ماركس ونيتشه وما يجمعهما

تأثيرهما لا يزال ممتداً إلى زمننا المعاصر

نيتشه - ماركس
نيتشه - ماركس
TT

ماركس ونيتشه وما يجمعهما

نيتشه - ماركس
نيتشه - ماركس

في كتاب «نهاية التاريخ وخاتم البشر»، يقترح مؤلفه المفكر الأميركي فوكوياما مصطلحين مشتقين من اللغة الإغريقية: الميغالوثيميا والأيسوثيميا.
الميغالوثيميا هو النزوع نحو تحقيق التفوق على الآخرين، أو بصيغة أخرى النزوع لتحقيق المجد الشخصي. أما الأيسوثيميا، فهو النزوع لتحقيق المساواة مع الآخرين.
ومن الممكن أن تكون الميغالوثيميا ذات تأثير سلبي في المجتمعات التي لم تقيَّد بعد إرادة الفرد السياسية في الاستبداد وفرض إرادته على الآخرين، بحيث يحولهم بشكل أو بآخر إلى عبيد يتحكم بمصائرهم ومصائر أبنائهم، وبالتالي إشباع هذا النزوع بالتفوق على الآخرين عبر انتزاع السلطة، سواء عبر انقلاب عسكري، كما هو الحال في كثير من بلدان العالم الثالث، حيث الدولة فيها ما زالت في طور النشوء. وحال استلامه للحكم تحت شعار تحقيق الأيسوثيميا (النزوع لتحقيق المساواة بين المواطنين)، يبدأ بالتخلص من رفاق دربه الذين ينازعونه على حصة من المجد الشخصي، أو يشاطرونه في الميغالوثيميا.
لقد استطاعت المجتمعات التي اتبعت الخط الفكري السياسي الذي خطه المفكران الإنجليزيان توماس هوبز وجون لوك في القرن السابع عشر، عبر كتابيهما: «اللوياثان» و«مقالتان في الحكم»، أن تجسد مبادئهما في الحكم المدني، حيث وجود الحاكم لخدمة الرعية أولاً وآخراً، وحيث القيود المفروضة عليه، من تداول للحكم عبر الانتخابات إلى استقلالية القضاء إلى وجود مجلس تشريعي منتخب قادر على محاسبته، نزعت عن الحاكم قدرته على اللدغ، أو قدرته على تحقيق المجد الشخصي على المستوى الوطني، دون الحصول على موافقة المؤسسات المقيدة له. وقد جاءت الثورتان الفرنسية والأميركية لترسخا كثيراً من أفكار هوبز ولوك، ومن أعقبهما من مفكري عصر التنوير الفرنسيين. وتمثل ذلك في الدستور الأميركي، الذي ضمن تحقق المبدأين الأساسيين للثورة الفرنسية: الحرية والمساواة. والحريّة التي ضمنها الدستور تشمل حرية التعبير والاعتقاد، وحرية التملك، ومساواة الجميع أمام القانون والقضاء.
وانطلق هوبز من فكرة أن اللويثان، الذي هو كائن أسطوري مهول جاء ذكره في العهد القديم، يمثل الدولة القوية القادرة على نقل الإنسان ومجتمعه من المرحلة الطبيعية، حيث الإنسان مسؤول عن حماية نفسه وعائلته وملكيته بنفسه، إلى مجتمع مدني يتخلى فيها الإنسان عن هذا الدور للدولة. ومقابل هذا التخلي الذي يشمل التخلي عن الميغالوثيميا في مجال فرض إرادته على غيره، والقيام بدور القاضي والمنفذ للحكم ضد من يسعى إلى إيذائه أو التقليل من شأنه.
وينطلق هوبز ولوك في تبرير النظام الذي رسما ملامحه من مسلمة ترى أن القوة الأساسية التي تحرك الإنسان هو سعيه للحفاظ على حياته، وأن حياة الفرد مقدسة، لذلك فإن تخليه عن الميل للتميز وإشباع الميغالوثيميا المزروعة فيه لصالح النزوع للأيسوثيميا (النزوع إلى المساواة بالآخرين) يأتي مقابل ضمان حياته وحريته ومساواته بالآخرين، وبالتأكيد يكون ذلك من خلال القبول بسلطة الدولة المطلقة عليه، أو كما يسميها هوبز اللوياثان.
والتخلي عن المرحلة الطبيعية، والقبول بالمرحلة المدنية، هو التحول الأساسي الذي عاشه العالم الأنجليساكسوني أولاً، وتمثل في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا، ثم أعقبتها أستراليا ونيوزيلندا. كذلك جاءت الثورة الفرنسية لتنهي الأنظمة الأرستقراطية التي كانت سائدة في أوروبا، عبر إقطاعيات يحكمها أمراء ودوقات وكونتات، حيث الحرية والمساواة محصورة بالنخبة.
