البرلمان الليبي يتحدى حفتر ويمنح الثقة لمعيتيق

تأجيل جديد لمحاكمة 40 من مسؤولي نظام القذافي

قوات ليبية تقوم بحماية «قصر ولي العهد» الراحل في طرابلس أمس أثناء لقاء أعضاء البرلمان (رويترز)
قوات ليبية تقوم بحماية «قصر ولي العهد» الراحل في طرابلس أمس أثناء لقاء أعضاء البرلمان (رويترز)
TT

البرلمان الليبي يتحدى حفتر ويمنح الثقة لمعيتيق

قوات ليبية تقوم بحماية «قصر ولي العهد» الراحل في طرابلس أمس أثناء لقاء أعضاء البرلمان (رويترز)
قوات ليبية تقوم بحماية «قصر ولي العهد» الراحل في طرابلس أمس أثناء لقاء أعضاء البرلمان (رويترز)

تحدى أمس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) في ليبيا تهديدات القوات التابعة للواء خليفة حفتر، القائد السابق للقوات البرية في الجيش الليبي، وعقد جلسة سرية بالعاصمة الليبية طرابلس أقر خلالها منح الثقة لرئيس الوزراء الجديد أحمد معيتيق، المحسوب على التيار الإسلامي، وسط إجراءات أمنية وعسكرية مشددة. وقالت مصادر برلمانية مساء أمس إن «المؤتمر الوطني العام صوت بمنح الثقة لأحمد معيتيق رئيسا للوزراء، بأكثرية 83 صوتا من أصل 94 نائبا حضروا الجلسة، فيما أكدت مصادر أخرى أن البرلمان ترك ثماني حقائب وزارية شاغرة للتفاوض بشأنها مستقبلا مع القوى السياسية والشعبية.
وكانت الجلسة تعطلت لبضع ساعات بسبب الحاجة إلى ثلاثة أعضاء لاستكمال النصاب القانوني اللازم لعقد الجلسة، وهو 93 عضوا من أصل 200 هم إجمالي عدد مقاعد البرلمان، الذي يعد أعلى سلطة دستورية وتشريعية في البلاد. لكن مصادر مقربة من اللواء حفتر قالت قبل انتهاء الجلسة لـ«الشرق الأوسط» إنه سيجري التعامل مع هذه الحكومة في حال إقرارها على أنها «غير شرعية»؛ كما هو الحال بالنسبة للبرلمان نفسه.
وجلسة الأمس هي الأولى من نوعها بعد أسبوع من اقتحام مقاتلين المقر الرئيس للمؤتمر لمطالبة النواب بتسليم السلطة. وتولى جنود من إحدى كتائب طرابلس حراسة «قصر ولي العهد» ذي الجدران البيضاء، والشوارع المجاورة في العاصمة، معتلين مركبات وشاحنات مصفحة مزودة بمدافع مضادة للطائرات.
وقالت رئاسة المؤتمر إن هذه الجلسة قد تكون «الأخيرة» التي سيعقدها أعضاء المؤتمر من دون أي تفسير، مشيرة إلى أن هدف الاجتماع هو استكمال الاستحقاقات والنظر في المبادرات والتأكيد على ما وصفته بـ«نجاح الانتقال السلمي للسلطة». وعين معيتيق رئيسا جديدا للوزراء قبل أسبوعين في عملية تصويت سادتها فوضى وشكك في شرعيتها عدد كبير من النواب، علما بأنه ينتمي إلى مدينة مصراتة في غرب ليبيا، وهو ذو صلة بالإخوان المسلمين، ومعارض شرس للميليشيات المناهضة للإسلاميين.
وعوضا عن إعلان مكان الاجتماع بشكل اعتيادي، أرسلت رئاسة المؤتمر برسائل نصية إلى الأعضاء عبر هواتفهم الجوالة لمنع تسرب أي تفاصيل تتعلق بمكان وتوقيت عقد الجلسة. وقال أعضاء شاركوا في الجلسة السرية، التي جرى التكتم على مكان انعقادها بقصر ولي العهد في طريق الشط على بعد نحو ستة كيلومترات شرق العاصمة طرابلس، لـ«الشرق الأوسط» إن ميليشيات مسلحة تابعة لـ«غرفة عمليات ثوار ليبيا» فرضت إجراءات أمنية وعسكرية في محيط المكان ومنعت الدخول إليه.
