ماي وكوربن يعرضان رؤيتين اقتصاديتين متضاربتين لما بعد «بريكست»

مؤتمر {اتحاد الصناعة البريطاني} السنوي يطالب بمفاوضات أكثر شفافية

زعيم حزب العمال جيريمي كوربن  (تصوير: جيمس حنا)
زعيم حزب العمال جيريمي كوربن (تصوير: جيمس حنا)
TT

ماي وكوربن يعرضان رؤيتين اقتصاديتين متضاربتين لما بعد «بريكست»

زعيم حزب العمال جيريمي كوربن  (تصوير: جيمس حنا)
زعيم حزب العمال جيريمي كوربن (تصوير: جيمس حنا)

قالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمس، إن الاقتصاد البريطاني سيزدهر إن توصلت البلاد إلى اتفاقية متوازنة للخروج من الاتحاد الأوروبي، تلعب فيها الحكومة دوراً استراتيجياً لدعم النمو عبر المملكة المتحدة. وأكدت في خطابها خلال المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعة البريطاني «سي بي آي»، في لندن، على أنّ مفاوضات «بريكست» تشهد تقدماً ملحوظاً منذ زيارتها إلى فلورنسا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وأنّها ستدعم إقرار فترة انتقالية مصاحبة لعملية الخروج لمنح الشركات مزيداً من الثقة. مضيفة أنّ فترة التنفيذ المحددة ستكون حاسمة لنجاح بريطانيا في المستقبل.
وأوضحت رئيسة الوزراء أنّها تعي أهمية عدم مواجهة الاستثمارات والصناعات في البلاد انحداراً قائلة: «أريد توفير الوضوح التام للمستثمرين»، في هذا الوقت الذي يشهد المستثمرون وأرباب الأعمال، توترا من مستقبل البلاد بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، علما بأن العاصمة البريطانية هي المقر الرئيس لأكثر من 300 بنك عالمي.
وشدّدت ماي، على أهمية التمسك بالاقتصاد الحر، معتبرة إياه المسار الأكثر فعالية لانتشال المواطنين من تحت خط الفقر. ودعت إلى المزيد من التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص خصوصاً في قطاع الخدمات.
كما عبرت ماي على اعتزام حكومتها توفير الدعم الكامل للحفاظ على مكانة المملكة المتحدة كرائدة في قطاع الابتكار والتقنية. وقالت إنها تأمل بأن تصبح بريطانيا الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي أيضا. واستطردت: «لنجعل بريطانيا مركزا لتكنولوجيا المستقبل، علينا أن نرى التطورات التقنية كقوى خير ستساهم في تحسين حياتنا واقتصادنا».
وناقشت ماي أهمية زياراتها إلى الهند واليابان خلال السنة الماضية، معتبرة إياها مبادرات جدية ومباشرة لتحريك الاستثمارات الأجنبية بعد نجاح تجارب استثمارات من شركات مثل «تويوتا» و«بي إم دبليو» و«غوغل» التي استثمرت مليار جنيه إسترليني في لندن.
ووفر المؤتمر الفرصة للاستماع إلى وجهة نظر حكومة الظل في آخر تطورات مفاوضات «بريكست»، إذ نوه رئيسها زعيم حزب العمال جيريمي كوربن، أن «بريطانيا بأمس الحاجة إلى (بريكست) يولي الأهمية الأكبر إلى توفير فرص عمل، وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين». وطالب كوربن حكومة ماي بمزيد من الوضوح والشفافية في مفاوضات الخروج، محذراً من أنّ الوقت ليس حليف بريطانيا. قائلاً: «الاستمرار في تأجيل اتفاق انتقالي بات غير مقبول وخطر عدم التوصل لأي اتفاق سيكون كابوسا يلحق بالسوق ضرراً».
وشدد كوربن على أنّ بريطانيا لن تتحول إلى «جزيرة» معزولة عقب الخروج، ولن تعتبر الاتحاد الأوروبي كـ«عدو» لها، بل كشريك. كما دعا إلى تطبيق نموذج اقتصادي جديد في البلاد لجعلها أكثر ثراء ومساواة. وعلى الرغم من أنّ زعيم حزب العمال رأى أنّ ملكية شركات الخدمات يجب أن تكون عامة، وأنّه كان ضد قرار خصخصتها، فإنه أكد على أنّ حكومة الظل ترى القطاع الخاص شريكا في تنمية البلاد اقتصاديا.
واستضاف المؤتمر وزير التجارة الأميركي ويلبور روس في زيارته الرسمية الأولى إلى المملكة المتحدة، وألقى كلمة مختصرة قبيل توجهه إلى الصين لمرافقة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في جولته الآسيوية التي تنطلق من الصين. واعتبر روس، الرئيس ترمب أكثر الرؤساء الأميركيين واقعية في مجال الأعمال.
