حديث عن فقدان الثقة وتصريحات متشددة لخامنئي تصاحب اجتماعات «جنيف»

مسؤول أميركي: سيكون من الصعب التوصل لاتفاق في هذه الجولة

المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أثناء إلقائه كلمة على قوات الباسيج الإيرانية في طهران أمس (أ.ف.ب)
المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أثناء إلقائه كلمة على قوات الباسيج الإيرانية في طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

حديث عن فقدان الثقة وتصريحات متشددة لخامنئي تصاحب اجتماعات «جنيف»

المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أثناء إلقائه كلمة على قوات الباسيج الإيرانية في طهران أمس (أ.ف.ب)
المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أثناء إلقائه كلمة على قوات الباسيج الإيرانية في طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم تصريحات دبلوماسية صدرت من عواصم مختلفة تشير إلى أن الخلافات بين إيران والمجموعة الدولية تتقلص، فإن الأجواء الفعلية بمدينة جنيف، حيث انطلقت أمس جولة جديدة من التفاوض بين إيران ومجموعة «5+1»، بدت غير واضحة بشأن ما إذا كان يمكن التوصل إلى اتفاق. وبدأت الجلسات ظهرا حول مائدة غداء، جمعت وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، وكاثرين أشتون مفوضة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي رئيسة الوفد الدولي، فقط دون بقية أعضاء الوفدين. ومن ثم وبعد السادسة، التقت الأطراف كافة، في جلسة لم يعلن عما دار فيها.
من جانبه، كان الوفد الأميركي قد وصل إلى جنيف في ساعة متأخرة بالأمس، بينما قضى ظريف الصباح مع وفده ثم استقبل قبل الغداء الوفد الصيني. واقتربت الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا من الحصول على تنازلات من إيران بشأن حجم نشاطها النووي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات خلال المفاوضات التي جرت بالمدينة السويسرية في الفترة من السابع حتى التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني).
وقال دبلوماسيون إنه يمكن التوصل إلى اتفاق مؤقت بشأن خطوات لنزع فتيل عشر سنوات من العداء بين الغرب وإيران خلال محادثات هذا الأسبوع.
والتزمت الوفود كافة عقد لقاءاتها بمقر سكنهم في فندق مشترك بجنيف أمس، ولم تعقد أي جلسة بمبنى الأمم المتحدة، كما هو الحال سابقا.
من جانب آخر، اشتعلت حرب كلامية بين إيران وفرنسا وإيران بسبب تصريحات لمرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي استبق فيها الاجتماعات، قال فيها إن المباحثات بين إيران والوفد الدولي (5 + 1)، الذي يتكون من الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن إلى جانب ألمانيا، تتمحور حول القضايا النووية لا غير.
ورفض خامنئي أي تراجع في «الحقوق النووية» لإيران و«الخطوط الحمراء» التي أملاها بالنسبة للمفاوضات مع الدول الكبرى. وقال في خطاب متلفز ألقاه أمام خمسين ألفا من عناصر الميليشيا الإسلامية: «أشدد على ترسيخ حقوق إيران النووية».
وأضاف خامنئي، صاحب القرار في القضايا الاستراتيجية في البلاد بما فيها الملف النووي: «أنا لا أتدخل في تفاصيل المفاوضات، لكن هناك خطوطا حمراء، يجب على المسؤولين احترامها دون التخوف من ردود الأعداء، وقد قلتها للمسؤولين».
ومن بين تلك «الخطوط الحمراء»، حق إيران في تخصيب اليورانيوم على أراضيها، ورفض إغلاق موقع فوردو تحت الأرض ومفاعل الماء الثقيل في أراك. وتحاول مجموعة «5+1» وإيران، في جنيف، وضع اللمسات الأخيرة على أول اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني، الذي يشتبه الغربيون في أنه يخفي شقا عسكريا، وهو ما تنفيه طهران، وذلك بعد عشرة أيام من مباحثات مكثفة لم تؤد إلى اتفاق.
وينص مشروع الاتفاق الذي اقترحته الدول الكبرى بهدف التحكم في النشاطات النووية الإيرانية، خصوصا على وقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وخفض مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، ووقف بناء محطة الماء الثقيل في أراك (وسط).
