تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي

بن لادن تملكته الرؤى والمنامات وجعل من جلساته العائلية مكاناً لإدارة التنظيم

بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)
بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)
TT

تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي

بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)
بن لادن وأمامه خريطة في مخبئه بأبوت آباد قبل الغارة الأميركية عليه («الشرق الأوسط»)

في حسم وشفافية - تُحسَب لها - أظهرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الأربعاء الماضي، الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 2017، المجموعة الأكبر والأكثر أهمية من وثائق ومذكرات زعيم «القاعدة» الراحل أسامة بن لادن التي تم الحصول عليها من مخبئه الذي قُتِل فيه بمدينة أبوت آباد الباكستانية، في مايو (أيار) سنة 2011، مما عُدّ انتصاراً أدبياً ورمزياً يكاد يضاهي رمزية القضاء عليه في عهد إدارة أوباما السابقة.
ونظرا لأهميتها، أقبلت وسائل الإعلام العالمية على تحليلها وما تحمله (مجموعة الوثائق الجديدة) من المعلومات والأدلة، التي تكشف كثيراً مما كان مخفياً عن زعيم «القاعدة» الراحل وحياته، وعن التنظيم الإرهابي الأخطر الذي خرجت منه «داعش» التي انطوت صفحتها سريعاً.
انطرح مع هذا الاهتمام العالمي التساؤل عن أسباب تأخر أو - تأخير إدارة أوباما - نشر كل هذه الوثائق المهمة والضرورية... وهل أخفتها إدارة أوباما تمريراً وتمهيداً للاتفاق النووي مع إيران الذي وَقَّعه في يوليو (تموز) 2015، خصوصاً مع عدم نشر أهمها وألصقها بالعلاقة بإيران، رغم قلة عددها، إلا بعد توقيع هذا الاتفاق، كما أخفت بعضَ ما تعلَّق كذلك بالعلاقة بـ«طالبان»، في ظل سياسة أوباما للتقارب معها تحقيقاً للسلام في أفغانستان وتخفيض عدد قواته هناك.
إن الوثائق الجديدة لزعيم «القاعدة» أسامة بن لادن تشير بأصابع الاتهام للرئيس الأميركي السابق وإدارته، نظراً لما حملته من كنز معلوماتي يخص أخطر رجل في العالم خلال ثلاثة عقود من الزمان حتى مقتلِه، والمطلوب الأول على القوائم الأميركية، كان من المهم في وقته.
إن مقارنة دقيقة بين الوثائق السابقة التي أفرجت عنها إدارة أوباما والكنز الأخير الذي أفرجت عنه إدارة ترمب، يكشف عن تعمد إدارة أوباما إخفاء الحقائق الدامغة وشهادة زعيم «القاعدة» الذي يتميز بلين استثنائي كلما ذُكِرت إيران، حتى أنه لم يرَ حرجاً من تدخلها في البحرين أثناء الانتفاضات العربية سنة 2011، كما يؤكد في أحاديثه لأسرته في مذكراته وأحاديثه الأسرية المنشورة في الوثائق الأخيرة (الأول من نوفمبر) في عهد ترمب.
أرادت إدارة أوباما ومجلس أمنه القومي تمرير توجهاتها وسياساتها المعلنة منذ حملة انتخابه، وقبل حقبته الأولى التي فاز فيها بـ«فوبيا الحرب» في العراق، ولكنه ما لبث أن عاد إليها في سبتمبر (أيلول) سنة 2014 حين أثبتت الوقائع فشل توقعاته وارتباكاته.
أصر أوباما أثناء حقبتَي رئاسته على التقارب مع إيران وتجاهل تدخلاتها ورفع العقوبات عنها، فأكسبها ما يزيد على مائتي مليار دولار تم استثمارها من قبل الميليشيات المتطرفة والطائفة التي تحارب باسمها في سوريا ولبنان والعراق وغيرها، مستجلبةً الأطفال الأفغان والهزارا من الطائفة الشيعية، حسب انتقادات المنظمات الدولية لها مراراً وتكراراً، لتلقي بهم قرابين لبقائها وسيطرتها وهيمنتها في سوريا وغيرها.
