البحث عن مفاتيح الروح الإنسانية خلال الحرب الجزائرية

رواية «حيث تركتُ روحي» للفرنسي جيروم فيراري الفائز بجائزة {غونكور}

البحث عن مفاتيح الروح الإنسانية خلال الحرب الجزائرية
TT

البحث عن مفاتيح الروح الإنسانية خلال الحرب الجزائرية

البحث عن مفاتيح الروح الإنسانية خلال الحرب الجزائرية

لا يميل الروائي الفرنسي جيروم فيراري إلى النسق التقليدي في السرد الروائي، ولا يعوِّل كثيراً على البنية النمطية التي تتدفق بخط مستقيم، وإنما يعتمد على الومضات والشذرات القصصية التي تتيح له حرية التلاعب بالأزمنة، وإمكانية العودة إلى الوراء بواسطة الارتجاعات الذهنية أو الذهاب إلى المستقبل عبر تشظيات المخيلة المتأججة، وهذا ما فعله بالضبط في رواية «حيث تركتُ روحي» الفائزة بجائزة تلفزيون فرنسا لأفضل رواية عام 2010، التي صدرت أخيراَ دار مسكيلياني بترجمة محمد صالح الغامدي ومراجعة هالة العتيري، وهي للأمانة ترجمة دقيقة، سلسة، ومستوفية لشروطها توهجها الأدبي.
لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الجانب الفلسفي في روايات فيراري؛ ذلك لأنه درسَ الفلسفة ويدرِّسها حالياً في المعهد الفرنسي في أبوظبي، حيث يتسرّب بعض الأفكار والمفاهيم الفلسفية إلى نسيج نصه الروائي بعد أن يطوّعها في مصهره اللغوي لتخرج بِحُلة قشيبة تمنح المتلقي لذة كبيرة في القراءة ومتابعة الأحداث ضمن سياقات تطوِّرها الدرامي.
تقع أحداث هذه الرواية في ثلاثة أيام لا غير، حيث تبدأ في السابع والعشرين من مارس (آذار) عام 1957، وتنتهي في التاسع والعشرين منه خلال الحرب الجزائرية، ثم يعود بنا النقيب أندريه دوغورس إلى الحرب العالمية الثانية، حيث أٌعتُقل واستجوب في بوكنفالد من قِبل النازيين حينما كان عضواً في المقاومة الفرنسية، ثم ينتقل بنا إلى الهزيمة الفرنسية في حرب الهند الصينية، حيث يُعتقل مرة أخرى من قِبل الفيتناميين في معركة دين بيان فو الدموية عام 1954، ثم يتقدّم صوب انهيار الجمهورية الرابعة عام 1958.
يُعتَبر هذا العمل الأدبي رواية شخصيات أكثر منه رواية أحداث، على الرغم من أهمية الوقائع التي تجري في بلدان عدة، مثل ألمانيا والجزائر وفيتنام وفرنسا، إلا أن الرواية برمتها تتكئ على ثلاث شخصيات، وهي النقيب دوغورس، والملازم هوراس أندرياني راوي النص وسارده، وشخصية السجين طاهر «طارق الحاج ناصر» التي استوحاها فيراري من شخصية العربي بن مهيدي الذي يأس الجلادون الفرنسيون في أن ينتزعوا منه اعترافاً أو وشاية برفاقه، رغم أنهم سلخوا وجهه بالتعذيب، وقد أدّى له الجنرال الفرنسي مارسيل بيجار التحية العسكرية قبل اغتياله قائلاً: «لو أن لي ثلة من أمثال العربي بن مهدي لغزوت العالم».
يتناول فيراري ثنائية الجلاد والضحية في هذه الرواية، ويرصد مرحلة التوحّش الذي اجتاحت دوغورس حينما استجوِب من قِبل النازيين في معسكر بوكنفالد، حيث فقدَ روحه هناك إلى الأبد، وأتاح لمخالب الوحش أن تنمو في داخله، ثم وقع في الأسر ثانية في فيتنام، لكنه لم ينكسر لأنه يمتلك شخصية قوية تعززها نزعته الرواقية، فهو متحرر من الانفعالات ولا يتأثر بالأفراح أو الأتراح، لكنه يرتكن إلى عقيدته الدينية كلما وجد نفسه مُحاصرا في مثلث اليأس والهزيمة والخذلان.
تتمحور الرواية على ثيمات أُخر، مثل العنف، والإيمان، ومفاتيح الروح الإنسانية. لا ريب في أن العنف يولِّد العنف، وأن الأفكار التي تزرعها السيوف تُغرقها الدماء، وأن لكل فعل رد فعل، مساويا له في المقدار، ومعاكسا له في الاتجاه، لكن شخصية النقيب دوغورس قد خرجت عن هذه القاعدة على الأقل في وضعيتها الإشكالية، وطبيعتها المزدوجة، فإذا كان الملازم هوراس يحبه لأنه أنجبتهما حرب واحدة، ومصير مأساوي واحد في وقت الأسر والتعذيب، فإن دوغورس يحب ضحيته طاهر، ويتعاطف معه، وسوف يؤدي له التحية العسكرية؛ لأن طاهراً يؤمن بأن «الشهيد أفضل ألف مرة من المُجاهد» (ص86).
