الهند ولعبة التوازنات بين روسيا والولايات المتحدة

العلاقات مع واشنطن تعكس طموحاً... والروابط مع موسكو حقيقة صعبة

تيلرسون قبل توجهه إلى دلهي مع رئيس الوزراء الباكستاني في إسلام آباد (أ.ب)
تيلرسون قبل توجهه إلى دلهي مع رئيس الوزراء الباكستاني في إسلام آباد (أ.ب)
TT

الهند ولعبة التوازنات بين روسيا والولايات المتحدة

تيلرسون قبل توجهه إلى دلهي مع رئيس الوزراء الباكستاني في إسلام آباد (أ.ب)
تيلرسون قبل توجهه إلى دلهي مع رئيس الوزراء الباكستاني في إسلام آباد (أ.ب)

لا يحدث كل يوم أن يلقي وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خطابا يحدد فيه على الملأ ملامح السياسة الخارجية لإدارة ترمب وأسلوب تعاملها مع جنوب آسيا. لكن هذا بالتحديد ما حدث قبل أيام من زيارته المرتقبة إلى دلهي، حين تطرق إلى أن واشنطن تعقد الآمال على الهند في مواجهة الصين بمنطقة المحيطين الهندي والهادي. ومن المقرر أن يقوم تيلرسون بزيارة إلى نيودلهي الأسبوع المقبل.
ففي الكلمة التي ألقاها في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية والأبحاث» بواشنطن، أعلن تيلرسون أن العلاقات الوثيقة مع الهند ستمثل أولوية للولايات المتحدة على مدار المائة عام المقبلة. فبعدما كانا ديمقراطيتين متباعدتين في زمن الحرب الباردة، اليوم أصبحت الهند والولايات المتحدة، وفق تيلرسون، «تمثلان ضفتي الاستقرار على جانبي العالم بدفاعهما عن الأمن والرخاء لمواطنيهما وللناس بمختلف أنحاء العالم». وقال باراث غوبالسوامي، الذي يعمل لدى «ذا أتلانتك كاونسل» (أو المركز الأطلسي) بواشنطن في تعليقات لـ«نشرة السياسة الخارجية»: «أعتقد أنه (خطاب حب)، فهو يشير إلى شراكة بالغة القوة».
كذلك تناولت كلمات تيلرسون الصين التي تعد المنافس الاستراتيجي للهند، وتحديدا مشروع بكين الأكبر الذي يحمل اسم «حزام واحد وطريق واحد» والمقرر أن يستوعب استثمارات ضخمة في وسط وجنوب آسيا لربط الصين بأوروبا عن طريق البر والبحر. وبحسب أنكيتت باندا الذي يكتب بمجلة «ديبلومات»، التي تتخذ من لندن مقرا لها، فهذه «المرة الأولى التي بدأنا نرى فيها بصيص ضوء لاستراتيجية آسيا من إدارة ترمب، القائمة على مواجهة مبادرة (حزام واحد)، التي شرعت الصين في تنفيذها منذ 4 سنوات. فنيودلهي تتابع الأمر مع واشنطن. وعلينا أن نتذكر أن التصريح المشترك الذي صدر عن ترمب ورئيس الوزراء الهندي مودي الصيف الحالي تضمن رفضا ضمنيا للمبادرة الصينية».
ومن المهم هنا أن نذكر أن سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، ذكرت منذ أيام معدودة أن الهند بمقدورها مساعدة الولايات المتحدة في مراقبة باكستان، لأن الولايات المتحدة لن تتسامح مع أي حكومة تدعم الإرهاب.

- الهند تقترب من روسيا أيضاً
وفي إشارة سياسية قوية إلى أن العلاقات الثنائية بين الهند وروسيا حاليا أقوى من أي وقت مضى، فقد شرعت روسيا في تنفيذ أول تدريباتها العسكرية المشتركة التي تضم قواتها البرية والبحرية والجوية، مع الهند، في مناورات بدأت الأسبوع الماضي وتستمر 11 يوما في 3 مواقع داخل وحول مدينة فولدفوسيك الروسية المتاخمة للصين. وصرح السفير الروسي لدى الهند أليكساندر كداكين، بأن روسيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي منحت الهند غواصة نووية. لكن لماذا تستمر الهند في احتضان روسيا رغم أن الولايات المتحدة تقف في صفها؟
يقول الخبراء إن الهند تريد أن توازن علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة وروسيا. ففي السنوات الأخيرة، تقاربت الهند مع الولايات المتحدة واليابان، ويقال إن الهند رفعت من معدل واردات الأسلحة الأميركية وإنها جعلت الولايات المتحدة تحل محل روسيا، بوصفها أكبر مورد لأسلحتها. وتساءل البعض في الهند عما إذا كانت العلاقات بين نيودلهي وواشنطن قد تمثل خطرا على العلاقات بين نيودلهي وموسكو. فالهند تسعى إلى تعزيز نفوذها الإقليمي من خلال التدريبات المشتركة مع روسيا. ومع زيادة حدة التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا، فالهند تعد الهدف المشترك الذي يسعى هذان القطبان إلى كسب وده. فالولايات المتحدة واليابان عملا على تعزيز التعاون مع الهند في مجال الأمن البحري، وكذلك ساهمت التدريبات مع روسيا في تعزيز وجود الهند العسكري في شمال شرقي آسيا. وفي المستقبل ربما يكون للهند مكان في العلاقات مع دول شمال شرقي آسيا، وتقحم نفسها في أزمة كوريا الشمالية النووية.
وقال دبلوماسي هندي طلب عدم ذكر اسمه: «لقد حرصت روسيا على استمرار علاقاتها مع الهند لعقود طويلة، لكن الولايات المتحدة هي المكان الذي يهاجر إليه الهنود سعيا لحياة أفضل. وهذه هي الطريقة التي ينظر بها الهنود إلى القوتين العظميين؛ الأمر بتلك البساطة».

