شينزو آبي... سياسي محنّك بالفطرة والوراثة

يأمل في إنجاز إضافي بعد الانتخابات اليابانية العامة

شينزو آبي... سياسي محنّك بالفطرة والوراثة
TT

شينزو آبي... سياسي محنّك بالفطرة والوراثة

شينزو آبي... سياسي محنّك بالفطرة والوراثة

تعيش اليابان حالياً أجواء حملة انتخابية بعد إقدام رئيس الوزراء شينزو آبي على حلّ البرلمان (الداييت)، والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة وعاجلة يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري يأمل منها في تعزيز قبضة حزبه المحافظ، الحزب الديمقراطي الحر، على السلطة وإطلاق يده في سلسلة تدابير يراها مهمة في المرحلة الراهنة من تاريخ البلاد. غير أن أحدث استطلاعات الرأي التي أخذت قبل أقل من أسابيع من موعد الاقتراع تعطي مؤشرات إلى أنه يواجه منافسة شديدة قد تحرمه الغالبية المطلقة يشكلها الليبرالي يوكيو إيدانو، كبير أمناء الحكومة السابق وزعيم حزب الديمقراطيين الدستوريين، ومنافسته الأخرى يوريكو كويكي عمدة العاصمة طوكيو التي تقود حزبها الجديد حزب الأمل.
للديمقراطية في اليابان نكهة خاصة. إنها نكهة يابانية تجمع التقاليد بالتطور، ومساومات العائلات السياسية بصناديق الاقتراع.
المعجزة الاقتصادية اليابانية بناها الاستقرار السياسي بعد ولادة الحزب الديمقراطي الحر في عقد الخمسينات من اندماج حزبين يمينيين في عز احتدام الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية، ومواجهة «الشرق والغرب» التي فرزت عدداً من دول الشرق الأقصى وشهدت الهيمنة الشيوعية على عدد من الدول بعد انتصارها في الصين. وحقاً، أسس الحزب الديمقراطي الحر رسمياً عام 1955 باندماج الحزب الليبرالي – أو الحزب الحر – بزعامة يوشيدا والحزب الديمقراطي بزعامة إيتشيرو هاتوياما ونوبوسوكي كيشي، وكانت ثمرة تلاقي الحزبين اليمينيين المناوئين للشيوعية في شرق آسيا الحزب الديمقراطي الحر، الذي احتكر عملياً، أو كاد، المشهد السياسي في اليابان حتى اليوم.
لقد قدّم هذا الحزب «المؤسساتي» الكبير معظم رجال الدولة الذين قادوا اليابان نحو نصف قرن من الزمن، وعبر عن مصالح مؤسسات الأعمال والشركات الكبرى، بجانب الهوية الثقافية لليابان التي تقدمت عبر الإصلاح التدريجي لا الثورة الراديكالية.
ومن ثم، باستثناء حالات اعتراضية نجم بعضها عن فضائح مالية أو مسلكية، أو تبدل عابر في مزاج الناخبين، انحصر الصراع داخل الساحة السياسية اليابانية بين عدة أجنحة داخل الحزب نفسه تتصرف ككتل تقودها شخصيات، بل عائلات، متمكنة تجيد الموازنة بين المصالح الانتخابية والعافية الاقتصادية والولاء الحزبي.

