قمة الكويت العربية الأفريقية تدعو لتقارب سياسي وتنسيق لمواجهة الإرهاب.. وإصلاح الأمم المتحدة

أمير الكويت: علينا مواصلة البناء.. فالآمال كبيرة والتحديات كثيرة * العاهل المغربي: منطقة الساحل باتت مرتعا للإرهاب ويستوجب تحصينها

قمة الكويت العربية الأفريقية تدعو لتقارب سياسي وتنسيق لمواجهة الإرهاب.. وإصلاح الأمم المتحدة
TT

قمة الكويت العربية الأفريقية تدعو لتقارب سياسي وتنسيق لمواجهة الإرهاب.. وإصلاح الأمم المتحدة

قمة الكويت العربية الأفريقية تدعو لتقارب سياسي وتنسيق لمواجهة الإرهاب.. وإصلاح الأمم المتحدة

اختتمت في الكويت أمس أعمال القمة العربية الأفريقية الثالثة التي انعقدت على مدى يومين تحت شعار «شركاء في التنمية والاستثمار» بمشاركة وفود أكثر من 71 دولة ومنظمة عربية وإقليمية ودولية. ودعت القمة إلى مزيد من التقارب السياسي والاقتصادي، والتعاون في محاربة الإرهاب.
واتفقت هذه القمة في «إعلان الكويت» على النهوض بالتعاون بين البلدان العربية والأفريقية، وتعزيز «العلاقات الدبلوماسية.. لتنسيق المواقف وتطوير سياسات مشتركة». كما دعت إلى «تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدان العربية والأفريقية لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله، بما في ذلك تجريم دفع الفدية للإرهابيين.. وتقديم المزيد من الدعم للجهود الدولية في هذا الصدد».
وجاء إعلان قمة الكويت متضمنا 32 مسألة وقضية، أبرزها تأكيد الدول العربية والأفريقية التزامها بتعزيز التعاون بين الطرفين على أساس الشراكة الاستراتيجية التي تسعى إلى الحفاظ على العدل والسلم والأمن الدوليين، ودعم إنشاء محكمة عربية لحقوق الإنسان في مملكة البحرين وإدانة للإرهاب والقرصنة، إلى جانب ترحيب المشاركين بتبرع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بمبلغ 100 مليون دولار أميركي لمركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ودعوا إلى إنشاء مركز أفريقي عربي لتبادل المعلومات للحد من تسلل المهاجرين غير الشرعيين، كما قدروا الموقف الأفريقي حول إصلاح الأمم المتحدة، وطالبوا بإقامة مؤسسات أفريقية عربية مشتركة للتنسيق، واختتموا توصياتهم بتأكيد مبدأ التناوب في استضافة القمة العربية الأفريقية على أن تعقد القمة المقبلة في أفريقيا عام 2016.
وأدان الزعماء «بشدة الأعمال الإرهابية وعمليات التهريب بكل أشكالها في أفريقيا وفي المنطقة العربية، وخصوصا في منطقة الساحل والصحراء التي نجمت عنها الأزمة الخطيرة التي تشهدها مالي». وأكد البيان «تصميمنا والتزامنا العمل معا في هذا الصدد وتعزيز التعاون والتنسيق بين البلدان الأفريقية والعربية في هذا الشأن».
وطالب إعلان الكويت بـ«الالتزام القوي بالإصلاح الشامل لمنظومة الأمم المتحدة بما في ذلك مجلس الأمن ليعكس الواقع العالمي الحالي وجعله متوازنا إقليميا وأكثر ديمقراطية وفعالية وعدالة».
وعلى الصعيد الاقتصادي، دعا الإعلان الحكومات إلى وضع «الشروط الضرورية في البلدان الأفريقية والعربية لتشجيع وتسهيل الاستثمار.. وزيادة حجم تدفقات التجارة والاستثمار ودعم مبادرات التنمية الصناعية الحالية بغية الحد من الفقر وخلق فرص العمل للمواطنين من الشباب». وطالب بـ«تعزيز التعاون وتشجيع وتسهيل الاستثمار في مجال الطاقة، وتشجيع الاستخدام الفعال للموارد الطبيعية وتوسيع نطاق الوصول إلى خدمات طاقة موثوق بها وحديثة بأسعار معقولة في المنطقتين».
كما دعا الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية إلى «مفاتحة المؤسسات والصناديق المالية القائمة في المنطقتين لتشكيل فريق عمل لتمويل تنفيذ المشروعات الأفريقية العربية المشتركة».
