الرواية السورية في عامها الثمانين

مرت بمراحل تعتمد في تقسيمها على تواريخ أحداث سياسية كبيرة

الرواية السورية في عامها الثمانين
TT

الرواية السورية في عامها الثمانين

الرواية السورية في عامها الثمانين

نشأت الرواية السورية في مدينة حلب، هذه المدينة التي كانت آخر مدينة في طريق الحرير، والتي كان لها باع طويل في الأدب العربي؛ ففيها نبغ المتنبي، وأبو فراس الحمداني، في عهد سيف الدولة، وفي عصرنا الحديث باتت حلب عاصمة سوريا الاقتصادية المنفتحة على كل الطرق. فلا غرو أن تنشأ فيها أولى بذور فن الرواية، وفيها يبرز كتاب كثيرون في هذا الفن، ومنها سيخرج أدباء جدد يروون مأساتها في ظل حكم قام بتدميرها وارتكب مجازر بأهلها.
ثمانون حولاً مرت على مولد الرواية السورية الأولى في هذه المدينة -هذا َإذا وصفناها بالرواية- بكل ما تعنيه هذه الكلمة بالمعنى الأدبي، فرواية «نهم» للكاتب السوري شكيب الجابري (الذي كان أول سوري يتحصل على دكتوراه في علوم الفيزياء من سويسرا، وهو ابن مفتي حلب آنذاك) صدرت عام 1937، وجاءت متأخرة عن مثيلتها الأولى في العراق «جلال خالد» للكاتب العراقي محمود السيد، التي صدرت عام 1928، وبربع قرن تقريباً عن قرينتها «زينب» للكاتب المصري محمد حسين هيكل التي صدرت عام 1912، وإذا اعتبرنا أن رواية دون كيشوت لميغل دي سيرفانتس (1615) أول رواية في أوروبا الحديثة، تكون قد تأخرت رواية «نهم» عنها أكثر من ثلاثة قرون. لكن البعض يرى أن الرواية انطلقت من حلب مع فرانسيس المراش الذي أصدر روايته «غابة الحق» عام 1865 ثم أتبعها برواية «در الصدف في غرائب الصدف» عام 1872، حيث حاول الكاتب المتأثر بالثورة الفرنسية وبباريس التي زارها، إظهار افتتانه بالثقافة الأوروبية ورفضه واقع الجهل المتفشي في سوريا، لكنّ آخرين يرون أن هذين العملين لم يرتقيا إلى مستوى الرواية.
لكنّ السوريين ربما انفردوا بظاهرة لم تكن موجودة في بقاع عربية أخرى، بل حتى إنها ظاهرة دمشقية عريقة وهي الحكواتي -وكنت شخصياً أحضرها بحكم قرب منزل والدي من المسجد الأموي حيث كان مقهى «النوفرة» يقدم سهرات الحكواتي، الذي كان يسرد قصصاً مثيرة كقصص عنترة، والزير سالم، والظاهر بيبرس... ومعها يتفاعل الجمهور- غير أننا لا يمكن أن نقول إن ما كان يقدمه الحكواتي من قصص مثيرة قد شكّل وعياً أدبياً قاد إلى الوصول إلى الفن الروائي بالمعنى الأدبي للكلمة، بل كان عبارة عن سرد حدث تاريخي في قالب قصصي مثير مع شيء من المسرح. ولا ننسى هنا أن تاريخ صدور الرواية السورية الأولى تزامن مع الانتداب الفرنسي لسوريا وثورة القسام في فلسطين، وبالتالي كان هناك تأثير مباشر للجو السياسي العام الذي طبع تلك الفترة في فنون أدبية أخرى متقدمة كالشعر، والقصة القصيرة، أو فن المقالة، تزامن مع سلب لواء إسكندرون ليصبح تحت سيادة تركية، واندلاع الحرب العالمية الثانية التي جمدت الحركة الأدبية نوعاً ما.
منذ البدايات المتواضعة لنشأة الرواية السورية وحتى الآن، صدر في سوريا أكثر من سبعمائة رواية، وقد تصاعدت وتيرة الإصدارات في الفترة الأخيرة، وتنوعت أشكالها ومضامينها ومدارسها من الرواية التاريخية إلى الرواية الاجتماعية، والفلسفية، والبوليسية.
ورغم أن البعض قسم مسار الرواية السورية إلى عدة مراحل تعتمد في تقسيمها على تواريخ أحداث سياسية كبيرة كالنكبة والنكسة وحرب تشرين وتأثُّر الفن الروائي فيها، لكني أعتبر أن الرواية السورية مرت بمراحل ثلاثة أساسية:
> مرحلة ما قبل حكم عائلة الأسد (1937 - 1970).
> مرحلة حكم عائلة الأسد (2011 - 1970).
> مرحلة ما بعد الثورة (2011 - ...).
عبّرت عنها أجيال من الكتاب، متأثرين بالتراث تارة، وبتطور الفن الروائي الغربي تارة أخرى، ولكن بشكل أساسي بأيديولوجية السلطة، وممارساتها التسلطية والقمعية وسيطرتها على وسائل الإبداع من طباعة ونشر وتوزيع وإعلام، ونقابات، واتحادات، في عملية تدجين ودعاية للنظام القائم.
في المرحلة الأولى بقيت الرواية السورية مرتبطة بطابع الحنين إلى الماضي، أو الافتتان بالغرب، وموزعة بين أسلوب المقامات ولغة السجع، والوقوع تحت تأثير الروايات الغربية، والانطلاق من الحياة القروية، حيث إن القرية والوضع الاجتماعي والاقتصادي فيها والعادات الاجتماعية، والفقر، والمعاناة، والجهل، كلها موضوعات طُرحت باستمرار في الرواية السورية في تلك الفترة التي تعكس حال المجتمع الخارج لتوّه من مرحلة الاستعمار.
