أوهورو كينياتا... رئيس كينيا «الرقمي»

فاز بالرئاسة في انتخابات متنازع على صدقيتها

أوهورو كينياتا... رئيس كينيا «الرقمي»
TT

أوهورو كينياتا... رئيس كينيا «الرقمي»

أوهورو كينياتا... رئيس كينيا «الرقمي»

وصف بعض المراقبين في كينيا الجيل الأكبر سناً من السياسيين، وعلى رأسهم رايلا أودينغا (72 سنة) بأنهم قادمون من المرحلة التناظرية (ANALOGUE) إلى المرحلة الرقمية (DIGITAL)، ما قد يخلق لهم «صعوبات جمة» في التعامل مع الأجيال الشابة الجديدة. وبالتالي، أطلقت الصحافة على منافسه أوهورو كينياتا الذي فاز أخيراً - كما كان متوقعاً بعد انسحاب أقوى منافسيه وتشكيكهم بنزاهة الانتخابات - لقب «الرئيس الرقمي» (DIGITAL PRESIDENT).
يتمتع الرئيس الكيني المنتخب أوهورو كينياتا، بصفات تلقى قبولاً بين الناس، والشباب على وجه الخصوص، فهو «رجل حلو الحديث، وودود، يختار كلماته بعناية، ومتواضع، وماكر في الوقت ذاته». يقول مؤيدوه إن شعبيته نتجت عن كونه «كسر سياج الغموض» الذي ينسجه الرؤساء حولهم عادة.
في الحقيقة، يتحدر الرئيس الكيني من عائلة سياسية عريقة وثرية، فوالده جومو كينياتا هو أحد رموز حركة التحرر الأفريقية، وأول رئيس لكينيا بعد استقلالها عن الاستعمار البريطاني عام 1963. ولقد ولد أوهورو - وتعني هذه الكلمة «الحرية» باللغة السواحلية - يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1961 في العاصمة الكينية نيروبي، وتلقى تعليمه الأولي في أفضل مدارس بلاده. ثم درس العلوم السياسية وتخرّج في كلية أمهرست، بولاية ماساتشوتس الأميركية، وهي من أعرق جامعات أميركا وأرقاها.

البدايات العملية
قبل توجه أوهورو كينياتا إلى الولايات المتحدة للدراسة عمل موظفاً في أحد البنوك. وبعد عودته أسس شركة «ويلهام» للمنتجات الزراعية، ثم تولى رئاسة هيئة السياحة في 1999. بعد ذلك اقتحم حلبة السياسة عندما انتخب نائباً للبرلمان 2001، ثم عيّن وزيراً للشؤون المحلية، ثم وزيراً للاقتصاد ونائباً لرئيس الوزراء في الفترة من 2008 إلى 2013. ثم ترأس حزب «كانو» (اتحاد كينيا الوطني الأفريقي)، وتزعم «تحالف اليوبيل» (جوبيلي).
وفي ضوء ما تقدّم يتضح أن أوهورو ولج عالم السياسة متأخراً نسبياً، وذلك على الرغم من أن أبيه كان أول رئيس لكينيا. وكان الرئيس دانيال أراب - موي، نائب كينياتا الأب وخلفه، هو من فتح بوابات العمل السياسي لكينياتا الابن. وسرعان ما تولى أوهورو إدارة رئاسة فرع «كانو» في مسقط رأس أبيه 1997، ثم أصبح واحداً من 4 نواب لرئيسه.
بعد ذلك، حظي أوهورو بدعم الرئيس موي ترشّحه للانتخابات الرئاسية 2002، إلا أنه خسر أمام مواي كيباكي، الذي غدا ثالث رؤساء كينيا، وهو مثل أسرة كينياتا ينتمي إلى الكيكويو أكبر المكوّنات القبلية في البلاد. وفي عام 2005 انتخب أوهورو رئيساً لحزب «كانو»، قبل الإطاحة به من رئاسة الحزب، بيد أن المحكمة العليا أبطلت قرار إطاحته إثر احتجاجات ضخمة من مؤيديه.
ومجدداً ترشح أوهورو لانتخابات 2007، لكنه سحب ترشيحه لصالح الرئيس كيباكي ضد منافسه رايلا أودينغا، وكوفئ من ثم بتعيينه نائباً لرئيس الوزراء وولّي وزارة المالية في «حكومة الوساطة الدولية»، وذلك في أعقاب منح كيباكي رئاسة الجمهورية ومنافسه أودينغا (من قبيلة اللوو) رئاسة الوزارة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الصراع بين كينياتا وأودينغا انتقل إلى الجيل الثاني، ذلك أن أوغينغا أودينغا - والد رايلا - كان في مرحلة ما بعد الاستقلال نائباً لرئيس الجمهورية جومو كينياتا - والد أوهورو - قبل أن يدب بينهما الخلاف السياسي ويتعمّق بشدة، ثم ينتقل إلى ولديهما.

