وزير التخطيط اليمني لـ {الشرق الأوسط} : نعيش مرحلة إرباك.. والجميع يتحمل المسؤولية

د. محمد السعدي قال إن بلاده تحتاج لثلاثة إلى أربعة مليارات دولار لسد عجز الموازنة.. والسعودية أكبر مانح ملتزم

وزير التخطيط اليمني الدكتور محمد السعدي («الشرق الأوسط»)
وزير التخطيط اليمني الدكتور محمد السعدي («الشرق الأوسط»)
TT

وزير التخطيط اليمني لـ {الشرق الأوسط} : نعيش مرحلة إرباك.. والجميع يتحمل المسؤولية

وزير التخطيط اليمني الدكتور محمد السعدي («الشرق الأوسط»)
وزير التخطيط اليمني الدكتور محمد السعدي («الشرق الأوسط»)

يواجه اليمن تحديات كبيرة، انعكست على مختلف الجوانب السياسية، والاقتصادية، والأمنية، وتزايدت في الفترة الأخيرة تحذيرات من تدهور اقتصادي مخيف، يهدد مرحلة عملية نقل السلطة، وإعادة البلاد إلى نقطة الصفر. وفي حوار أجرته «الشرق الأوسط»، مع وزير التخطيط والتعاون الدولي في حكومة الوفاق الدكتور محمد السعدي، أكد أن بلاده تحتاج لما بين ثلاثة إلى أربعة مليارات دولار لسد العجز في الميزانية، مشيرا إلى أن السعودية كبرى الدول المانحة التي التزمت بتعهداتها. ودعا السعدي القوى الحزبية والقبلية، والقوى المسلحة في البلاد إلى ترك الصراعات، والتنافس من أجل المستقبل. وتحدث أيضا عن أهم التحديات، وسبل معالجة الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، فضلا عن ملفات المانحين، ومستقبل اليمن في ضوء ما يمر به حاليا.
* أطلقت الحكومة اليمنية والرئيس عبد ربه منصور هادي، تحذيرات من مخاوف انهيار اقتصادي، ما أهم الخطط التي وضعت لمعاجلة ذلك؟
- الأوضاع الاقتصادية للبلاد مؤلمة، وقد قدمنا الكثير من الخطط، والدراسات والأفكار لمعالجة كثير من التحديات التي تواجه البلد. نحن نحتاج إلى سياسات تتبناها الحكومة بكل أطرافها، بمشاركة القطاع الخاص، والشرائح المجتمعية الفاعلة. هناك صعوبات كثيرة؛ أهمها ما يتصل بالخدمات العامة، كالكهرباء والمشتقات النفطية. وهناك الآن عجز في الموازنة، ونحتاج بشكل عاجل لنحو ثلاثة إلى أربعة مليار دولار، لسد عجز الموازنة، للمرحلة المقبلة.
* هل تنجح الحكومة في التغلب على المشاكل الاقتصادية التي أثرت في حياة المواطن البسيط؟
- نحن متفائلون، واليمن قادر على تجاوز أي صعوبات، وعلى الجميع أن يتحمل المسؤولية المشتركة بعيدا عن لوم كل طرف الآخر، لكن السؤال الأهم هو: إلى أين نحن ذاهبون؟! وكيف يمكن الحفاظ على ما تحقق خلال الفترة الماضية، من الاستقرار والتغيير السياسي؟ فالبلاد تعيش مرحلة انتقالية صعبة، وعملية التعافي من المشاكل الاقتصادية، هي مرحلة أولية وبعدها تأتي مرحلة الإنعاش، ثم مرحلة النمو.
* في أي مرحلة يعيش اليمنيون الآن؟
- نحن نعيش مرحلة الإرباك، بصريح العبارة، التي تتطلب التغلب عليها للوصول إلى الاستقرار، وهو ما عملت عليه الحكومة خلال الفترة الماضية، وهي مرحلة يمكن تسميتها المرحلة الإسعافية، على أمل التعافي، فعندما تسلمت حكومة الوفاق مهامها نهاية 2011، وجدنا كثيرا من المشاريع مغلقا، ومشاريع متعثرة، ومشاريع لم تنفذ رغم وجود تمويل لها منذ سنوات، بمعنى كانت هناك تراكمات من العمل العبثي، والتواكل، لم تكن هناك غرفة تدير وتتابع وتضع الرؤية وتقيم وتحاسب وتعاقب، لذا لم تكن النتائج متوقعة مع طموحات الناس، حيث كان يتوقع الكثيرون تغييرا جذريا في كل شيء، وكأن ذلك أمرا سهلا.