وقبل الجلسة، تحدث أعضاء في البرلمان عن مفاوضات غير رسمية جرت للتوصل إلى حل وسط يقضي بإقصاء وزيري العدل والثقافة من حكومة الثني، مقابل استمرار الأخير رئيسا للحكومة وتعيين معيتيق نائبا له. وقال محمد الكيلاني، عضو المؤتمر، إن الأعضاء سيمنحون الثقة لرئيس الوزراء الجديد إذا ما توفر نصاب من 96 من الأعضاء. وكانت «غرفة عمليات الكرامة» بالجيش الليبي، التابعة لحفتر في العاصمة طرابلس، أعلنت في بيان مفاجئ مساء أول من أمس أن مكان انعقاد المؤتمر الذي وصفته بـ«الفاقد للشرعية» بات ﻣﻨطقة عسكرية، كما حذرت البرلمان من غياب الاعتراف بالأمر الواقع، ورأت أن التفويض الشعبي الذي حصل عليه الجيش ينزع الشرعية عنه.
كما حذرت الغرفة المؤتمر من أي محاولة للالتفاف حول إرادة الشعب والاجتماع في أي مكان آخر، وهددت بقصف واقتحام الجلسة. وعدت الغرفة في بيان تلاه النقيب جمال الهبيل، من الشرطة العسكرية وينتمي إلى الزنتان، أن تفويض الشعب للجيش عبر مظاهرات يوم الجمعة الماضي، هو بمثابة سحب الثقة من المؤتمر، مؤكدة أنها لن تسمح للمؤتمر بأن يعود للسلطة. كما توعد البيان الميليشيات المنتشرة في طرابلس بتنفيذ عملية عسكرية ضدها خلال أيام، لكنه دعاها في المقابل إلى تجنب استهداف المدنيين أو المناطق السكانية.
وسئل الهبيل عن موعد تنفيذ قوات حفتر مثل هذا الهجوم، فأجاب: «قريبا، عليهم أن ينتظرونا، حتما سنأتيهم إلى مقراتهم»، لافتا إلى أنه جرى رصد مواقع هذه الميليشيات بالإضافة إلى رصد المواقع التي انطلقت منها بضع صواريخ غراد أخيرا ضد منطقة سكانية بهدف إحداث الفتنة والوقيعة، على حد تعبيره.
وقالت صفحة «عملية الكرامة» على صفحة التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إن عدد قوات الجيش الليبي في عملية «كرامة ليبيا» ضد الإرهاب والتطرف قد ارتفع إلى 74 ألف مجند على المستوى العام، وبإجمالي 23 ألف مجند ما بين أفراد شرطة والجيش بالمنطقة الغربية وحدها.
في غضون ذلك، أصدرت مصلحة الطيران المدني بوزارة المواصلات الليبية تعميما على جميع شركات الطيران المشغلة إلى مطار الأبرق بمدينة البيضاء، يقضي بحظر قبول المسافرين غير الليبيين على متن رحلاتها الدولية المقبلة إلى المطار ابتداء من يوم أمس وإلى حين إشعار آخر. ولم توضح المصلحة دوافع هذا القرار، لكنها قالت في بيان مقتضب إن القرار صدر لأسباب أمنية.
وقدم الثني لدى اجتماعه أمس مع المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي برناردينو ليون توضيحا عن مبادرة الحكومة، التي سبق أن تقدمت بها للمؤتمر الوطني والمجالس البلدية والمحلية، والتي تهدف إلى الخروج من الأزمة السياسية الراهنة في البلاد. وقال بيان لمكتب الثني إنه أكد على أهمية جلوس الأطراف كافة إلى طاولة الحوار، للوصول إلى توافق بين جميع فئات الشعب الليبي، بعيدا عن لغة السلاح، مشيرا إلى أنه جرى التأكيد على ضرورة التنسيق والعمل برؤية موحدة بين المبعوثين الخاصين، وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والحكومة الليبية، لإنجاح عملية الحوار والمصالحة الوطنية. ونقل البيان عن ليون تأكيده على دعم الاتحاد الأوروبي لمبادرة حكومة الثني لتجاوز هده الأزمة.