وطالب إعلان الكويت بتنسيق المواقف إزاء المفاوضات المتعددة الأطراف حول التجارة والعمل معا من أجل تحقيق نتائج متوازنة من خلال المؤتمر الوزاري التاسع لمنظمة التجارة العالمية المقرر عقده في بالي بإندونيسيا في ديسمبر (كانون الأول) المقبل. ودعا المؤسسات المالية الأفريقية والعربية وكذلك أصحاب المصلحة الآخرين المعنيين إلى دعم التجارة بين دول المنطقتين الأفريقية والعربية.
أما بالنسبة للوضع الصحي فقد شدد إعلان الكويت على ضرورة «ضمان وصول الفئات المستضعفة إلى الأنواع الأساسية والضرورية من الأدوية.. وإدراج مكافحة الأمراض الوبائية مثل الملاريا والسل والإيدز، والأخرى غير السارية في برامج التعليم والإعلام».
وعلى الصعيد الاجتماعي، أكدت القمة «دعم الاستراتيجيات والمبادرات الرامية إلى القضاء على التمييز ضد المرأة بغية تحقيق المساواة والإنصاف ورفع مستوى الوعي العام بالمبادئ والقيم الإنسانية التي تضمن حقوق المرأة ودورها في المجتمع». ودعت «جميع الحكومات إلى سن القوانين اللازمة لحماية المرأة وضمان مشاركتها في عملية صنع القرار على قدم المساواة مع الرجل في جميع جوانب الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية».
كما طالبت القمة بـ«تعزيز قدرات مفوضية الاتحاد الأفريقي والأمانة العامة لجامعة الدول العربية وتزويدهما بجميع الوسائل الضرورية، بما في ذلك الدعم المالي والفني لتمكينهما من تنفيذ استراتيجية الشراكة الأفريقية العربية». وأكدت على أهمية «إنشاء مركز أفريقي عربي لتبادل المعلومات للحد من تسلل المهاجرين غير الشرعيين».
وفي كلمته أمام الجلسة الختامية شكر أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح المشاركين في أعمال القمة، وقال: «علينا مواصلة البناء، فالآمال كبيرة والتحديات كثيرة.. ونجاحنا في التركيز على الجوانب الاقتصادية في تعاوننا المشترك سيؤسس منطلقا لعملنا المستقبلي وسنجني ثماره مما يستوجب منا مواصلة التمسك بهذا النهج وصولا إلى ما ننشده من شراكة استراتيجية».
من جانبه قال العاهل المغربي الملك محمد السادس إن البلدان العربية الأفريقية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، ومن البحر المتوسط إلى خليج غينيا ومنطقة أفريقيا الوسطى، باتت مهددة، لا سيما من فقدان حدودها للمناعة ضد الاضطرابات السياسية والتحديات الأمنية، فضلا عن تداعيات التقلبات المناخية، مبرزا أن بؤر التوتر انتشرت في أكثر من بقعة، حيث وجدت في الفقر والهشاشة مجالا خصبا لانتشار القرصنة وتهريب الأسلحة والمخدرات والأشخاص، «وهو ما ساعد على استفحال نزوعات التطرف والإرهاب وانتشار الآيديولوجيات الظلامية، التي لا يمكن محاربتها ولا الحد من اتساع تأثيرها، إلا بتضافر الجهود وتعبئة وسائل الدفاع والتصدي لها بكل حزم».
وأضاف الملك، في الخطاب الذي وجهه إلى القمة العربية الأفريقية الثالثة بالكويت وتلاه عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة، أن هذه القمة «تشكل منعطفا حاسما في مسار التعاون الأفريقي - العربي، على درب إرساء أسس شراكة متينة ومثمرة، من خلال تطوير وتنفيذ خطة عمل 2011 - 2016 للشراكة الأفريقية العربية، التي تهدف إلى تعزيز التبادل التجاري بين المجموعتين، إضافة إلى تسهيل انتقال البضائع والخدمات ورؤوس الأموال بين المنطقتين».
وأعرب الملك عن الأسف الشديد لكون منطقة الساحل والصحراء أضحت مرتعا خصبا للجماعات الإرهابية والمتطرفة، مما يستوجب تضافر الجهود من أجل تحصينها، والعمل على جعلها فضاء للسلم والازدهار، داعيا في هذا الصدد إلى توفير الظروف الملائمة لإقامة سلام شامل بالمنطقة وضمان الأمن والاستقرار لسكانها، والنهوض بالتنمية البشرية والمستدامة، على اعتبار أن ذلك لن يتأتى إلا بالتعبئة الشاملة لكل وسائل الدفاع والرد الاستراتيجية، وكذا توفير كل أسباب التنمية الشاملة، بما يحقق التكامل الضروري بين الأمن والتنمية.