كما لم يكن ممكناً لأوباما الذي اختزل الحرب على الإرهاب في الحرب على «القاعدة» كما أعلن في مرحلة حكمه الأولى، وخفض قواته في أفغانستان، وسحبها من العراق، ممهداً لطور من الانعزالية والارتباك في أداء القوة العظمى أحضر الخطر والمخاطر في عمق ولاياتها وحلفائها شرقاً وغرباً، وتقارب مع النظام الإيراني الذي تصفه الخارجية الأميركية في تقريرها السنوي في مايو من كل عام بـ«النظام الأكثر دعماً للإرهاب في العالم».
في مذكراته المنشورة أخيراً وصف بن لادن الثورات بقوله: «كانت هذه الثورات رزقاً وافراً للأمة عامة وللمجاهدين خاصة» ص 92، وكما تحمس بن لادن للثورات (وهو ما تؤكده أحاديثه والمذاكرات المنشورة في دفعة الوثائق الأخيرة)، تحمس لها كذلك أوباما، ولكن كليهما لم يكن بالحماس نفسه، حين تعلق الأمر بسوريا أو إيران سنة 2009.
ويؤكد الاتهام المشار إليه أن إدارة أوباما اكتفت بعد أقل من 24 ساعة من مقتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه، مايو سنة 2011، بتصريح مدير مجلس الأمن القومي في إدارة أوباما جيمس كلابر بما يشبه إغلاق ملف وكتاب أسامة بن لادن للأبد، وأنه سيتم نشر كل الوثائق التي تم الحصول عليها فيه وتخص زعيم «القاعدة».
دفعت إدارة الاستخبارات والأمن القومي في عهد أوباما في البداية 17 وثيقة فقط للنشر على موقع مركز مكافحة الإرهاب الأميركي (CTC)، ثم دفعت بـ49 أخرى، وأعلنت أن مجموع الوثائق 571 وثيقة فقط!! سيتم دفعها للنشر العام.
لكن الحقيقة أنها لم تكن كذلك، بل أكثر بكثير، فقد كان مجموع الوثائق 440 ألف وثيقة، مما يزيد من احتمالية التورط وسوء النية وتعمد الإخفاء قصداً منها، كما يذكر دانييل جرينفلد.
لكن في السياق الترمبي المتحفز والمتيقظ تجاه ممارسات نظام الولي الفقيه، كان الضد من ذلك، حيث أعلن مدير «سي آي إيه» في الأول من نوفمبر عن الإفراج عن 470 ألف وثيقة جديدة من وثائق أوبات، وهو ما اعتبر (حسب دانييل جرينفيلد في مجلة «فرنت بيج»)، يوم الجمعة الماضي، الثالث من نوفمبر، أنه «الإجراء الأكثر شفافية في تاريخ الإدارة الأميركية على مدار تاريخها».
ويبقى السؤال: لماذا منعت إدارة أوباما الكشف عن هذه الوثائق المهمة؟ وهو ما يرجِّح رغبتها في تمرير اتفاقها النووي مع نظام إيران الخمينية، وما تكشفه هذه الوثائق من حجج دامغة وأدلة يقينية على العلاقة التاريخية والتنسيقية والدعم اللوجيستي الذي قدمته حكومة الولي الفقيه لتنظيم القاعدة وعناصره في استهداف المصالح الأميركية قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأثناءها وبعدها، وكذلك لإخفاء علاقة وشراكة طالبان مع «القاعدة» في تنفيذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أراد أوباما التقارب معها كذلك، كما يرى بعض المراقبين أن أوباما لم يكن يريد اغتيال بن لادن، ولكن محاكمته وفق محاكمات الإرهابيين التي دعا إليها، وهو ما يراه دانييل جرينفيلد قد يرضي حلفاءهما معاً في إيران، في مقاله المشار إليه.
اكتفت إدارة أوباما فقط بتمرير 17 وثيقة في البداية ثم دواليك، وعلى مسافات زمنية متباعدة، نشرت حلقتين أخريين، وبلغ حجم ما صدر عنها 175 صفحة (بالعربية) و197 صفحة (في ترجمتها الإنجليزية)، بعضها لم يكن مكتملاً، كما أن كثيراً منها لا يحمل تاريخاً، ولكن بشكل واضح، كل الرسائل لا تحمل الأسماء الحقيقية لمرسليها أو المرسلة إليهم، أو كُناهم، أو عناوينهم، وبعضها تخص غير بن لادن أو الدائرة الأقرب من القيادة المركزية أو قادة الفروع، فيُذكَر أبو يحيي الليبي وعطية الليبي وآدم غادان، كما يُذكَر أبو مختار الزبير زعيم حركة الشباب الصومالية، وأبو بصير الوحيشي قائد تنظيم القاعدة الراحل في اليمن، وحكيم الله محسود قائد طالبان باكستان، والملا عمر أمير حركة طالبان وغيرهم.
