قدري جميل: الانتخابات الرئاسية لن تفضي إلى تغيير الواقع.. والروس لم يضغطوا علي

قال لـ («الشرق الأوسط») إن النظام لا يسعى إلى التقسيم.. وتقييمات الغرب لا تهمه

قدري جميل: الانتخابات الرئاسية لن تفضي إلى تغيير الواقع.. والروس لم يضغطوا علي
TT

قدري جميل: الانتخابات الرئاسية لن تفضي إلى تغيير الواقع.. والروس لم يضغطوا علي

قدري جميل: الانتخابات الرئاسية لن تفضي إلى تغيير الواقع.. والروس لم يضغطوا علي

لا يزال نائب رئيس مجلس الوزراء السابق وأمين عام جبهة «التحرير والتغيير» المعارضة قدري جميل يعيش في روسيا، بعد أكثر من ستة أشهر على قرار إعفائه من منصبه، بسبب «غيابه عن مقر عمله دون إذن مسبق»، وفق مرسوم أصدره آنذاك الرئيس السوري بشار الأسد.
في موسكو، يجد السياسي الشيوعي، الخارج من عباءة النظام إلى صفوف (المعارضة الوطنية) هامشا للتحرك قبل أيام على موعد الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها، مطلع الشهر المقبل، فيعمل بنشاط على خط التواصل مع كبار المسؤولين الروس، لا سيما نائب وزير الخارجية ومبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف، الذي التقاه برفقة وفد من جبهة «التغيير والتحرير» المعارضة قبل أيام.
«جزء من مركز ثقل حل الأزمة السورية بات في الخارج»، يقول جميل لـ«الشرق الأوسط»، مضيفا: «ما دفعني إلى أن أقيم في الخارج للمتابعة والتنسيق، فجبهتنا لا يوجد لها ممثلون في الدول الغربية، مثل بقية الأقطاب المعارضة، أنا الوحيد الذي أمثل الجبهة في الخارج، وهذا هو سبب وجودي خارج سوريا».
يصر المسؤول الحكومي السابق الحائز على شهادة دكتوراه في الاقتصاد من جامعة موسكو على مقاطعة انتخابات الرئاسة في سوريا، لأنها «لن تؤدي إلى تغيير الوضع الحالي، وسيكتشف الجميع ضرورة الاحتكام إلى الحل السياسي الذي يحفظ وحدة سوريا أرضا وشعبا»، مضيفا: «موقفي جرى التعبير عنه عبر بيان صدر عن جبهة التحرير والتغيير، وأكد أن الوضع غير مناسب لإجراء انتخابات رئاسية شاملة وتعددية في سوريا حاليا، لأن أي انتخابات يجب أن تكون استكمالا للحل السياسي الذي بدأ في جنيف، وهذه الانتخابات ليس كذلك. وموقفنا هذا يختلف عن موقف معارضة الخارج التي لا تريد الانتخابات، لأنها لا تعترف بالنظام السياسي، وتريد إسقاطه».
وكانت جبهة التغيير والتحرير المعارضة وتضم 16 مكونا سياسيا أعلنت في 24 أبريل (نيسان) الماضي عن رفضها المشاركة في الانتخابات الرئاسية لأنها «لن تكون شاملة وتعددية في ظل الظروف الراهنة»، مشددة على أنها «لن تكون طرفا في هذه العملية لا ترشيحا ولا تصويتا». واستدعى هذا الموقف حصول انشقاقات داخل «الجبهة»، إذ أعلن رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي علي حيدر انسحابه من «الجبهة»، مؤكدا على «ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها». تعليقا على هذه الخطوة، قال جميل: «علي حيدر تربطني به صداقة، ويحق له أن يأخذ الموقف الذي يراه مناسبا».
وفي حين يرى نائب رئيس مجلس الوزراء السابق للشؤون الاقتصادية أن المشكلة في توقيت الانتخابات، وليس في جوهرها، يشير إلى أن «التوقيت موضوع جوهري. لا يوجد أمر أكثر جوهرية من أن تكون الانتخابات منصة للحل السياسي، وأن يشارك فيها أكبر عدد من السوريين»، نافيا أن يكون الروس قد طلبوا منه تغيير موقفه من الانتخابات الرئاسية: «سمعت عن ذلك في وسائل الإعلام واستغربته كثيرا. الروس لا يتدخلون بهذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، كما أنهم لا يضغطون على أحد لتغيير موقفه. هم بهذا السلوك يختلفون عن الدول الغربية التي لا تكف عن التدخل في الشؤون السورية. القيادة الروسية تعتبر الانتخابات شأنا داخليا، ودورهم كان ولا يزال تقريب وجهات النظر بين السوريين، ومنع التدخل الخارجي».