في مقابل ذلك، تقترح الدول الكبرى تخفيف العقوبات الدولية التي تخنق الاقتصاد الإيراني.
وهاجم آية الله خامنئي مجددا إسرائيل، قائلا إنها «كلب مسعور في المنطقة»، و«مصيرها الزوال».
وقال إن «الأعداء، وخصوصا من خلال الفم القذر والشرير للكلب المسعور في المنطقة، النظام الصهيوني، يقولون إن إيران تشكل خطرا على العالم. هذا غير صحيح ومخالف تماما لتعاليم الإسلام».
وتابع أن «أسس النظام الصهيوني ضعفت كثيرا وأن مصيره الزوال». من جانبها، رفضت ناطقة باسم الحكومة الفرنسية تصريحات القائد الإيراني، مؤكدة أنها غير مقبولة وأنها تعقد المفاوضات.
وزادت تصريحات المرشد خامنئي من الإحساس بالتشاؤم حول نتائج المباحثات النووية. بدوره، كان وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، قد استبق جلسة التفاوض أمس بإنزال شريط فيديو على صفحته بـ«تويتر» عنونه بـ«رسالة من إيران»، مطالبا بـ«احترام حقوق إيران واحترام إرادتها الحرة»، ومؤكدا أن الطاقة النووية تتعلق بمستقبل أطفال إيران وأنها قفزة لتنويع اقتصادها، نافيا أن تكون وسيلة للانضمام إلى ناد معين أو لتهديد الآخرين.
وبينما عزت مصادر إيرانية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، بطء سير المحادثات إلى خلافات بسبب ما وصفته بتضارب مصالح بين أعضاء الوفد الدولي - عزا الخبير الإيراني الدكتور حسن عابديني التشاؤم إلى الإخلال الذي تسببت فيه فرنسا المرة السابقة، بسبب ما وصفه بتنسيق مسبق بين باريس وتل أبيب بهدف إفشال التفاوض، لا سيما أن الدول الكبرى لم تكن ترغب في الأساس في الوصول لاتفاق مع إيران، وعندما اقترب الحل وساعة الحسم بادرت فرنسا في تقاسم للأدوار بالتهرب، وإلا بماذا يفسر تصرفها رغم كثرة الأدلة على إمكانية التوصل إلى اتفاق، مشيرا إلى أن إيران من جانبها واصلت العمل مع الوكالة الدولية لحلحلة القضايا العالقة في إجابات كان من الممكن أن تساعد في الوصول لحل، خاصة أنها تثبت أن الإرادة الإيرانية موجودة وأن الكرة الآن في ملعب الدول الكبرى.
وتعقد جولة المفاوضات الحالية على مستوى الخبراء والمديرين، ويفترض - كما أعلن - أن تنتهي غدا الجمعة.
وفي تطور أعطى انطباعا بالتفاؤل، أجرى رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد کاميرون، اتصالا نادرا بالرئيس الإيراني حسن روحاني لبحث آخر التطورات المرتبطة بالمفاوضات النووية. وبحث كاميرون وروحاني تحسن العلاقات بين بريطانيا وإيران مع تعيين قائمين بالأعمال غير مقيمين الأسبوع الماضي، وهي خطوة أولى في عملية تطبيع بدأت بعد انتخاب روحاني. وأكد بيان رئاسة الوزراء البريطانية أن الجانبين «قررا مواصلة جهودهما لتحسين العلاقات في شكل تدريجي ومتبادل».
وأضاف: «بالنسبة إلى البرنامج النووي الإيراني، توافق الجانبان على أن تقدما ملحوظا أحرز في المفاوضات الأخيرة في جنيف، ومن المهم انتهاز الفرصة التي تمثلها جولة المفاوضات التي تبدأ الأربعاء (أمس)».
وفي شأن النزاع السوري، توافق كاميرون وروحاني «على ضرورة (إيجاد) حل سياسي لوضع حد للمجزرة»، وفق البيان.
ونقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا) عن روحاني تأكيده أن بلاده لا تسعي لامتلاك أسلحة دمار شامل.