يتضح البطء وعدم الحسم والشفافية في ملاحظة الفرق الزمني بين ما أصدرته إدارة أوباما على ثلاث دفعات وما أصدرته إدارة ترمب دفعة واحدة في الأول من نوفمبر، فقد رفعت إدارة أوباما السرية عن الدفعة الأولى من الوثائق في مايو سنة 2012 وكانت مجموعة قليلة (17 وثيقة فقط) ضمت مراسلات بين سبتمبر سنة 2006 وأبريل (نيسان) سنة 2011 وتمت دراستها من قبل مجموعة من الخبراء والباحثين، ولم تكن كافية لإخراج علاقة إيران بتنظيم القاعدة من السرية إلى العلنية، فانتهى باحثوها للقول إنها علاقة لا تصل لحد التحالف، ومشحونة بالشك والارتياب من طرفيها، ولكن لم ينكروا احتمالات توظيف إيران للتنظيم الإرهابي ضغطاً على الولايات المتحدة، قبل توقيع الاتفاق النووي، أو استنزافاً وإرهاقاً لدول المنطقة والأنظمة المعادية لها في الخليج والعالم.
حسب وثائق أبوت آباد الأولى، نجد أن أول علاقة تتضح بين «القاعدة» وإيران بدأت عام 2009 في رسالة بتاريخ 11 يونيو (حزيران) سنة 2009 مرسلة من «عطية» إلى «الشيخ الكريم» (ربما أسامة بن لادن أو آخر، فلم يُحدَّد الاسم كالعادة)، الذي يخبره بسعادة أن الإيرانيين أطلقوا سراح مجموعة من الإخوة، الشهر الماضي، وأنهم أخبروا الشخص الوسيط بين الطرفين أنهم سيسلمون له أسرة بن لادن ( الزوجات والأطفال، باستثناء الرجال) ربما خلال أسبوع من تاريخ الخطاب.
ثم تم رفع السرية عن الدفعة الثانية في 20 مايو سنة 2015، وضمت 103 وثائق، وتماسّت بعضها بشكل واضح مع هذه العلاقة وتصورات بن لادن للعلاقة بإيران وحربها وغير ذلك، وعن العلاقة مع إيران تطالعنا في هذه الدفعة رسالة لابن لادن من «أبو عبد الرحمن أنس السبيعي»، وهو نفسه أبو أنس الليبي (توفي سنة 2015 قبل محاكمته في الولايات المتحدة) مؤرخة في 5 من ذي القعدة سنة 1431 الموافق 12 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2010، حول مجموعات «القاعدة في إيران»، وحسب الرسالة فقد كان لجوء عناصر «القاعدة» إلى إيران على فوجين: أولهما (حسب الرسالة) كان بعد سقوط إمارة طالبان سنة 2001، والتوافد الثاني كان بأوامر من الملا عمر بعد عيد الأضحى سنة 1422 هجرية، ونهاية رمضان سنة 1423 الموافق 31 ديسمبر (كانون الأول) سنة 2001.
أما الدفعة الثالثة من الوثائق فقد أفرجت عنها إدارة أوباما في الأول من مارس (آذار) سنة 2016، وضمت 113 وثيقة ورسالة حملت الحجج الدامغة على حصانة إيران في فكر قائد ومؤسس تنظيم القاعدة الراحل، وكيف كان يتجنب دائماً استهدافها من قبل التنظيم، بل لا يتحمس لحرب عليها من الولايات المتحدة كان يتردد الحديث عنها في العقد الماضي، ويرى أن ذلك مضرّ بالتنظيم، ويقر بأهمية العلاقات معها، كونها دولة محورية في المنطقة، وجزءاً من إرهاق وإعاقة المشروعين الأميركي والغربي.
لكن الأخطر في الوثائق الجديدة التي صدرت عن إدارة ترمب في الأول من نوفمبر الصراحة ووضوح الموقف عند أسامة بن لادن، من أن إيران ليست عدواً بل هي حليف يؤمن زعيم «القاعدة» بإمكانية، بل ضرورة، التحالف معه في مواجهة العدو المشترك (الولايات المتحدة والغرب والأنظمة الحاكمة في العالم العربي)، واحتوت الوثائق الجديدة على رسالته لخامنئي وعلى تاريخ قديم للعلاقة يمتد لسنة 1991 تؤكد ما ذُكِر في تحقيقات 11 سبتمبر، عرضت فيها إيران المساعدة والدعم لعناصر جماعته، كما تشير لترحيب إيران بالفارين من أفغانستان وباكستان بعد 11 سبتمبر على أراضيها، واعتبارهم أبطالاً سعَوْا للموت لأميركا، كما يتمنى نظام الثورة الإيرانية وغير ذلك كثير.