كما أعرب الملك عن اعتقاده بأن التجمعات الجهوية تشكل الإطار الأمثل للرد على التهديدات، وخصوصا المجموعة الاقتصادية لدول أفريقيا الغربية، الذي يحظى المغرب فيها بصفة عضو مراقب، وكذا تجمع دول الساحل والصحراء الذي ستنعقد قمته المقبلة في المملكة المغربية.
غير أن ما يبعث على الأسف، يقول الملك محمد السادس، حالة الجمود المؤسساتي التي يمر بها اتحاد المغرب العربي، الذي لم يتمكن، حتى اليوم، من لعب الدور المنوط به سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، رغم كونه يحاذي منطقة الساحل والصحراء ويواجه نفس المخاطر والتحديات.
ومن جانبه أكد نائب الرئيس العراقي خضير الخزاعي أن القمة تحاول ردم الهوة بين الجانبين وتطوير برامج لدمج القوى الاجتماعية وتحولها إلى ديناميكية متطورة وثابتة. ونقل الخزاعي ترحيب العراق بكل المبادرات العربية والأفريقية في هذا المجال، لا سيما أن «أفريقيا أرض الموارد وتضم نحو ثلثي الشعب العربي، وأن التكامل بين الاقتصاد العربي والأفريقي يضمن رخاء الشعوب شرط تحييد النزاعات السياسية».
أما رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور فبين أن «الأمل يحدونا في المسير إلى الأمام بالتعاون العربي الأفريقي وخلق مزيد من الفرص بين شعوبنا وتحقيق مصالحنا المشتركة، لا سيما أن القمة العربية الأفريقية الثالثة جاءت في وضع دقيق، فالوضع في المنطقة يحتم تفعيل عملية الشراكة بين الدول والشعوب في المنطقتين العربية والأفريقية والارتقاء بها بشكل جدي وعلى أسس سليمة وراسخة، وهذه الاستراتيجية تعزز الاقتصاد والاستثمار في مجالات عدة، منها الطاقة والبنية التحتية والأمن الزراعي والغذائي»، داعيا إلى استغلال قارة أفريقيا لكي تكون سلة العالم في الغذاء وتأمينه للمنطقتين العربية والأفريقية.
وتطرق النسور في كلمته إلى أهمية التنسيق في المواقف بشأن القضية الفلسطينية وتحقيق هدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط عام 1967 عاصمتها القدس الشرقية. أما في ما يتعلق بالشأن السوري فطالب الجميع بدعم الجهود الرامية إلى إنهاء تلك الأزمة من خلال حوار هادف يؤدي إلى تطلعات الشعب السوري وحل سياسي يعيد الاستقرار إلى سوريا ويحفظ استقلالها ووحدة أراضيها ويكفل إعادة اللاجئين السوريين.
وأشار الرئيس الغامبي يحيى جامع إلى ضرورة أن تكون مكافحة الإرهاب في أفريقيا والدول العربية من أولويات العمل المشترك، داعيا إلى إنشاء أمانة مستمرة تكون مسؤولة عن تنفيذ الاتفاقيات والقرارات التي تصدرها مثل هذه القمم وإزالة كل العوائق المتعلقة بالعلاقات بين الدولة الأعضاء، وإنشاء صندوق الشراكة العربية الأفريقية وأن تعقد هذه الاجتماعات دوريا كل سنتين ليتسنى متابعة تنفيذ القرارات الصادرة.
وأصدرت القمة بيانا خاصا بالقضية الفلسطينية أكد الزعماء فيه ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية المستمر منذ الرابع من يونيو (حزيران) عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وفقا للقرارات الدولية ومبادرة السلام العربية ومبدأ الأرض مقابل السلام وخطة خارطة الطريق.
وأدان البيان استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة والانتهاكات العنصرية الإسرائيلية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، محذرين من تأثير استمرار النشاط الاستيطاني على تقويض حل الدولتين وتقليل فرص تحقيق السلام.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.