في الوقت ذاته، عد وزير الخارجية البريطاني، ويليام هيغ، في إسطنبول، أمس، مفاوضات جنيف مع إيران تشكل «فرصة تاريخية».
وقال هيغ أمام الصحافيين خلال زيارة لإسطنبول، إنه لا يزال من المبكر جدا تحديد المنحى الذي ستسلكه الجولة الجديدة من التفاوض، لكنه شدد خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي أحمد داود أوغلو على أن «ثمة اتفاقا مطروحا يصب في مصلحة كل الدول بما فيها دول الشرق الأوسط».
وأضاف الوزير البريطاني أن «التباينات التي لا تزال موجودة بين الأطراف محدودة، وأعتقد أنه يمكن تجاوزها بإرادة سياسية»، متحدثا عن «فرصة تاريخية لإبرام اتفاق يسمح بالحد من الانتشار النووي في المنطقة وإقامة علاقات مع إيران على أسس أخرى».
ورفض هيغ التعليق على مواقف المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، الذي عد إسرائيل «آيلة إلى الزوال»، مؤكدا أن «جوهر هذه المفاوضات هو الذي يهم». وقال هيغ: «إنها أفضل فرصة منذ زمن لإحراز تقدم في إحدى كبرى المشكلات في السياسة الخارجية».
من جهته، قال نظيره التركي إنه «يدعم» المفاوضات الجارية حول الملف النووي، موضحا أن بلاده «مستعدة لأن تقوم بكل ما يلزم لتتكلل المفاوضات بالنجاح في أقرب فرصة». وأكد أن تركيا تعارض الانتشار النووي في المنطقة، لكنها «ترفض القيود على تطوير هذه التكنولوجيا لأغراض سلمية». ويزور داود أوغلو في 26 و27 نوفمبر (تشرين الثاني) طهران لحضور اجتماع للتعاون الإقليمي، وسيبحث أيضا الملف النووي مع محاوريه الإيرانيين.
وفي نفس الاتجاه، قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أمس، إن بلاده تأمل أن تسفر المحادثات بين إيران والقوى العالمية عن اتفاق مبدئي لتخفيف حدة الخلاف بشأن برنامج طهران النووي.
من جهة أخرى، حث الرئيس الصيني شي جينبينغ، نظيره الإيراني حسن روحاني على انتهاز فرصة تحسين العلاقات مع القوى العالمية.
وقالت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)، في ساعة متأخرة من الليلة الماضية، أن الرئيس الصيني امتدح نظيره الإيراني للأسلوب البناء الذي تنتهجه حكومته في المحادثات النووية وجهودها لتحسين العلاقات مع المجتمع الدولي.
ونقلت «شينخوا» عن شي قوله لروحاني خلال اتصال هاتفي: «تأمل الصين أن تغتنم إيران الفرصة وتحافظ على زخم المفاوضات وتسعى لأكبر قدر من العناصر المشتركة لتحقيق أفضل النتائج». وقال شي إن الصين ستستمر في ممارسة نفوذها النشط في محادثات الدول الست مع إيران لتوفير المناخ المناسب للتوصل إلى قرار بعيد المدى.
وقالت مستشارة الأمن القومي الأميركي، سوزان رايس، لشبكة «سي إن إن» التلفزيونية، إن قيمة الأصول الإيرانية التي سترفع عنها العقوبات في إطار أي اتفاق يجري التوصل إليه ستصل إلى أقل من عشرة مليارات دولار.
وأبقى الدبلوماسيون الغربيون قدرا كبيرا من تفاصيل الاتفاق المقترح طي الكتمان، لكنهم قالوا إن أي اتفاق لن يؤدي إلى رفع العقوبات الأشد إيلاما على مبيعات النفط والقطاع المصرفي، وهي التي يعتقد كثيرون أنها دفعت إيران في نهاية المطاف لإجراء مفاوضات جادة.
وبموجب الاتفاق المبدئي، من المرجح أن تستعيد إيران قدرتها على الوصول إلى أسواق المعادن النفيسة وبيع البتروكيماويات، وهي مصدر مهم للدخل من الصادرات، وقد تؤدي إلى الإفراج عن قدر من إيراداتها النفطية المجمدة في حسابات مصرفية بالخارج.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.