بدأ الفلسطينيون أمس، فعاليات التنديد بذكرى 100 عام على إعلان بلفور، بضرب مجسم له بالأحذية في مدينة بيت لحم، قبل أن تتحول الفعالية لمناسبة للاشتباك مع الجيش الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين بسبب هذا الوعد.
وضرب فلسطينيون بقوة مجسما لوزير الخارجية البريطاني الأسبق آرثر بلفور، الذي أعطى وعدا في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1917، لزعيم الجالية اليهودية آنذاك، ليونيل روتشيلد، يتعهد فيه بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وهتف فلسطينيون ضد بريطانيا وإسرائيل، وهاجموا بقوة رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، بسبب إصرارها على الاحتفال بمئوية الوعد الذي سلبهم أرضهم.
وقال الناشط الشبابي منذر عميرة، إن على ماي الاعتذار بدل الاحتفال، ثم الاعتراف بالدولة الفلسطينية بالحد الأدنى كمحاولة للتعويض. وأضاف: «جئنا هنا لنقول إن حقنا لن يسقط بالتقادم ولا بعد 100 عام أو 1000 عام».
وشكلت مظاهرة بيت لحم بداية فعاليات ومسيرات طويلة أقرها الفلسطينيون، للاحتجاج على مرور قرن على الوعد المشؤوم، وبسبب إصرار بريطانيا على الاحتفال به.
ودعت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وحركة فتح وفصائل فلسطينية مختلفة، الفلسطينيين وكل أحرار العالم في كل مكان، وكافة المؤسسات في الداخل والخارج، إلى أوسع مشاركة في المسيرات والمظاهرات التي ستخرج تنديدا بالذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم، ولإصرار حكومة بريطانيا على الاحتفاء بهذه الجريمة.
وقال عضو المجلس الثوري لحركة فتح والمتحدث باسمها، أسامة القواسمي: «إن الشعب الفلسطيني سيُسمع العالم أجمع صوت الحق المتمثل بالتمسك بالأرض والتاريخ والحق الذي لا يسقط بالتقادم مهما طال الزمن، وإن مقولة الكبار يموتون والصغار ينسون سقطت سقوطا مدويا، فإرث آبائنا من تاريخ وحضارة وألمٍ وأمل، نحمله ونُورثه لأبنائنا جيلا بعد جيل، ولن تسقط الراية حتى تُرفع خفاقة فوق القدس عاصمة دولة فلسطين».
وجدد القواسمي مطالبة الحكومة البريطانية بإلغاء احتفاليتها بالذكرى المئوية للوعد المشؤوم، والاعتراف بدولة فلسطين كخطوة للتكفير عن جريمتها.
ويفترض أن تنطلق اليوم في رام الله ومدن فلسطينية أخرى مسيرات واسعة للتنديد بوعد بلفور.
وتأتي هذه المسيرات فيما أطلقت دائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير الفلسطينية، حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، لمناسبة الذكرى المئوية المأساوية لإعلان وعد بلفور، بدأت أمس الساعة 6 مساء إلى الساعة 10 مساء بتوقيت فلسطين، ومن الساعة 4 مساء إلى 8 مساء بتوقيت بريطانيا، ومن الساعة 12 مساء إلى 4 مساء بتوقيت الولايات المتحدة، واستهدفت حسابات «تويتر» لكل من رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، ووزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، ومكتب الخارجية ورابطة الكومنولث البريطانية، مع استخدام هاشتاغ#MakeItRight.
ويستعد الفلسطينيون لمقاضاة بريطانيا، كما أعلن وزير الخارجية رياض المالكي ومسؤولون آخرون، بعدما فشلت جهود منع الاحتفال بالذكرى المئوية للوعد.
ويفترض أن يحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حفل عشاء تقيمه ماي اليوم، الأمر الذي زاد من الغضب الفلسطيني.
ووصفت السلطة الفلسطينية أمس وعد بلفور، بأكبر جريمة في التاريخ البشري، وخطيئة سياسية وقانونية وأخلاقية ما زال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنها الباهظ من دمه ولحمه الحي.
وقالت وزارة الإعلام إن تفاخر رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي بالوعد ينم عن وقاحة سياسية لم يشهدها التاريخ، وإمعان في انتهاك حقوق الشعب المشروعة، وإصرار على دعم الاحتلال والاستيطان والعدوان.
كما وصفت حركة حماس «وعد بلفور»، بوعد زائف وسرقة للتاريخ والثقافة والحضارة والحياة، منبهة إلى أنه قائم على الافتراء والتسلط وإحلال بقوة الاحتلال لا بقوة المنطق والحق.