يوضح النقيب دوغورس لمرؤوسيه في العمل قائلاً: «أيها السادة، إن العذاب والألم ليسا المفتاحين الوحيدين لسبر أغوار الروح الإنسانية، بل هما، أحياناً، بلا جدوى، لا تنسوا أن هناك مفاتيح أخرى: الحنين، الكبرياء، الحزن، العار، الحب. انتبهوا جيداً للشخص الماثل أمامكم. لا تتشبثوا بآرائكم من دون فائدة. ابحثوا عن المفتاح، يوجد دائماً مفتاح» (ص74). ولأن هناك مفاتيح أخرى لأي روح إنسانية، فإن دوغورس لا يؤمن أحياناً بتعذيب الضحية وإيلامها؛ لذلك كان يدخل زنزانة طاهر ويتجاذب معه أطراف أحاديث متنوعة علّه ينتزع منه بعض المعلومات التي قد لا يحصل عليها بالوعيد والتهديد، لكن هذا النقيب ليس ملاكاً فهو ضابط في المخابرات العسكرية، وعليه أن يروّض ضحاياه وسجناءه، وينتزع منهم كل الأسرار والمعلومات التي تتعلق بأعضاء حركة تحرير الشعب الجزائري. فكلا الطرفين، جلادون وضحايا، متورطون في جرائم القتل وارتكاب الأعمال الوحشية الشنيعة، فعندما قبضوا على عبد الكريم آيت كاسي، قال له النقيب إنه سيستجوب أخته وأمه وما يترتب على هذا الاستجواب من تلطيخ للسمعة وحطٍّ للكرامة الإنسانية، كما أن الضحية طاهر لم يقشعر له بدن حينما مزق بطون النساء في «فيليب فيل» و«وحانة ميلك» و«الحاليا» والإنسان الأروع هو الذي يحافظ على توازنه، ولا يفقد روحه، أو يسلك المسار الحيواني الذي تغذّيه عقدة الشر الكامنة في المناطق المظلمة في أعماقه.
يُنقل طاهر إلى باريس ويُعدم هناك دون أن يشي بأحد أو يعترف بشيء وهذا سبب اعتزاز دوغورس به، وكان يسمّيه «سجيني» وحينما أخذه الملازم هوراس أندرياني صرخ هوغورس لقد «سلبته مني، أندرياني، سلبتهُ مني» (122). لعل من المفيد التنويه إلى مرة أخرى إلى ازدواجية النقيب دوغورس؛ إذ تكفي غمزة واحدة غير مفهومة منه بأن العقيد طاهر قد انتحر في زنزانته، وهذه واحدة من الطرق التي كان يتبعها الجلادون مع أهالي الضحايا الذين تقتلهم المخابرات الفرنسية في عموم المدن الجزائرية.
نخلص إلى القول بأن الانكسارات والجروح النفسية العميقة التي تخلّفها الحروب لا تندمل بسهولة، وهذا ما لمسناه لدى الشخصيات الثلاث التي توقفنا عندها، وبخاصة النقيب دوغورس الذي كان مسكوناً بأفكار الماضي وعذاباته، فلقد حاول غير مرة أن يكتب بحب وصدق لزوجته، لكن وجد نفسه متعثراً في تحقيق ما يصبوا إليه، كما يبحث عن العزاء في معتقداته الدينية التي خفّفت من انفعالاته النفسية، وأعادت إليه الشعور بالهدوء والسكينة والتصالح مع النفس، ولهذا ظل دوغورس يحاول المستحيل من أجل أن يكون رحيماً، مسالماً، وأن يسكت صوت الوحش الكامن في داخله على العكس من هوراس أندرياني الذي ظل محافظاً على سجاياه العدوانية العنيفة.
وعودة على النفس الفلسفي في روايات فيراري يمكننا الإحالة إلى رواية «موعظة عن سقوط روما» التي نال عنها جائزة الغونكور عام 2012 والتي تقوم على ثيمة فلسفية مفادها أن «العالم كالإنسان يولد ويكبر ويموت مثله» ولا شيء جديد منذ الأزل، وأن ما يفعله الكُتّاب والمبدعون هو صياغة هذه الرؤية الفلسفية على وفق مقاربات أدبية قد تكمن جدتها في طريقة التعاطي مع هذه الفكرة أو في لغتها الأدبية المشحونة التي تنقل قارئها إلى فضاءات جديدة لم يلجها من قبل، ولعله يلجأ إلى تقنيات غير مطروقة من قبل. وهذا ما حدث تماماً مع رواية «حيث تركتُ روحي» التي عدّها الكثير من النقّاد عملاً أدبياً مؤثراً يغيّر ذائقه الإنسان أو يدعوه لمراجعة نفسه قليلاً كي لا يفقد روحه، ولا يترك نوازعه الشريرة تأخذه إلى ما لا تُحمد.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.