وشدد الوزير الأميركي على العلاقة الوطيدة والمميزة التي لطالما شهدتها المملكة المتحدة وأميركا، مؤكداً على أن العلاقة أفضل وأقوى من أي وقت مضى. وأكد روس أنّ ترمب يدعم وبقوة اتفاق تجارة ثنائي مع المملكة المتحدة عقب خروجها من الأوروبي، وأنه سبق وناقش ذلك مع رئيسة الوزراء تيريزا ماي. وقال: «المملكة المتحدة هي سابع أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، ونأمل أن تصبح الأولى». كما كشف عن حزمة من المعوقات والتحديات التي يواجهها المستثمرون الأميركيون في الاتحاد الأوروبي، داعيا المملكة المتحدة للتعاون في حلها. واختتم الوزير حديثه بالتأكيد على أنّ الولايات المتحدة لا تعتزم الانسحاب اقتصاديا من آسيا، لكنّها ستستمر بتواجدها وفقا لشروطها.
وافتتح المؤتمر الذي حضرته «الشرق الأوسط» إلى جانب نخبة من رجال الأعمال والمستثمرين والإعلاميين رئيس اتحاد الصناعة البريطاني بول دريشلر، معتبرا دورة هذا العام الأكبر منذ 10 سنوات. وأكد دريشلر، متحدثا بالنيابة عن نحو 190 ألف شركة بريطانية على التزامها بإنجاح «بريكست» اقتصاديا. قائلاً: «نحن بحاجة إلى استراتيجية واضحة، وخطة تحقق مطالبنا وطبيعة العلاقة التي نريدها مع الاتحاد الأوروبي عقب الخروج». وشدد دريشلر على أنّ طريق الوصول إلى ذلك هو التعاون والتكاتف بين سياسات الحكومة والشركات لضمان ازدهار الاقتصاد وإبرام اتفاق مناسب للخروج.
وتضمن المؤتمر جلسات حوارية وكلمات لنخبة من عالم المال والأعمال في بريطانيا أدارها إعلاميون بارزون.
وحاورت مذيعة بلومبيرغ آنا ايدواردز المدير التنفيذي لمجموعة «بي تي»، غافين باترسون، الذي أكد أهمية التطور التقني للاقتصاد البريطاني، إذ يحمل فرصا ًلتطوير الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى الفرص التي يجب أن تغتنمها لندن لتكون الرائدة في تلك المجالات، رغم تحديات وضبابية «بريكست».
وبدوره، ألقى رئيس مايكروسوفت والمدير القانوني لدى الشركة براد سميث، كلمة أعاد الحضور فيها إلى الثورات الصناعية الثلاث الماضية، شارحاً خصائص الثورة الصناعية الرابعة الراهنة التي تعتمد على التطور التكنولوجي المتسارع. وقال سميث إن 30 في المائة من الوظائف في المملكة المتحدة مهددة بالانقراض ويتم استبدالها بروبوتات. كما قال إن 90 في المائة من الوظائف الجديدة التي سيتم خلقها مع الثورة الصناعية الرابعة بحاجة إلى مهارات جديدة، داعيا بريطانيا إلى مواكبة التطور وتدريب الكوادر.
من جانبه، اتفق نائب رئيس «تويتر» بروس دايسلي، مع سميث حول ظاهرة التطور، وقال إن مفهوم «المستهلك» تغير في يومنا الحالي، مشدداً على أهمية مواكبة احتياجات المستهلك الجديد في عصرنا الحالي، الذي باتت تتقلب وتتغير احتياجاته. وقال ديسلي إن أمام الشركات البريطانية فرصة عظيمة لتطويع التطور التكنولوجي والنمو، لكن عليهم فهم المستهلك.
وناقشت أولى جلسات المؤتمر أهمية توظيف العولمة لإثراء الاقتصاد، وتوفير فرص عمل جديدة ولائقة عن طريق التعاون بين الحكومة البريطانية والقطاع الخاص. وخرجت بخلاصة أن انعدام الوضوح في مستقبل التجارة سيؤدي إلى إبطاء نمو الشركات.
أمّا الجلسة الثانية فبحثت توظيف التطور التكنولوجي في التنمية الاقتصادية وشهدت عرض قصص نجاح، فيما ناقشت الجلسة الثالثة والأخيرة سبل توفير فرص للجميع وسط اقتصاد يعتمد على التطور التقني والذكاء الاصطناعي. واختتمت مديرة اتحاد الأعمال البريطاني الجلسة بحث الشركات على {البحث عن سبل جديدة لتأهيل كوادرها بالمهارات اللازمة للابتكار، كي لا يؤدي التطور التكنولوجي إلى إبطالهم عن العمل}.



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.