لقد عاش ماركس شبابه في منتصف الأربعينات من القرن التاسع عشر وهو يرى عضوية البرلمان البريطاني محصورة بأصحاب الأرض، والطبقة العاملة الأوروبية محرومة من كثير من الحقوق الأولية. ومن هنا، جاءت أطروحته «ديكتاتورية البروليتاريا»، بديلاً عن «ديكتاتورية البورجوازية»، إضافة إلى عدم الاكتفاء بمنح المواطنين فرصاً متكافئة للاغتناء، بل إن المساواة لن تتحقق إلا بنزع ملكية وسائل الإنتاج من يد أصحابها، ومنحها إلى العمال. فباقتراحه مصطلح فائض القيمة الذي «يسرقه» الرأسماليون من العمال، أصبح الأخيرون طفيليين يعيشون على السرقة، وبالتالي تم نزع الإطار الأخلاقي عنهم، ووفر الأرضيّة الأخلاقية للثورة المقبلة.
بالطبع، شهد ماركس في سنوات حياته الأخيرة تطوراً آخر في المجتمع لم يأخذ اهتماماً كبيراً في كتابه «رأس المال»، وأعني نمو الطبقة المتوسطة الذي بدأ بعد انتهاء الحروب النابليونية، وتوقيع اتفاقية باريس عام 1814، فتنامي ثروات كثير من البلدان الأوروبية، مع التطور الصناعي وتطور التكنولوجيا والتوسع الإمبريالي لبعضها، ساعد على توسع هذه الطبقة بشكل كبير، وبروز كثير من المهن والحرف خارج الإطار الكلاسيكي، المتمثل بالطبقتين الأساسيتين: الرأسمالية والبروليتاريا.
وإذا كانت أفكار ماركس تصب في تحقيق الأيسوثيميا بأقصى أشكالها، من خلال انتزاع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج من الرأسماليين، وتسليمها للطبقة العاملة (دون تحديد الآلية لتحقيق ذلك)، فإن نيتشه الذي برز في عصر آخر هو الآخر كان ضد النظام الرأسمالي الذي رسخ النمط الديمقراطي الليبرالي، والذي تحققت فيه الأيسوثيميا خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، على حساب اندثار الميغالوثيميا: الميل للتماثل والتساوي مع الآخرين، والاستمتاع بما حققه الرفاه الاقتصادي، والقبول بالقواعد السياسية والقانونية والإدارية التي فرضتها الدولة على مواطنيها. هذا المجتمع من وجهة نظره مجتمع يسود فيه العبيد. وكم تعكس أفكاره في كثير من كتبه ذلك الإعجاب بالمجتمع الروماني، حيث الحرية كانت كما يقول هيغل محصورة على الأقلية، تلك الأقلية المستعدة لأن تضحي بحياتها من أجل المجد الشخصي. وما تحقق في عصره هو تحقق آيديولوجيا العبيد المتجسدة بالمسيحية. ومن هنا، جاء هجومه العنيف على المسيحية. كذلك حملت كتاباته تنبؤاً باستيقاظ الميغالوثيميا مستقبلاً، لتفتح الباب أمام حروب كبيرة تضمن تحقق المجد لمن يخوضها.
كان كثير من الشباب الألماني متحمس لخوض الحرب، بعد اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرديناند عام 1914، على الرغم من أن ألمانيا لم تكن طرفاً في النزاع بين إمبراطورية النمسا - المجر وصربيا، لكنهم كانوا تحت تأثير تلك الأفكار التي طرحها نيتشه في كتبه بلغة نبوئية ساحرة. فمن وجهة نظره، ليس من الضروري أن يكون هناك هدف محدد في سعينا لتحقيق قوة الإرادة الساكنة فينا، التي يطلق عليها فوكوياما الميغالوثيميا.
ومع ذلك، فإن مبدأي الميغالوثيميا والأيسوثيميا ظلا فعالين بشكل إيجابي في كثير من جوانب الحياة الفنية والثقافية والعلمية وغيرها.
فوراء هذا النزوع لتحقيق التفوق على الآخرين في هذه المجال أو ذاك، كرس كثير من المبدعين القسط الأكبر من حياتهم، وبشكل دؤوب، لتحقيق ذلك على أرض الواقع. ومن هنا، تمكنت مدام كوري من أن تحصل على جائزة نوبل مرتين، وأن يؤدي تعاملها مع المواد المشعة إلى إصابتها بالسرطان. وبروحية مماثلة، حققت زها حديد إنجازاً متميزاً في فن العمارة، بكسر القواعد السائدة في هذا الحقل، وكذلك ما حققه بيل غيت وستيف جوبز من إنجازات غيرت من طرائق التواصل الاجتماعي تغييراً ثورياً منقطع النظير، وما حققه آلاف المبدعين الذين صاغوا ملامح عصرنا اليوم.
كذلك هو الحال مع الأيسوثيميا (النزوع للمساواة)، إذا نراها قد تحققت لصالح كثير من الأقليات عبر النضال السلمي، كما نراه في حركة الحقوق المدنية للسود في أميركا؛ ووصول أول رئيس أسود للولايات المتحدة كان دليلاً ملموساً على قطع شوط مهم في تحقيق أهدافها.
ولم يكن ممكناً تحقق كل هذه النجاحات إلا في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية.



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».