وبرغم مقاطعته الانتخابات الرئاسية فإن جميل، المعروف بمواقفه الرافضة للتدخل الغربي في سوريا، لا يتفق مع توصيف الغرب لها بـ«المهزلة»، موضحا أنه «لا يحق لأحد التدخل بالشأن السوري الداخلي، لذلك تقييمات الغرب لا تهمني».
وبخصوص وجود مرشح من بين المنافسين للأسد محسوب على اليسار هو ماهر الحجار، يشير إلى أن «الأخير كان في عداد تنظيمنا، وغادرنا قبل عام، بما أننا تنظيم اختياري. ولكل سوري الحق بترشيح نفسه إذا توفرت فيه الشروط وبما أننا قررنا عدم المشاركة، فسأمتنع عن التقييم».
تراجع حظوظ الحل السياسي بعد إصرار النظام على إجراء الانتخابات، ورد الغرب بمزيد من تسليح المعارضة لا يعني شيئا للمعارض الستيني المصرّ على المضي بحلول سلمية، يقول: «منذ اللحظة الأولى للأزمة قلنا إن الحسم العسكري مستحيل لصالح أحد الأطراف، لأن سوريا جزء من العالم والتوازن العالمي محصلته صفرية. لا بد من الذهاب إلى الحل السياسي الذي يضمن حصول توافقات بين السوريين. وأظن أن مفاوضات جنيف لم تفشل، ما فشل كان الجولتين الأولى والثانية، لكن لا بد من البحث عن بدائل تنعش الحل السياسي وتعيد إحياءه».
عدم التوصل إلى هذا الحل قد يهدد، بحسب جميل، «وحدة سوريا أرضا وشعبا»، مشيرا إلى أن «وحدة البلاد مستهدفة، في حال استمرار الصراع العسكري، لتكريس واقع جديد غايته خلق الانقسام بين المكونات السورية. لكن في الوقت نفسه من النواحي القانونية والدولية لا يمكن تقسيم سوريا».
وفي الوقت نفسه يرفض أن يكون النظام هو من يسعى إلى التقسيم عبر تأمين مناطق موالية له، موضحا أن ذلك «غير صحيح. هناك وقائع ميدانية تفرضها الظروف، لكن النظام لا يسعى إلى التقسيم. لا يوجد أي طرف سوري داخلي يؤيد التقسيم. هذا المشروع مصدره الخارج والدول الغربية».
العلاقات الشخصية التي تربط أمين عام جبهة التحرير والتغيير، مع بعض قيادات الائتلاف الوطني المعارض «لا تعني وجود تواصل مع الائتلاف بشكل رسمي»، أما علاقته مع النظام السوري، فيحصرها جميل بـ«قيادة الجبهة في الداخل التي تتابع الأمور وتنسّق مع بقية الحلفاء من أحزاب وشخصيات في النظام وخارجه»، موضحا أن «الاتصالات بينه وبين النظام معدومة، من دون أن يعني ذلك عدم عودتي إلى سوريا، إذ لا يوجد أي موانع، أمنية أو سياسية، تحول دون عودتي، وحين أرى الوقت مناسبا فسأعود فورا».
وأقيل جميل من منصبه نائبا لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2013. حيث صدر مرسوم رئاسي أعفاه من مهامه، نتيجة «غيابه عن مقر عمله ودون إذن مسبق، وعدم متابعته لواجباته المكلف بها كنائب اقتصادي، في ظل الظروف التي تعاني منها البلاد، إضافة إلى قيامه بنشاطات ولقاءات خارج الوطن دون التنسيق مع الحكومة، وتجاوزه العمل المؤسساتي والهيكلية العامة للدولة».
وبث خبر عزل جميل على التلفزيون السوري الرسمي، خلال وجوده على الهواء مباشرة مع قناة «روسيا اليوم»، حيث كان يقول إنه يمثل خلال لقاءاته في جنيف بمسؤولين من وزرة الخارجية الأميركية «جزءا مهما من المعارضة السورية في الداخل».



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».