ومنذ بداية الخمسينات بدأت الحياة السياسية في سوريا تتأثر بشكل خاص بالقضية الفلسطينية بعد هزيمة الجيوش العربية في عام النكبة (عهد الانقلابات العسكرية والوحدة مع مصر)، فظهرت نصوص مثل «جيل القدر» و«ثائر محترف» لمطاع الصفدي، و«المهزومون» لهاني الراهب، و«في المنفى» لجورج سالم و«المغمورون» لعبد السلام العجيلي، و«مدارات الشرق» لنبيل سليمان. و«خمر شباب» لصباح محيي الدين، و«شخصيات تمر» لإدمون بصال، و«الظمأ والينبوع» لفاضل السباعي. وبرز كاتب جديد جاء من الطبقة المعدمة (شبيه بالكاتب المغربي محمد شكري صاحب الخبز الحافي من حيث المنشأ) ليملأ الساحة الأدبية السورية ويرتقي فيها إلى الروائي الأول دون منازع، وبالرواية السورية إلى مستويات تضاهي مستويات الرواية في مصر التي ارتقت إلى مستويات عالمية على أيدي نجيب محفوظ، ويوسف السباعي، ويوسف إدريس. إنه حنا مينه، الذي شكلت روايته «المصابيح الزرق» نقطة انعطاف مهمة من الرواية الرومانسية كـ«مكاتيب الغرام» لحسيب كيالي وسواه، إلى الاشتراكية الواقعية. وخلال نصف قرن من العمل الروائي بات حنا مينه من أغزر الكتاب إنتاجاً (ثلاثون رواية) وأيضاً أشهرهم على الإطلاق، وأكثرهم انتشاراً حتى على مستوى العالم العربي. وكانت موضوعات قسم من أعماله تدور حول البيئة الفقيرة التي عاش فيها كما في روايتيه «المستنقع» و«بقايا صور»، وكذلك حول عالم البحر حتى كُنِّي بأديب البحر، إذ خصص له مجموعة كبيرة من أعماله: «الشراع والعاصفة»، و«المرفأ البعيد»، و«الياطر». وهذه الأخيرة كانت من روائع الفن الروائي عند حنا مينه، الذي حقق عبر «الثلج يأتي من النافذة» و«الشمس في يوم غائم» شهرة كبيرة حتى أطلق عليه البعض مكسيم غوركي سوريا. وقد برز كتاب محدثون في هذه الفترة كوليد إخلاصي، في «شتاء البحر اليابس»، و«أحضان السيدة الجميلة»، وغادة السمان (أكبر وأغزر كاتبة سورية إنتاجاً من بين الكاتبات السوريات وهن كثر ككوليت خوري، وليلى بعلبكي، وسواهما)، في «كوابيس بيروت» و«ليلة المليار»، ونبيل سليمان في «هزائم مبكرة» و«ثلج الصيف»، وسليم بركات (كردي وأفضل من كتب باللغة العربية) في «هايدرا هوداهوس»، وخيري الذهبي في «صبوات ياسين».
ومع حركة الترجمة، والاطلاع على أعمال الغرب برزت أسماء جديدة تأثرت بتيارات الرواية العالمية، وبالمدارس الفكرية كالوجودية والقومية، مثل محمد راشد في «المحمومون»، و«غروب الآلهة»، وجورج سالم في «المنفى» وسواهما. في هذه الفترة من نظام حكم عائلة الأسد، أول جمهورية وراثية في العالم العربي، ظلت الرواية السورية مرتهنة إلى نفوذ أيديولوجي يساري وضيق على حساب الاجتهاد الفردي الحر في كتابةٍ منعتقةٍ من أي شروط بعد أن سُدت الطرق في وجه أي إبداع يعالج الواقع الحقيقي. فالمشكلة الأساسية في سوريا هي تسخير مجتمع بأكمله في خدمة نظام وعائلة حاكمة وليس العكس. ولكن رغم كل حالات التسلط الفكري، والرقابة، والمنع، استطاع بعض الكتاب تمرير أعمال تنبأت بالثورة وبحتمية سقوط نظام ثقافي بأكمله عبر سرود مجازية أو رمزية، كخالد خليفة في «مديح الكراهية»، و«لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، وممدوح عزام في «قصر المطر»، وفواز حداد في «السوريون الأعداء»، وروز ياسين في «نيجاتيف»، وحيدر حيدر في «وليمة لأعشاب البحر»، و«القوقعة» لمصطفى خليفة التي تروي أولى تجارب أدب السجون، «وحمام زنوبيا» لكاتب المقال، و«بالخلاص يا شباب» لياسين الحاج صالح (باتت سوريا أكثر بلد منتج لأدب السجون ولا يمكننا في إطار مقال أن نورد جميع الأسماء والأعمال).
ثم جاء أدب ما بعد الثورة ليقلب النمط السائد رأساً على عقب، فظهرت أعمال كثيرة حدثية، كون الثورة ما زالت حدثاً ساخناً، وتحتاج إلى وقت من الانتظار والتروي لتبتعد عن الرواية التسجيلية أو الوثائقية. ومن وجهة نظرنا أن الرواية السورية المستقبلية ستكون رواية مهجر، كون النظام هجّر ملايين السوريين الذين انتشروا في أوروبا وتركيا، ومنهم سيبرز كتاب جدد بإبداع مبتكر بحكم احتكاكهم المباشر بالآداب الغربية، أما مع استمرارية النظام في الداخل فإن الأمور ستبقى على حالها إذا لم تكن أسوأ.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.