* لكن الانتقادات توجه إلى الحكومة واتهامها بالفشل في مهامها.
- حكومتنا مظلومة، فهي حكومة انتقالية، لا يمكنها إنجاز تنمية في هذه المرحلة، وإنما يمكن القول إن الحكومة نجحت إلى حد كبير في وقف التدهور السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، فثبات سعر صرف العملة واستقرار أسعار المواد السلعية، يعدان نجاحا، كما أننا لم نطلب موازنة إضافية، رغم أن الحكومات السابقة كانت تطلب موازنات إضافية تساوي موازنتها المعتمدة.
* في تصورك، من المسؤول عن التدهور الاقتصادي والأمني؟
- ليس من الإنصاف تحميل جهة واحدة تراكمات الفشل في الماضي، التراكمات يجب أن تتوزع على كل من كان في الحكم حتى الذين سكتوا وسمحوا للفوضى والفساد بأن ينموا ويقويا. لكن لأن الحكومة مسؤولة عن المرحلة الانتقالية، فإن كل اللوم يوجه إليها، فصناعة القرار عملية سهلة، لكن الأمر المهم هو التنفيذ، والتغلب على التحديات، لذا نحن بحاجة إلى أن نتحمل جميعا المسؤولية لتجاوز هذه المرحلة الانتقالية، والتوقف عن اللوم، فنحن على سفينة واحد.
* انتهى مؤتمر أصدقاء اليمن في لندن.. ما الذي نفذ من مخرجاته؟
- مؤتمر أصدقاء اليمن في لندن، ناقش ثلاثة محاور أساسية، هي: المحور السياسي، والأمني، والاقتصادي، وقد ركز بشكل أساسي على المحور الأمني، والاقتصادي، لأنهما متأخران عن عملية التحول السياسي. وقد اتفقنا مع الأصدقاء على إعادة هيكلة مهامنا عبر تحويل المحاور الثلاثة إلى كيانات متخصصة، ومن المتوقع أن يعقد بصنعاء خلال الأسبوعين المقبلين، لقاء للجنة المعنية بالجانب الاقتصادي، ويمثل أصدقاء اليمن، سفراؤهم باليمن، أو خبراء متخصصون.
* كم تبلغ التعهدات المالية للمانحين ومجموعة أصدقاء اليمن؟
- هي ثمانية مليارات دولار، وقد جرى تخصيص جزء كبير منها خلال العامين الماضيين، في الإنفاق والتعاقدات، ففي الإنفاق نفذ ما نسبته، 26 في المائة، وفي التعهدات جرى نحو 36 في المائة، بإجمالي بلغ 62 في المائة، وقد خصصنا جزءا من المنح لمشاريع البنية التحتية كمشاريع الطرق والمياه والكهرباء، والمدن الطبية، فهناك مشروع مدينة الملك عبد الله بن عبد العزيز الطبية بالعاصمة صنعاء والبالغ تكلفتها 230 مليون دولار، تساهم المملكة العربية السعودية بمبلغ 200 مليون دولار، والحكومة اليمنية بـ30 مليون دولار. وهناك مشروع طريق عدن - تعز، بطول 140 كلم، وهو مشروع استراتيجي ضمن مشروع الطريق الدولي بين عدن وصعدة الممول من البنك الدولي والصندوق السعودي للتنمية، وكثير من المشاريع تحتاج إلى فترة زمنية ليست بسيطة لتنفيذها.
* هناك دول أعلنت عن تعهدات مالية لليمن خلال مؤتمرات دولية.. ما حجم التعهدات التي تسلمتها اليمن؟
- في البداية، لا بد من توضيح.. الحكومة لا تتسلم أي أموال من المانحين، بل تقوم بالتنسيق والإشراف والتخطيط للمشاريع والاحتياجات، فالمانح يعلن عن التزامه، ويجري الاتفاق مع الحكومة على اختيار المشاريع، وإقرارها، ومن ثم اختيار مقاول لها، ويجري تسليم التعهدات المالية إلى المقاول من المانحين. وهناك جزء بسيط من التعهدات خصص لتمويل الموازنة أو دعم المرحلة الانتقالية، كتمويل صندوق تعويضات الجنوب، وهي تعهدات مالية مولها صندوق النقد العربي وصندوق النقد الدولي ودولة قطر، وقد شكلت الحكومة جهازا تنفيذيا لتسريع استيعاب تعهدات المانحين، ويقوم بتوفير الدراسات المطلوبة للمشاريع، ووضع المعايير التي تتوافق مع معايير المانحين.