بطاقة هوية
شينزو آبي، رئيس وزراء الحالي، الذي بات يوم 26 ديسمبر (كانون الأول) 2012 أول رئيس وزراء في «يابان ما بعد الاحتلال الأميركي» (إثر نهاية الحرب العالمية الثانية) يتولى الحكم في فترتين منفصلتين، ابن إحدى العائلات السياسية العريقة في اليابان. فهو لجهة الأب ابن شينتارو آبي، وزير الخارجية الأسبق (بين 1982 1986) وزعيم ثاني أكبر أجنحة الحزب الديمقراطي الحر، وحفيد السياسي والبرلماني القديم البارز كان آبي (والد شينتارو). ولجهة الأم فإن أمه يوكو كيشي ابنة رئيس الوزراء الأسبق نوبوسوكي كيشي (حكم بين 1957 و1960)، وعمها رئيس الوزراء الأسبق وحامل جائزة نوبل للسلام إيساكو ساتو (حكم بين 1964 و1972).
ولد شينزو آبي في العاصمة اليابانية طوكيو يوم 21 سبتمبر (أيلول) عام 1954. لعائلة سياسية عريقة وذات نفوذ كبير وقديم في إقليم ياماغوتشي، بجنوب جزيرة هونشو كبرى جزر الأرخبيل الياباني، وهذا الجزء من البلاد أعطاها عدداً لافتاً من كبار ساستها وقادتها البارزين.
تلقى آبي تعليمه في مدارس سايكاي الابتدائية والمتوسطة والثانوية، ثم التحق بجامعة سايكاي الراقية في طوكيو حيث تخرج بشهادة بكالوريوس في العلوم السياسية عام 1977. ثم تابع لفترة قصيرة دراسات عليا في الإدارة العامة بجامعة كاليفورنيا الجنوبية في مدينة لوس أنجليس الأميركية.
عام 1979 عمل في شركة كوبي ستيل للفولاذ، ثم بدأ مسيرته السياسية عام 1982 عندما شغل بعض المناصب بينها مساعد تنفيذي لوزير الخارجية وسكرتير خاص لرئيس مجلس الحزب الديمقراطي الحر وسكرتير خاص لأمين عام الحزب.
وفي عام 1993 انتخب آبي نائباً في مجلس النواب عن الدائرة الانتخابية البرلمانية الأولى في إقليم ياماغوتشي، معقل عائلته، وذلك في أعقاب وفاة والده عام 1991. وعام 1999 صار مدير قسم الشؤون الاجتماعية ونائباً لأمين مجلس الوزراء في حكومتي يوشيرو موري وجونيتشيرو كويزومي. وفي عام 2003 عيّن أميناً عاماً للحزب الديمقراطي الحر. وكان موري قد قاد الجناح الحزبي الذي كان يتزعمه أبوه شينتارو آبي، كما كان كويزومي لفترة من الفترات أحد أركانه قبل أن يغادره.

في القمة
يوم 20 سبتمبر 2006 انتخب شينزو آبي رئيساً للحزب بعدما انسحب لصالحه ياسوو فوكودا (ابن الجناح الحزبي نفسه، جناح فوكودا – آبي – موري)، ونافسه تارو آسو وساداكازو تانيغاكي. وبعد ستة أيام اختير رئيساً للوزراء عندما كان له من العمر 52 سنة، فبات أصغر مَن يحتل المنصب منذ الأمير فوميمارو كونويه عام 1941.
إلا أن آبي اضطر للاستقالة خلال أقل من سنة، يوم 12 سبتمبر 2007 لأسباب صحية إذ عانى من التهابات تقرّحية في القولون، وتفاقم الوضع مع التدني الكبير في شعبية حكومته وتعرض الحزب الديمقراطي الحر لنكسة كبرى في انتخابات المجلس الأعلى (مجلس المستشارين) في البرلمان حيث فقد غالبيته لأول مرة منذ 52 سنة، وكذلك هزت حكومته فضيحتان لاثنين من وزرائه. وفي نهاية المطاف أعلن قرار الاستقالة. وعند هذه النقطة تخيل كثيرون من المحللين والمتابعين أن هذه المحطة ستكون نهاية مسيرة آبي السياسية، لا سيما أنه لم يسبق لرئيس وزراء ياباني أن عاد إلى المنصب بعد مغادرته منذ بداية مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولقد خلفه في المنصب حليفه ومنافسه السابق ياسوو فوكودا، مستهلاً مرحلة شهدت تولي المنصب خمسة رؤساء وزارات لم يستمر أحد منهم لأكثر من 16 شهراً. وبعدها سجل آبي سابقة لافتة في الحياة السياسية المعاصرة في البلاد.
العودة التاريخية للحكم
أيضاً في شهر سبتمبر، الذي لعب دوراً بارزاً في حياة آبي، وبالتحديد يوم 12 سبتمبر من عام 2012، تغلب آبي على منافسه على زعامة الحزب الديمقراطي الحر وزير الدفاع السابق شيغيرو إيشيبا. ومن ثم، على إثر الانتصار الانتخابي الكاسح للحزب في الانتخابات العامة التالية، غدا آبي أول رئيس وزراء ياباني يستعيد منصبه بعد السياسي «الداهية» شيغيرو يوشيدا عام 1948.
وبعد ذلك، أعيد انتخابه للمرة الثالثة في الانتخابات العامة التي أجريت عام 2014 ومعها استطاع الديمقراطيون الأحرار تحت قيادة آبي الاحتفاظ بغالبية ثلثي مقاعد البرلمان مع حليفهم حزب كوميتو البوذي.
سياسات آبي
تقليدياً اتبع شينزو آبي سياسات محافظة وجريئة في مختلف المجالات، وكشف سواء في فترة حكمه الأولى، وأكثر بعدما عاد إلى السلطة سياسياً مخضرماً ومجرباً عن مزيج عملي وواقعي من الصلابة والمرونة، والقدرة على التأقلم مع المتغيرات.
ففي مجال السياسة الداخلية عرفت عنه مواقفه المحافظة في موضوع الوراثة الإمبراطورية المثيرة للجدل وتخليه عن مشروع قانون يتيح للإناث تولي العرش، كما كان مع تيار الساسة اليمينيين الحريصين على تعزيز عنصر الوطنية في مناهج التعليم. وفي فترته التالية في السلطة بعد عودته إلى الحكم اهتم بتعزيز السياسة التعليمية وإنشاء برنامج التميز العالمي في التعليم الجامعي بما فيه اجتذاب طلبة من مختلف أنحاء العالم إلى الجامعات اليابانية.
وأيضاً اهتم بالجوانب الاجتماعية ولا سيما رصد مبالغ لتشجيع الإقبال على الزواج لمعالجة مشكلة تراجع النمو السكاني في البلاد.