المتهم... ثم الرئيس
اتهم أوهورو كينياتا، لاحقاً، من قبل المحكمة الجنائية الدولية بالتورط في تأجيج أعمال عنف، ومعه عدد من المسؤولين بينهم نائبه ويليام روتو، وذلك بعد اندلاع أحداث عنف دامية ذات طابع قبلي لازمت انتخابات عام 2007، إلا أن المحكمة برأته، بعد مثوله أمامها في 2014، وهو في سدة الرئاسة. ذلك أنه انتخب رئيساً في انتخابات 2013 ليغدو رابع رئيس كيني منذ الاستقلال. ويوم 8 أغسطس (آب) 2017، ترشح لإعادة انتخابه عن «تحالف اليوبيل». لكن إعلان النتائج الأولية الذي أظهر تقدمه على منافسه اللدود ورئيس الوزراء السابق رايلا أودينغا، تسبب في إثارة أعمال شغب، لا سيما في ضوء اتهامات من المعارضة بتزوير النتائج والتلاعب بنتائجها.
وبالفعل، ألغت المحكمة العليا الكينية مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي نتيجة الانتخابات الرئاسية تلك، وقال رئيسها ديفيد مارانغا صراحة: «إعلان فوز كينياتا باطل ولاغٍ»، ما يعني إعادتها في غضون 60 يوماً.
وبرّرت المحكمة قرارها، الذي يُعدّ سابقة أفريقية، بإلقاء اللوم على لجنة تنظيم الانتخابات، مقابل تبرئتها المتنافسين. إذ وصفت العملية الانتخابية بأنها كانت «غير شفافة ونتائجها غير قابلة للتثبت منها»، لكن كينياتا أعلن امتثاله لحكم القضاء.
ويوم 30 أكتوبر 2017، أعلنت لجنة الانتخابات الكينية فوز أوهورو كينياتا في الانتخابات التي أعيدت في 26 سبتمبر، بنسبة 98.2 من أصوات الناخبين. ولكن تقارير صحافية نقلت عن رئيس اللجنة وافولا تشيبوكاتي، قوله إن نسبة الإقبال على الاقتراع كانت في حدود 38.8 في المائة فقط من 19.6 مليون شخص يحق لهم التصويت، وهي نسبة تقل كثيراً عن نسبة الاقتراع الملغي البالغة 79 في المائة. ولقد حصل كينياتا على 7.4 مليون صوت، مقابل 73 ألف صوت فقط لمنافسه المنسحب رسمياً أودينغا، ما عُدّ مؤشراً قوياً على نجاح المقاطعة التي دعت لها المعارضة بزعامة أودينغا.
في أي حال، قال أوهورو كينياتا في كلمة لأنصاره، نشرت على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، عقب إعلان فوزه بالرئاسة للمرة الثانية: «المحكمة لم تحقق في أرقام الفوز... وهي لم تشكك بانتصاري، إنها مفارقة سياسية». ثم أضاف: «كان الخيار بالنسبة لي هو مقاومة هذه المفارقة، أو الإصرار على انتصاري الصحيح، أو أن أستأنف الحكم. كان هذا هو القرار الأكثر صعوبة والألم الذي يمكن أن يقدمه السياسي». وأوضح الرئيس المنتخب، بالتالي، أنه بعد تفكير وتأمل انتبه إلى أن القانون «أكبر منه»، وأنه التعبير المباشر عن الإرادة العامة للشعب، وأضاف: «لهذا قدمت نفسي إلى الإرادة العامة للجميع كما عبّر عنها دستورنا للمرة الثانية».

