (حزب الله)، الذي لا يبدو أنه في وارد تسليم سلاحه»، وأردف: «الخيارات لخروج لبنان من هذه الأزمة محدودة، في ظل رفض (حزب الله) تسليم سلاحه، وضربه عرض الحائط بكل مساعي التسوية. ولا يبدو أنه اليوم في وارد تغيير موقفه، ومن خلفه إيران... ما يضع لبنان أمام أزمة مفتوحة، خصوصاً بعدما تجاوزت قضية الشأن الداخلي نتيجة تورطه بصراعات عربية».
وفي حين يقول شارل جبور «لا بد من التذكير بأن اغتيال الوزير السابق محمد شطح في ديسمبر (كانون الأول) عام 2013، كان بسبب مطالبته بأن يكون اختبار نجاح الاتفاق النووي الإيراني تسليم سلاح (حزب الله)»، يشير إلى أن الأنظار اليوم «تتجه إلى إيران، وكيفية تعاطيها مع هذه المستجدات بعد وضعها، كما سلاح (حزب الله)، على الطاولة الدولية والإقليمية». وهنا، نشير إلى أن الدكتور هلال خشان، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت قد أبلغ وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب): «الحكومة حُلت، وبالتالي (حزب الله) لم يعد ممثلاً فيها، ما يعني أن أي تدخل ضد (حزب الله) لن يكون ضربة ضد الدولة». كذلك نذكر أن الوزير السبهان كان قد دعا الشهر الماضي إلى تشكيل «تحالف دولي» ضد «حزب الله» الذي تصنفه الرياض «إرهابياً»، وعدم الاكتفاء بالعقوبات التي تفرضها واشنطن عليه.
أما الدكتور سامي نادر، فيعتقد أن الوضع المستجد «يتطلب أكثر من تسوية»، موضحاً: «المطلوب اليوم ملاقاة الحريري على الطريق نفسها، بعدما أعلن أن الفريق الآخر خرج عن التسوية، وزجّ بلبنان في المحور الإيراني، فارضاً التطبيع مع النظام السوري كأمر واقع. وهو يفاوض تنظيم داعش على حساب الدولة، ليعود بعدها مستشار الرئيس الإيراني علي أكبر ولايتي ويعلن من مقر الحريري انتصار محور المقاومة، وصراحة سقوط التسوية التي شارك فيها (حزب الله) المصنف إرهابياً في الحكومة مُمسكاً بورقتها وبقراراتها».
من هنا، يرى نادر أن الأزمة اللبنانية، بعد سقوط هذه التسوية، باتت مفتوحة على كل الاحتمالات، سياسياً واقتصادياً، من دون أن يستبعد في الوقت عينه قيام الحزب بخطوات تصعيدية أكبر، على غرار أحداث «السابع من أيار» (اجتياح ميليشيا (حزب الله) بيروت، ومحاولتها اقتحام الجبل عام 2008)، أو تشكيل حكومة من لون واحد، بخلاف الدستور والمنطق، ما سيضع لبنان الرسمي أمام عزلة تامة.

أزمات سياسية متلاحقة
ما يذكر أن لبنان شهد منذ عام 2005 أزمات سياسية حادة متلاحقة، خصوصاً بسبب الانقسام بين فريقي الحريري و«حزب الله». وغالباً ما تفجر الاحتقان على هيئة توترات أمنية عبر اغتيالات تارة، وعبر مواجهات مسلحة تارة أخرى.
وأمام التخبط الذي يعيشه لبنان ومسؤولوه، يرى البعض في استقالة سعد الحريري فرصة لإعادة نبض الشارع المعارض لـ«حزب الله» وسلاحه في لبنان، وتحديداً استنهاض «ثورة الأرز» و«فريق 14 آذار»، الذي تشكل نتيجة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري يوم 14 فبراير (شباط) 2005. وهذا ما كان قد أعلنه صراحة الدكتور وليد فارس، المستشار السابق - اللبناني الأصل - للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو ما يتوافق معه منسق الأمانة العامة لـ«قوى 14 آذار»، الدكتور فارس سُعَيد، بينما أعلنت الخارجية الأميركية أنها تدعم حكومة لبنان، لكنها تعتبر «حزب الله» منظمة إرهابية.
ومن جهته، جدد الاتحاد الأوروبي مساندته لاستقرار لبنان ووحدته بعد الأزمة التي فجرتها استقالة الحريري، ودعا سفراء الاتحاد الأوروبي، في بيان، كل الأطراف إلى مواصلة الحوار البناء، والعمل على تعزيز المؤسسات اللبنانية، والإعداد للانتخابات البرلمانية في بداية 2018، التزاماً بالدستور.
الدكتور سعيد قال لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «لا بد، بدايةً، من التسليم بأن التسوية التي أعاقت تكوين المعارضة اللبنانية سقطت باستقالة الحريري»، وشدّد على أن ما حصل «لا يعني فقط الطائفة السنية، بل كل الشعب على اختلاف طوائفه». وفي حين لا ينفي سعيد أن أحزاب «قوى 14 آذار» التي تشكّلت عام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري أصبحت من الماضي، فهو يؤكد على «ضرورة إعادة تكوين إرادة وطنية، ورفع الصوت بوجه الوصاية الإيرانية عن لبنان، وهو الأمر الذي بدأت تعمل عليه (المبادرة الوطنية)، التي تجمع إلى جانبه شخصيات معارضة للحزب وإيران، وسيتم إطلاقها قريباً بشكل رسمي».

هل المعارضة جاهزة
وعن قدرة المعارضة في لبنان على ملاقاة خطاب الحريري، ومواجهة سلاح «حزب الله»، قال سعيد: «في عام 2005، حين أخرج النظام السوري من لبنان كانت الجهوزية الوطنية أكبر من الجهوزية العربية والدولية، لكن الوضع اليوم معاكساً، ما يتطلب تكوين إرادة وطنية تلاقي حركة النهوض هذه». ومن ثم، يلفت إلى أن «المبادرة ستعمل بعد إطلاقها على التواصل مع كل المكونات اللبنانية التي تتلاقى معها في توجّهها آملاً في ملاقاة المرحلة الجديدة في لبنان والمنطقة».
أما وليد فارس، فكان قد ذكر في حديث تلفزيوني أنه «على المعارضة اللبنانية القيام بدورها، وألا تنتظر المجتمع الدولي»، ولمح في حديثه إلى «ضرورة تحرك سياسي للمعارضة في لبنان لملاقاة خطاب الحريري عبر وضع شروط على رئيس الجمهورية»، قبل أن يستطرد: «الكرة اليوم في ملعب المعارضة، التي يتماشى معها المجتمع الدولي، وتدعمها أميركا إذا تحركت، بعدما كانت قبل ذلك تخرج ضد تدخل إيران وسلاح الحزب، وتعود بعدها لتجلس مع الأخير على طاولة الحكومة». وفي حين استبعد فارس حرباً إسرائيلية أو أي عمل عسكري أميركي ضد لبنان، فإنه حمّل مسؤولية الفشل في مواجهة سلاح الحزب إلى قيادة المعارضة السياسية اللبنانية، مذكراً في الوقت عينه بما استطاع تحرك «ثورة الأرز» عام 2005 تحقيقه لجهة إخراج النظام والجيش السوري من لبنان.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.