أهمية الاقتصاد
وفي مجال الاقتصاد فإنه إبان فترة حكمه الأولى سار على نهج سلفه كويزومي، واتبع إصلاحاته في السياسة النقدية وموازنة الميزانية العامة. وفي الفترة الثانية من حكمه المستمرة حتى اليوم أطلق سلسلة إجراءات اقتصادية عرفت بالـ«آبينوميكس» (اقتصاد آبي) التي تستنهض الاقتصاد وتحفز وتسعى أساساً على تحاشي الكساد والركود. واتسمت إجراءاته بثلاث أولويات رئيسة، هي: التوسع النقدي لتحقيق معدل تضخم بحدود 2%، وسياسة نقدية مرنة تحفز الاقتصاد في المدى القصير، واستراتيجية نمو تقوم على إصلاحات في القطاعين العام والخاص تؤمن النمو على المدى الطويل.

السياسة الخارجية
سياسات آبي الدولية شكلت وما زالت تشكل تكاملاً مع منظوره العام المحافظ، وتتكامل مع مبادئ الحزب الديمقراطي الحر وما يراه الحزب والطبقة الحاكمة في صلب المصالح الوطنية لليابان في عالم متغير يفرز تحولات دائمة.
في الملف الكوري الشمالي عرف عن آبي تشدده ومبدئيته في الدفاع عام 2002 عن مصالح اليابانيين المحتجزين في كوريا الشمالية. وفي المقابل، اتسمت مقارباته السياسية الإقليمية في شرق آسيا بالاهتمام الشديد بالأمن الإقليمي والشراكة الأمنية، وفي هذا السياق فإنه يقدر عالياً العلاقات مع كوريا الجنوبية. وبالنسبة للموضوع الصيني فإنه قارب «الجار» العملاق بواقعية شديدة ورغبة بالتعايش والاستفادة بصرف النظر عن العواطف والاختلاف بين طبيعتي النظام الياباني ونظام بكين. وفي هذا السياق فإنه تحاشى زيارة تايوان، التي سبق أن زارها جده نوبوسوكي كيشي عندما كان رئيساً للوزراء في منتصف عقد الخمسينات من القرن الماضي. وأما عن العلاقات مع العملاق الآسيوي الثاني، الهند، فإن آبي نشط إبان فترتي حكمه الأولى والثانية – الحالية – في تطوير العلاقات الثنائية بين طوكيو ونيودلهي من دون أن تستهدف عزل الصين. وفي هذا السياق عزز التعاون الاستراتيجي مع الهند، كما أطلق عام 2007 «الحوار الأمني الرباعي» بين اليابان والولايات المتحدة والهند وأستراليا. وحسب المتابعين وفق هذا المنظر فإن رئيس الوزراء الياباني عبر حرصه على توسيع إطار هذا «الحوار» ليشمل كوريا الجنوبية وإندونيسيا والفلبين وفيتنام يسعى عملياً إلى بناء منظومة على غرار حلف شمال الأطلسي «ناتو» في الشرق الأقصى مع ما في ذلك من احتمالات سوء فهم مع بكين، ولا سيما في ضوء الخلاف المتعدد الأضلاع في بحر الصين الجنوبي حول جزر سبراتلي المتنازع على ملكيتها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن آبي من مؤيدي إعادة تعريف الشق الأمني وفق نصوص الدستور الياباني ولا سيما المادة 9 من الدستور حول وجود قوات مسلحة. ويسجل له أنه إبان فترة حكمه الأولى رفع مستوى «الوكالة اليابانية للدفاع» إلى وزارة. وهو من أشد المتحمسين للتحالف العسكري مع الولايات المتحدة. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2013 أعلن آبي خطة سنوات خمس للتوسع العسكري تهدف إلى جعل اليابان – حسب تعبيره – دولة «طبيعية» قادرة على الدفاع عن نفسها بعيداً عن هواجس الحرب العالمية الثانية.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.