العنف «الإثني» المتجدّد
ما يستحق الإشارة، أنه شابت الانتخابات الماضية أيضاً، بدورتيها، أعمال شغب وعنف، وقتل خلالها 12 شخصاً على الأقل عقب الإعلان الأول عن فوز كينياتا، لكن الشرطة ذكرت أن معظم القتلى لقوا حتفهم برصاصها أثناء عمليات لمكافحة النهب. وللعلم، كان رايلا أودينغا، زعيم المعارضة، قد دعا مؤيديه في الجولة الانتخابية المعادة لإعلان العصيان المدني رداً على رفض المحكمة العليا تأجيل الانتخابات وفقاً لطلبه. فاندلعت اشتباكات نتج عنها إصابة مواطنين برصاص الشرطة في محيط مدينة كيسومو، في أقصى غرب البلاد.
ووفقاً لدراسة للباحثة كوثر مبارك بعنوان «تأثير الإثنية على العنف الانتخابي في كينيا، دراسة حالة الانتخابات الرئاسية 2007 - 2013»، ترجع جذور «العنف الانتخابي» في كينيا إلى أول انتخابات رئاسية شهدتها البلاد قبيل الاستقلال عام 1964. ووفقاً للباحثة مبارك، فإن التاريخ الانتخابي الكيني ظل يشهد عنفاً انتخابياً سابقاً ولاحقاً للانتخابات، لكنه ظل في حدود السيطرة حتى انتخابات 2007. هذا المفصل حمل لكينيا موجة عنف لاحقة كبيرة قتل خلالها أكثر من 1000 شخص وتشرد بسببها 600 ألف شخص، وجعل منها علامة فارقة في سيرة العنف السياسي بالبلاد.
تشرح مبارك أن أول انتخابات برلمانية في كينيا أجريت عام 1963. وفيها نال «كانو» الغالبية بزعامة كينياتا الأب، ومنذ ذلك الوقت ظل «كانو» يستأثر بالسلطة دون منافس تقريباً حتى عام 1991، حين ألغي نظام الحزب الواحد. وفي عام 2002 فاز بالانتخابات الرئاسية بغالبية ساحقة مواي كيباكي ممثلاً لما عُرف بأحزاب ائتلاف «قوس قزح». وهكذا انتقلت له السلطة سلمياً، لكن لم يدم الأمر طويلاً إذ شهدت البلاد أعمال عنف في انتخابات 2007.
لقد خاض انتخابات 2007 نحو 87 حزباً، لكن التنافس الجدي انحصر بين تحالف «الوحدة الوطنية» (يضم 7 أحزاب) بزعامة الرئيس المنتهية ولايته كيباكي، بينما تزعم أودينغا تحالف «الحركة الديمقراطية البرتقالية». ومن ثم، تفجر النزاع القبلي الشديد بين «الكيكويو» بزعامة كيباكي، و«اللوو» بزعامة أودينغا الذي أفلح من جانبه، في بناء تحالف مع زعماء غرب البلاد وقبائل الكالينجين (ينتمي إليهم الرئيس الأسبق دانيال أراب - موي) والزعماء المسلمين على الساحل، وكبرى مدنه مُمباسا.
وأسهم الخطاب السياسي العنيف، في رفع وتيرة الاحتقان السياسي والاجتماعي، ومكّن نجاح أودينغا - المحسوب على يسار الوسط - في عقد تحالفات انتخابية من تعبئة الجماهير لصالحه، فحقق تقدماً لافتاً في الانتخابات. وتقول التقارير إن النتائج الأولية كانت لصالح أودينغا بفارق يزيد على المليون شخص. بيد أن النتائج النهائية للانتخابات جاءت عكس التوقعات، ما أدى لتأخر إعلان النتيجة النهائية، وسرعان ما سرت موجة من الإشاعات والتوتر في البلاد. ومع بداية الحملات الانتخابية قتل 3 من مؤيدي «الحركة الديمقراطية البرتقالية»، واندلعت أعمال عنف وشغب أدت إلى وقوع أعداد كبيرة من الضحايا، وتشريد أسر كثيرة.
انتخابات 2007 التي شهدت أعمال عنف استثنائية، جرت في أجواء مشحونة بالعداء والصراع القبلي بسبب سيطرة الكيكويو على الحكم والسلطة، ما أدى إلى انقسام حاد في المجتمع ومؤسسات الدولة والإعلام، انقسمت معه البلاد إلى فريقين تعزّزهما النوازع القبلية الإثنية؛ الأول حكومي، والثاني في المعارضة. إذ حين أعلن فوز كيباكي اعترض أودينغا، ولا سيما أن النتيجة النهائية خالفت التوقعات والنتائج الأولية، وفوراً اندلعت أعمال عنف قبلي وإثني ضد الكيكويو. وتصاعدت أعمال الشغب والقتل والقمع من قبل قوات الأمن، ما أدى إلى مقتل أكثر من 1200، ونزوح أكثر من 300 ألف شخص من مناطقهم.
وانعكس الصراع صراعاً سياسياً بين ائتلاف الحزب الرئاسي (حزب الوحدة الوطني) وائتلاف المعارضة «الحركة الديمقراطية البرتقالية». وفي نهاية المطاف، أفلحت تدخلات دولية وإقليمية ومن الأمم المتحدة على عهد أمينها العام كوفي عنان، في مساعدة الأفرقاء على الوصول إلى «إطار مشترك» وإيجاد حل سلمي للعنف، فيما عُرف بـ«الحوار الوطني والمصالحة» نتجت عنه صيغة تقاسم السلطة.