من جهة أخرى، أجلت المحكمة الجنائية في طرابلس بعد جلسة استمرت ساعتين، مجددا محاكمة 40 من مسؤولي نظام العقيد الراحل معمر القذافي، بينهم نجله سيف الإسلام، إلى الشهر المقبل. وقررت المحكمة التأجيل بناء على طلب هيئة الدفاع عن المتهمين للاطلاع على الأوراق والمستندات الخاصة بالقضية وتمكينهم من الحصول على نسخ من قرارات الاتهام ومحاضر جمع الاستدلالات وشهادات شهود الإثبات.
وخلال الجلسة، التي نقلت عبر دائرة تلفزيونية مغلقة وبثتها بعض القنوات الفضائية بمحاكم استئناف طرابلس ومصراتة والزنتان، أكدت النيابة العامة تمسكها بما ورد في قرار الاتهام، مشيرة إلى أن قائمة أدلة الإثبات والأوراق تعج بالأدلة التي تثبت ارتكاب كل المتهمين الذين توجه إليهم المحكمة الاتهام - الجرائم الموجهة إليهم.
ويواجه المتهمون عدة تهم، أهمها ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية إبان ثورة 17 فبراير (شباط) 2011، وتشكيل كتائب مسلحة لقمع المدنيين وخلق الفتنة بين الليبيين وتمزيق نسيجهم الاجتماعي، إلى جانب دعم النظام بالأموال والفساد المالي والإداري. وقال علي الضبع، أحد محامي فريق الدفاع، إن «الادعاء طلب تأجيل المحاكمة إلى 22 من الشهر المقبل لإعداد لائحة الاتهام». كما طلب الدفاع مهلة إضافية وطالب بتمكينه من التواصل بحرية مع المتهمين الذين يلاحقون، وبينهم عبد الله السنوسي رئيس جهاز المخابرات في عهد القذافي لدورهم في قمع الثورة.
ومثل سيف الإسلام (41 سنة) عبر دائرة تلفزيونية مغلقة من الزنتان جنوب غربي العاصمة طرابلس، حيث هو محتجز منذ اعتقاله في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، وبدا سيف الإسلام الذي ارتدى لباس السجن الأزرق، خلال المحاكمة هادئا، لكنه لم يوكل محاميا عنه حتى الآن، ولم يحضر المحامي المعين من المحكمة للدفاع عنه، وقالت المحكمة إنه سيجري تعيين محام آخر. ومثل ثمانية متهمين، بينهم منصور ضو الرئيس السابق للأمن الداخلي، عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة من مصراتة التي تقع على بعد 200 كيلومتر شرق طرابلس حيث يحتجز هؤلاء.
وسيف الإسلام والسنوسي هما أيضا موضع مذكرتي توقيف دوليتين من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب مفترضة أثناء الثورة. وطلبت المحكمة الجنائية الدولية قبل أيام مجددا بأن يحاكم سيف الإسلام أمامها وليس في ليبيا، مؤكدة أنه لا يمكن أن يحظى بمحاكمة عادلة في بلاده. وعلاوة على حالتي سيف الإسلام والسنوسي، أعربت منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان عن «قلقها»، مشيرة خصوصا إلى «الحد من وصول المحامين إلى وثائق أساسية» وإلى المتهمين.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.