* هل يعني ذلك أن المانحين لا يثقون بالحكومة؟
- الثقة قصة تراكمية، ولو تابعنا سير الأحداث منذ المؤتمر الأول للمانحين، عام 2006 فسنجد أن عددا من المانحين لم يلتزم بما تعهد به، لأسباب أمنية، أو قانونية، أو ربما عدم قدرة الحكومة آنذاك على إعداد مشاريع لاستيعاب تعهدات المانحين، إضافة إلى أسباب سياسية، فبعد أن يجري الإعلان عن التزام مالي، وحين يبدأ موعد الدفع، تأتي الاعتذارات.
* ماذا عن دعم دول الخليج في مجموعة أصدقاء اليمن؟
- المملكة العربية السعودية هي الأكبر والأسرع، في تقديم تعهداتها، حيث قدمت في المرحلة الأولى مليار دولار، يمثل ربع الالتزام، وخصص ذلك لمشاريع استراتيجية كبيرة. وبشكل عام، تسير الأمور بشكل أفضل، ودول الخليج من أكبر داعمي اليمن، ولها دور كبير فيما وصلت إليها المرحلة الانتقالية، القائمة على جهودهم، وعلى المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.
* هل هناك دعم مباشر للمشاريع الإنسانية في اليمن؟
- نعم. من إجمالي تعهدات «أصدقاء اليمن»، الثمانية مليارات دولار، خصص نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار، في الدعم الإنساني، كدعم مباشر، عن طريق منظمات الأمم المتحدة، مثل برنامج الغذاء العالمي، أو منظمة الصحة، أو برامج إغاثة النازحين، وهي ممولة من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، إضافة إلى دول أخرى ومؤسسات دولية.
* هل هناك اشتراطات لـ«أصدقاء اليمن» لتقديم التزاماتهم تجاه اليمن؟
- مؤتمرات «أصدقاء اليمن» التي عقدت في الرياض، واستكملت في نيويورك، جمعت نحو ثمانية مليارات دولار، لكن المانحين لا يعطون التعهدات المالية من دون اشتراطات، وأخيرا وقعنا وثيقة المسؤوليات المتبادلة، بين المانحين والحكومة، وتتضمن التزام اليمن بمحاربة الفساد، وبالشفافية، وإصلاحات سعرية، إضافة إلى خلق فرص عمل، وغيرها، وهذه الالتزامات حصل فيها تقدم وتعثر.
* النفط هو المورد الرئيس للدولة.. ألا توجد موارد أخرى؟
- اليمن كما هو معروف لديه موارد متعددة، لكنها لا تستغل.. على سبيل المثال، هناك مساحات زراعية كبيرة، ومخزون جوفي من المياه في كثير من المناطق، مثل وادي الجوف شمال شرقي البلاد، وفي حضرموت وأبين، ومن الموارد أيضا، المعادن المتعددة، إضافة إلى الموقع الجغرافي الذي يمكن استغلاله في إنشاء عدة مناطق حرة، والأهم من كل ذلك هو الثروة البشرية التي تمتلكها اليمن والتي بيدها تغيير الواقع إلى الأفضل.
* ما المتطلبات العاجلة لتتجاوز الحكومة التحديات؟
- المشروع الاستراتيجي الأساسي يكمن في توفير البيئة الآمنة لمرحلة الاستقرار، فالبلاد تحتاج إلى إصلاحات سياسية واقتصادية، ليست سهلة، والمطلوب رؤية نحو المنفعة، رؤية تتجه نحو البناء والتنمية بدلا من الصراعات السياسية والمذهبية والمناطقية، التي أساءت إلى سمعة اليمن، وعرقلة عملية التغيير في البلاد.
* إلى أين يتجه مستقبل اليمن؟
- صناعة المستقبل بيد اليمنيين، وليس بيد غيرهم، فالدول المانحة والصديقة هي مساعدة لنا، وتغيير الواقع إلى الأفضل بيدنا، لذا فمن الأهمية أن تتحول الصراعات والمناكفات السياسية إلى تنافس من أجل البناء والتطور، والبحث في كيفية استغلال مواردنا، وجذب المستثمرين، لتأسيس مستقبل أفضل للبلاد.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.