- دورها في أفغانستان
الهند تعمل أيضا مع واشنطن وموسكو لإعادة الاستقرار إلى أفغانستان، على الرغم من محاولات باكستان عرقلة المشروعات التي تدعمها دلهي. وفي بداية الشهر الحالي، كانت هناك اتصالات هندية - أميركية، وهندية - روسية، بشأن أفغانستان، فوزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس والمبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأفغانستان، زمير كابلوف، كلاهما وصل إلى دلهي لاستكشاف أفق التعاون الثنائي والإقليمي بشأن أفغانستان والإجراءات الممكنة لإعادة الاستقرار والأمن في هذه الدولة. كذلك صرح تيلرسون في خطابه بأن الهند وباكستان، مثلا، عنصران مهمان في الجغرافيا السياسية الأفغانية، وكلتاهما أوحت بتغيير في المسار، في اتجاه مخالف لموقف واشنطن التقليدي؛ التغيير الذي يقول إن تحسن العلاقات الهندية - الباكستانية ستكون له نتائجه الإيجابية على أفغانستان.
وبحسب روي تشاودري، الباحث في «مركز الشرق الأدنى للدراسات الاستراتيجية» التابع لـ«جامعة الدفاع الوطنية» الهندية، فقد مثلت الاستراتيجية الأميركية بشأن أفغانستان فرصة للهند. وأضاف تشاودري: «لم يحدث أن تحدث رئيس أميركي سابق عن باكستان بمثل الحدة التي تحدث بها ترمب»، مضيفا: «وللمرة الأولى، فقد دعا رئيس أميركي الهند علانية لأن تلعب دورا أكبر في تنمية اقتصاد أفغانستان، مما يعطي شرعية لنفوذ الهند في تلك الدولة».

- نشاط مودي في العلاقات الخارجية
فضلت حكومة مودي التقارب الودي بين الرئيس ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
الفئات الموالية لرئيس الوزراء الهندي تزعم أن التدخل الشخصي النشط لمودي على جبهة العلاقات الخارجية هو السبب وراء تحسن العلاقات الثنائية المتنامية حاليا. وخلال السنوات الثلاث الماضية، قضى مودي 146 يوما خارج البلد؛ زار خلالها 49 دولة، منها 8 دول زارها مرتين، و4 دول 3 مرات، وزار الولايات المتحدة وحدها 5 مرات.
وبمقدور الهند أن تنتعش في ظل علاقات أميركية - روسية فاترة، وكذلك في ظل علاقة دافئة بين ترمب والرئيس الصيني، ما دامت واشنطن لا تطالب الهند بالتوقف عن التقارب مع روسيا.
وصرح باهرات كرناد، أستاذ دراسات الأمن القومي في «مركز الأبحاث السياسية» في دلهي، بأن «العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة تعكس طموحا، فيما تعد الروابط مع روسيا حقيقة صعبة». وأفاد المبعوث الهندي السابق لروسيا كانوال سيبال، بأن أمام الهند تحديا دبلوماسيا يتمثل في المحافظة على التوازن بين علاقاتها مع روسيا ومع الولايات المتحدة. وأفاد سيبال بأن «علاقات الدفاع الهندية مع الولايات المتحدة تلبي احتياجاتها في مجالات لن تستطيع روسيا تلبيتها. فالصين تستطيع أن تلعب دورا في الحد من طموحات الهند في مناطق المحيط الهادي والمحيط الهندي، وهو ما لا تستطيع روسيا فعله». وأضاف: «علاقة بلادنا مع الولايات المتحدة تحسنت بدرجة كبيرة في الوقت الذي توترت فيه العلاقات الروسية - الأميركية. فروسيا ينتابها بعض الشك بشأن علاقاتنا مع الولايات المتحدة، خصوصا اعتداءها على قطاع الأمن الهندي، وهو ما يرى الروس أنه جاء على حسابهم. وأمامنا تحدٍّ دبلوماسي يتمثل في المحافظة على توازن علاقاتنا مع روسيا وأميركا»، بحسب سيبال. وشدد على أن الهند تشترك في كثير من الأهداف مع روسيا فيما يخص شمولية الهيمنة الدولية، وإصلاح المؤسسات المالية الدولية، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الدولية للدول واستخدام الديمقراطية ذريعة لزعزعة استقرار الدول.
وعلق الخبير الأميركي آشلي تيليس في محور حديثه عن العلاقات الهندية - الروسية بأن الهند ستحافظ على علاقاتها مع روسيا «بمعزل عن الولايات المتحدة»، حيث تتطلع موسكو إلى تقديم قدرات وتكنولوجيا بالغة التطور لن تقدمها الولايات المتحدة. وما يثير الاهتمام أن الهند تستعد في العام الحالي للاحتفال بمرور 70 عاما على بداية العلاقات مع روسيا والولايات المتحدة.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».