تكشف الوثائق الجديدة، خصوصاً مذكرات بن لادن الشخصية التي بلغت صفحاتها 228 صفحة بعضها بخط يده، أن زعيم «القاعدة»، كان «يُدِير» وهو محصور في عزلته، حتى عن عناصر جماعته، ففي سؤال لابنته سمية عن سوريا وما ينبغي أن تفعل «القاعدة» من دور فيها عند اندلاع ثورتها، التي لم توجد «القاعدة» فيها؛ على عكس ليبيا؟ أجابها بن لادن بقوله: «أهم العراقيل صعوبة الاتصال بيننا وبين الإخوة»... وكتبها بخط أحمر (ص68) ويبدو أن بن لادن كان يرى في أسرته، زوجته وابنتيه وابنيه خالد وحمزة، مجلسَ حوارِه الوحيد الذي يتحقق فيه حضور زعيم «القاعدة» وحياته، يسألونه طويلاً عن ذكرياته، ويحكي لهم رؤى منامه ورؤى بعض رفقائه له، مثل من سَمّاه عبد الوكيل النوبي الذي حكى له رؤيا في كابل بأفغانستان من أنه القحطاني المبشَّر به في أحد أحاديث آخر الزمان، كما يروي رواية شبيهة لرجل رآه في المطار، ويروي منامات رآها بنفسه... ويبدو أن قصة القحطاني، الذي يظهر في آخر الزمان، شغلت بن لادن وملكت عليه نفسه، رغم أنه لم يُحسَم بها.
لكن يبدو مجلس الأسرة مجلساً لإدارة العالم وشؤون الكون، يسأل ويجيب ويطلب الرأي أحياناً، يسألانه عن الثورات العربية التي رأى فيها أملاً كبيراً يبشر بانهيار كل الأنظمة ويتابعها يوماً بيوم، ويتكلم في الاقتصاد وارتفاع أسعار النفط، وتربيته وتكوينه، وكيف زار أوروبا أول مرة من أجل العلاج، وهو في الصف السادس الابتدائي، وكيف أنه لم يتأثر بالزنداني وتفسيره للإعجاز العلمي في القرآن، وإن تأثر به في أشياء أخرى، لكن يذكر أن علاقته به لم تكن يوماً علاقة التلميذ بالأستاذ.
ويتضح في مذكرات ويوميات بن لادن في مجلسه الأسري التخطيط لشؤون العالم مع زوجته وأبنائه كيف انبهر بالثورات العربية، ورأى فيها الفرصة الذهبية للمتشددين، وكيف كان منتشياً بانشغال العالم به وبخطره وهو المتوحِّد مع أسرته لا يخاطب على ما يبدو إلا هم، فيعجب بذكر القذافي له وأن سقوطه يعني تحالفه مع «القاعدة»، وينقل عن لويس عطية قوله إن الصين تذكر بن لادن والعالم كله يتحدث عنه!
هكذا يخاطب أبناءه وأسرته كأنه يقول لهم: «ثقوا فيَّ سأقود العالم»، ويستند في أمله كذلك على المنامات فكثيراً ما يحكي عن رؤيا رآها في منى، ويحكي عن انتصاره واحتمال أن يطلب منه الغرب الصلح بعد أن يتوحد المسلمون تحت قيادته في إجابة عن سؤال لإحدى ابنتيه، تحقيقاً لرؤيا رآها له «جهادي سابق».
رأى بن لادن في الثورات الأمل والتمهيد، توقع أن جميع الأنظمة العربية ستسقط تباعاً، وستتحقق أمنياته والرؤى التي شاهدها وشاهدها آخرون له، لا يذكر أسماء بعضهم، لكنه لم يغادره الإصرار على صحة كل مواقفه، خصوصاً تكفير حكام العالم العربي والإسلام، وسأل من يطالبونهم بالرحيل من الجماعات الأخرى: «لماذا تطالبونهم بالرحيل إن كانوا مؤمنين؟»، وكأنه يقول: «أليسوا كفاراً كما قلنا»؟!
إن أي تحليل مضمون إحصائي بسيط لخطابات بن لادن المنشورة أو للوثائق الجديدة ويومياته يلاحظ عدم حضور إيران في صورة أو تصورات العدو لديه مطلقاً، فالرجل مسكون ومحبوس في العداء للأنظمة في دول الخليج والحجاز ومصر وليبيا وغيرها، ولكن دون إيران التي تمثل عنده استثناء لا يجوز مسه ولا يرحب بالاصطدام به، واستأمنها على 24 فرداً من أسرته، بينهم شقيقه وزوجته وأبناؤه.
ومما تكشفه الوثائق الجديدة، خصوصاً مذكرات بن لادن الشخصية، أنه ضعيف الثقافة، سريع التحول؛ فقراءته لكتاب ماجد الكيلاني جعلته يفكر في إعادة هيكلة وتأطير شبكة «القاعدة» وفروعها وأفكارها!!
كما أنه يحاول أن يؤلف أراجيز شعبية وهتافات يغني بها شباب الانتفاضات العربية في اليمن وغيرها، ولكن الأخطر أنه مسكون بالمنامات والتفكير الغيبي ويرى فيه أصحابه ويكاد يرى في نفسه أنه تمهيد لحروب آخر الزمان، كما رأى أبناؤه في «داعش» المنهارة في أنفسهم ذلك.



نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.


غوتيريش: العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية «ضربة قاسية» للعدالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
TT

غوتيريش: العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية «ضربة قاسية» للعدالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)

أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، معرباً عن «قلقه العميق إزاء التأثير المتوقع» لهذه الإجراءات.

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، للصحافيين، إن «قرار اليوم يمثّل ضربة قاسية لمساعينا المشتركة لتحقيق العدالة الجنائية الدولية، التي تشكّل المحكمة ركيزة أساسية فيها».

وأضاف، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، أن «الأمين العام يجدد دعمه الثابت لاستقلال المحكمة ومسؤوليها».

وأعلن وزراء خارجية كل من كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة، الجمعة، «وحدة موقفهم» في دعم المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة العقوبات الأميركية.

وجاء في بيان مشترك للوزراء: «نحن، الدول الأطراف الموقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نجدد التأكيد على دعمنا الثابت والراسخ لاستقلالية المحكمة وحيادها ونزاهتها».

وصدر البيان عقب الإعلان عن عقوبات أميركية تهدد بشل أنشطة المحكمة، وبعد بضع ساعات من منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية السابقة نافي بيلاي.


ما هي المحكمة الجنائية الدولية؟ وما دورها؟

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ما هي المحكمة الجنائية الدولية؟ وما دورها؟

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة نوبل للسلام لعام 2026 في القاعة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

عملت نافي بيلاي، الجنوب أفريقية التي أعلن، اليوم الجمعة، فوزها ‌بجائزة نوبل للسلام، قاضية في عدة محاكم دولية، من بينها المحكمة الجنائية الدولية.