ولفتت إلى أن المائة سنة لم تذهب تضحياتها هدراً، وقالت إن حلم الاحتلال باحتفاله بمائة عام على قيامه، ستقصر أجله سواعد المجاهدين وقبضة المقاومين.
وأكدت الحركة أن بريطانيا ارتكبت مجزرة تاريخية بحق شعب له وجود وثقافة وتاريخ، وهي ملزمة اليوم بالتكفير عن خطيئتها بإعادة الحقوق لأهلها، وطالبتها بالاعتذار العملي للشعب الفلسطيني بعودة اللاجئين الذين هُجروا عن أرض فلسطين التاريخية إلى موطنهم الأصلي، وتعويضهم عما لحق بهم، ودعم حقهم في الحرية والاستقلال.
وفي إسرائيل بادرت لجنة المتابعة العربية، التي تضم كل الأحزاب الوطنية لفلسطينيي 48، سلسلة نشاطات احتجاج ستبلغ ذروتها بمظاهرة أمام السفارة البريطانية في تل أبيب.
وقد أصدرت اللجنة بيانا دعت فيه الأحزاب واللجان الشعبية لتنظيم وقفات احتجاج وندوات فكرية ودروس في المدارس ضد هذا الوعد، في جميع القرى والمدن العربية.
وقال رئيس المتابعة، محمد بركة، إن «الوعد الاستعماري البريطاني للحركة الصهيونية، هو وعد من لا يملك، لمن لا يستحق. وقد كان دور الاستعمار البريطاني على مدى العقود الثلاثة في فلسطين، تطبيق الوعد المشؤوم على الأرض. وتمسك بريطانيا اليوم بهذا (الوعد) واحتفاؤها به، يزيد من مسؤوليتها المباشرة عن الجريمة العظمى التي ما تزال تلحق بفلسطين وشعبنا حتى يومنا هذا». وأضاف أن «نشاطنا لطرح موضوع وعد بلفور هو جزء من حراك فلسطيني ودولي للتصدي للإجحاف الصارخ، في هذا الوعد، هذا الحراك الذي تبنته م. ت. ف، ويلقى دعما من كل مكونات الشعب الفلسطيني». وختم بركة بالقول إن «مطالبنا في هذا الحراك تتلخص فيما يلي: على بريطانيا أن تعتذر وتتراجع عن وعد بلفور، أن تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية والعملية عن الكوارث التي خلّفها هذا الوعد على الشعب الفلسطيني وأن تعلن اعترافها بدولة فلسطين على جميع المستويات الدولية».
وفي القاهرة، قال الأمين العام لجامعة العربية أحمد أبو الغيط، إن «تورط بريطانيا في إعطاء (وعد بلفور) لا ينبغي أن يُمثل أبداً مناسبة للاحتفال أو أن يكون سبباً للشعور بالفخر أو التباهي، لأنه يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق شعبٍ بأكمله».
وأضاف أبو الغيط، خلال استقباله، أمس، لسفير فلسطين لدى مصر ومندوبها الدائم بالجامعة العربية جمال الشوبكي، والذي أنهى مهمة عمله، أن «خطاب بلفور» وما فيه من «تعهدات يُمثل ذروة الانحياز الدولي ضد الشعب الفلسطيني، ويُعد تجسيداً لعدم الاكتراث بحقوقه التاريخية في أرضه».
ودعا مندوب فلسطين لدى الجامعة، إلى «مزيد من العمل السياسي والدبلوماسي تجاه الاتحاد الأوروبي، واتجاه الدول الخمس الكبرى خاصة بريطانيا للاعتراف بدولة فلسطين، وضرورة إنصاف الشعب الفلسطيني والتقليل من الآثار المدمرة التي وقعت عليه»، مشيراً إلى أن «هناك أكثر من 6 ملايين لاجئ فلسطيني في المهجر ومعظمهم في مخيمات ويعيشون عيشة صعبة بسبب انتداب بريطانيا».
وفي لندن أصدر «فريق وحدة دعم المفاوضات» بيانا جاء فيه «إن الذكرى المئوية لوعد بلفور هي الوقت المناسب لمصالحة السلام بالعدالة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، وبما يتفق مع المبدأ الذي تدعي بريطانيا بأنها تناصره، ألا وهو حقوق متساوية للجميع بموجب القانون». ودعا «فريق وحدة دعم المفاوضات» بريطانيا إلى الاعتراف الفوري بدولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل، على أساس حدود ما قبل حزيران عام 1967، مثلما فعل ثلثا أعضاء الأمم المتحدة.
متظاهرون في بيت لحم يحرقون لافتة عليها علما إسرائيل وبريطانيا وصورة لماي واللورد بلفور (إ.ب.أ)