إصلاحات وتعديلات دستورية
عام 2010، قبل خامس انتخابات تعددية كينية 2013، أجريت بعض الإصلاحات والتعديلات الدستورية، ما أسهم في ارتفاع الإقبال على الاقتراع في تلك الانتخابات تنافس 8 مرشحين، يقف خلف كل واحد منهم «ائتلاف حزبي» بخلفيات قبلية واقتصادية تسعى لتأمين مصالحها. وانتهت انتخابات 2013 من دون عنف يذكر، واستطاع أوهورو كينياتا السيطرة على مقاليد الأمور في البلاد، على الرغم من المعارضة الدولية التي وجدها، باعتباره مطلوباً من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
المحللون يرون أن مثول كينياتا أمام محكمة الجنايات الدولية وهو على سدة الحكم، وقبوله بإعادة الانتخابات واحترامه لقرار المحكمة العليا في بلاده، يتضمن رسائل كثيرة للقادة الأفارقة. إذ رأى الكاتب والصحافي السوداني فيصل الباقر، في مقال نشر قبل إعلان النتيجة، أن قرار القضاء الكيني إلغاء نتيجة الانتخابات وإعادتها مرة أخرى، يعد «فتحاً جديداً في تاريخ القارّة الأفريقية»، بل «الأول من نوعه أفريقياً، والثالث عالمياً». وأوضح أن قرار القضاء الكيني التاريخي انتقل ببلدان القارة إلى «عصر جديد، في علاقة السلطات الثلاث» بين «التنظير» الذي يقر نظرياً «مبدأ فصل السلطات» و«الممارسة». ورأى الباقر في التجربة الكينية إرهاصاً ببزوغ «شمس الديمقراطية الحقّة» في أفريقيا، داعياً القادة الأفارقة للتعلم من «التجربة الكينية».
في المقابل، لئن كان كينياتا قد «ضرب مثالاً» غير معهود لاحترام مبدأ فصل السلطات بين قادة القارة السمراء، فإن هذا التحدي ليس الوحيد الذي يواجهه، ذلك أن الفساد يمثل تحدياً آخر بحاجة لقلب رجل ذهب إلى «لاهاي»، رغم ضجيج القادة الأفارقة الآخرين. وحفاظاً على صورته، فإن الرجل مطالب بالبدء بنفسه، لمعالجة «المرض الأفريقي» المعروف بـ«الفساد»، ينتصر عليه، أو يقود ضده معركة شرسة.
وهنا تنقل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن عضو في حملة مكافحة الفساد الكينية، قوله: «إدارة كينياتا تعدّ الأكثر فساداً في تاريخ كينيا». وعلى الرغم من أن القول يبدو «متحاملاً» في ظاهره، فإن منظمة الشفافية الدولية تؤكده، حين تصنف كينيا في أعلى سلم الفساد، وأنها تقع في المركز 145 من بين أصل 176 بلداً عن مؤشرها لتصورات الفساد عام 2016.
ويتابع المصدر نفسه: «الفساد ازداد سوءاً في ظل إدارة الرئيس كينياتا»، موضحاً: «عدم كفاءة وكالات مكافحة الفساد وعدم فاعليتها، هي سبب هذا التصنيف المدني لكينيا... والفشل في معاقبة الأفراد المتورّطين في الكسب غير المشروع، كان عقبة رئيسية».
من جانبه، يعترف كينياتا بفشل محاولاته لمكافحة الفساد، لكنه شن هجمة مضادة وحمّل المسؤولية عن هذا الفشل إلى «المحاكم» و«وكالة مكافحة الفساد»، قائلاً إنها أجهضت جهوده لأن إجراءاتها «بطيئة». وكان كينياتا قد أقال في 2015 خمسة وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى بشأن مزاعم الفساد، فيما دفع وزير سادس لتقديم استقالته بسبب الضغط العام. فهل يفلح الرجل الذي تصنفه مجلة «فوربز» الأميركية بين أغنى 26 شخصاً في أفريقيا، بثروة تقدر بنحو 500 مليون دولار، وتمتلك عائلته وسائل إعلام بينها قناة تلفزيونية وصحيفة يومية ومحطات إذاعية... في ضرب النموذج مرة أخرى، أم تصبح «العائلة والقبيلة» حصينة أمام حربه المعلنة ضد الفساد؟
وفي هذا الشأن، رغم عدم إعلان ضلوع أي من أفراد أسرة كينياتا في قضايا فساد، فإنهم يملكون أعمالاً ضخمة، ويستثمرون في قطاعات البنوك، والبناء والتشييد، والألبان، والتأمين، والسياحة، وتحتكر مساحات واسعة من الأراضي حول الوادي المتصدع والمناطق الوسطى والساحلية في كينيا.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.