وفيما يلي بعض الحقائق عن المحكمة الجنائية الدولية، وفقاً لوكالة «رويترز»:

متى تأسست المحكمة ولماذا؟

تأسست المحكمة في 2002 لمحاكمة المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجريمة شن عمل عدائي، عندما تكون الدول الأعضاء غير راغبة أو غير قادرة على القيام بذلك بنفسها. ويمكنها نظر القضايا المتعلقة ​بجرائم يرتكبها مواطنو الدول الأعضاء أو على أراضي الدول الأعضاء من قبل أطراف أخرى. ويبلغ عدد الدول الأعضاء 125 دولة. وتبلغ ميزانية المحكمة لعام 2025 نحو 195 مليون يورو (202 مليون دولار).

ما الذي تحقق فيه المحكمة؟

تُجري المحكمة الجنائية الدولية تحقيقات تتعلق بمناطق مختلفة مثل الأراضي الفلسطينية وأوكرانيا ودول أفريقية، مثل أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا، وفنزويلا في أميركا اللاتينية وميانمار والفلبين في آسيا. وتقول المحكمة إنها تنظر في 34 قضية، بعضها يضم أكثر من مشتبه به واحد. وأصدر قضاة المحكمة ما لا يقل عن 68 مذكرة توقيف.

من على قائمة مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة؟

من بين المشتبه بهم على قائمة المحكمة الجنائية الدولية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتهم بالمسؤولية الجنائية عن أعمال تشمل القتل والاضطهاد واستخدام التجويع كسلاح حرب في قطاع غزة. كما تتهم المحكمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بارتكاب جرائم حرب بالترحيل القسري لمئات الأطفال من أوكرانيا.

ونفت إسرائيل وروسيا، وهما غير أعضاء في المحكمة، مراراً ارتكاب قواتهما لفظائع في قطاع غزة وأوكرانيا ودفعا بأن ‌المحكمة الجنائية الدولية ليس لها ‌اختصاص ولا ولاية عليهما.

ووقت إصدار مذكرة التوقيف بحق نتنياهو، أصدرت المحكمة أيضاً مذكرة توقيف بحق وزير ​الدفاع ‌الإسرائيلي السابق يوآف ​غالانت والقيادي في حركة «حماس» إبراهيم المصري المعروف باسم محمد الضيف. وتأكد مقتل الضيف بعد إصدار المذكرة.

وأصدرت المحكمة أيضاً مذكرتي توقيف بحق اثنين من كبار قادة حركة «طالبان» الأفغانية، واتهمتهما باضطهاد النساء، وهو ما نفته الحركة.

وطلب ممثلو الادعاء بالمحكمة إصدار مذكرات توقيف بحق قائد الجيش في ميانمار مين أونغ هلاينغ بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية فيما يتردد عن اضطهاد أقلية الروهينغا، وأغلبها من المسلمين. ولم يُعلن عن نتيجة هذا الطلب.

ما هي المحاكمات المعلقة؟

من المقرر أن يمثل الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي أمام المحكمة في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) بتهمتي القتل والشروع في القتل باعتبارهما جريمتين ضد الإنسانية تتعلقان بحربه على المخدرات، وهما تهمتان ينفيهما. وينتظر مواطن ليبي أيضاً متهم بالإشراف على سجن سيئ السمعة المحاكمة.

لماذا تعارض الولايات المتحدة المحكمة؟

حضر وفد أميركي المفاوضات التي أفضت إلى وضع نظام روما الأساسي للمحكمة في عام 1998، لكن لم تنضم الولايات المتحدة إليها أبداً، وتعارض دائماً اختصاصها فيما يتعلق بالمواطنين الأميركيين.

وأقرت واشنطن في عام 2002 ما يعرف باسم «قانون غزو لاهاي»، الذي ‌يخول للرئيس استخدام «جميع الوسائل اللازمة» لضمان الإفراج عن أي مواطن أميركي أو حليف للولايات المتحدة ‌تحتجزه المحكمة.

ودعمت الولايات المتحدة في السنوات اللاحقة بعض تحقيقات المحكمة، وخاصة في الفظائع المرتكبة في دارفور ​وأوغندا، لكنها ظلت تعارض بشدة أن تنظر المحكمة فيما يتردد عن ارتكاب ‌القوات الأميركية جرائم على أراضي الدول الأعضاء في المحكمة.

وفرضت واشنطن خلال إدارة ترمب الأولى في عام 2020 عقوبات على المدعية العامة للمحكمة آنذاك، ومسؤول آخر، ‌بسبب التحقيق في ارتكاب القوات الأميركية جرائم حرب في أفغانستان. وألغت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن العقوبات بعد عام.

وبعدما أصدرت المحكمة في أوائل عام 2025 مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، أذن ترمب بفرض عقوبات اقتصادية وقيود سفر على مسؤولي المحكمة الذين يستهدفون الولايات المتحدة وحلفاءها من غير الأعضاء في المحكمة. وفرضت واشنطن منذ ذلك الحين عقوبات على 13 مسؤولاً في المحكمة، من بينهم تسعة قضاة.

ووصف ترمب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الشهر الماضي، المحكمة بأنها «مؤسسة مارقة» و«جماعة شريرة»، وحث الدول الأعضاء على الانسحاب منها.

لماذا ‌تقول المحكمة الجنائية الدولية إن لديها الاختصاص على بعض مواطني الدول غير الأعضاء؟

تحظى المحكمة بدعم العديد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكن لم تنضم إليها دول أخرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، بدعوى أنها قد تستخدم في ملاحقات قضائية ذات دوافع سياسية.

وإسرائيل ليست عضواً في المحكمة ولا تعترف باختصاصها القضائي، لكن الأراضي الفلسطينية انضمت إليها في عام 2015 باعتبارها دولة عضو. ويعني هذا، بالإضافة إلى حكم أصدره قضاة المحكمة، أن بوسع المحكمة النظر في جرائم حرب محتملة ارتكبها مقاتلو حركة «حماس» في إسرائيل، وإسرائيليون في قطاع غزة والضفة الغربية.

ويستند منطق إصدار مذكرتي توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين إلى الأساس نفسه المستخدم في مذكرات التوقيف بحق مسؤولين روس بشأن جرائم يُقال إنها ارتُكبت في أوكرانيا؛ إذ تتعلق هذه المذكرات بوقائع الجنائية تردد أنها حدثت على أراضي دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية.

وميانمار ليست عضواً في المحكمة، لكن قضاة حكموا في عامي 2018 و2019 أن للمحكمة اختصاصاً قضائياً بالنظر في جرائم عابرة للحدود تردد أن جزءاً منها وقع في بنغلادش المجاورة، وهي عضو في المحكمة، مثل الترحيل والاضطهاد، وقالوا إن بإمكان ممثلي الادعاء فتح تحقيق رسمي.

أما الفلبين، فهي ليست عضواً حالياً لكنها كانت كذلك في الفترة من 2011 إلى 2019 حين أصبح انسحاب الرئيس دوتيرتي من جانب واحد نهائياً. وبموجب نظام روما الأساسي، تحتفظ المحكمة باختصاصها القضائي في أي دولة تنسحب منها عن الجرائم المرتكبة خلال فترة العضوية.

كم عدد الأشخاص الذين أدانتهم المحكمة؟

أصدر قضاة المحكمة 15 حكماً بالإدانة وأربعة أحكام بالبراءة. واحتُجز 23 شخصاً في مركز الاحتجاز التابع للمحكمة في لاهاي ومثلوا أمام المحكمة، ولا يزال 34 متهماً فارين. كما ​أسقطت التهم عن تسعة أشخاص بسبب وفاتهم.

ومن بين الإدانات، كانت 10 فقط ​منها بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. أما الإدانات الأخرى فكانت تتعلق بارتكاب جرائم مثل التأثير على الشهود. والمدانون العشرة كلهم من قادة ميليشيات أفريقية في دول جمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي وأوغندا. وتراوحت الأحكام بين 9 أعوام و30 عاماً في السجن. وأقصى عقوبة سجن ممكنة هي السجن مدى الحياة.