رحلة عبد الحكيم بلحاج من التطرف إلى بريق المال والسياسة

مراقبون يعدّونه لاعباً مؤثراً في المنافسة الحامية للهيمنة على ليبيا الجديدة

صورة لعبد الكريم بلحاج التقطت عام 2011 في طرابلس (واشنطن بوست)
صورة لعبد الكريم بلحاج التقطت عام 2011 في طرابلس (واشنطن بوست)
TT

رحلة عبد الحكيم بلحاج من التطرف إلى بريق المال والسياسة

صورة لعبد الكريم بلحاج التقطت عام 2011 في طرابلس (واشنطن بوست)
صورة لعبد الكريم بلحاج التقطت عام 2011 في طرابلس (واشنطن بوست)

خلع عبد الحكيم بلحاج، أحد مؤسسي «الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة»، بزته العسكرية ليستبدل بها سُتْرةً رياضية رمادية وقميصاً أبيض مموجاً، بعد أن تخلى عن بندقيته الكلاشنيكوف سريعة الطلقات «إيه كي 47»، وقرر التوجه إلى صناديق الاقتراع.
وفي إشارة إلى أيام القتال التي خاضها في ليبيا، قال الرجل مكتنز البنية: «طريقة تفكيري في تلك الفترة لا تعكس تفكيري الآن». لكن في دولة تسعى لخلق هوية جديدة لنفسها بعد أن مزقتها الحرب وتمكن تنظيم داعش من التسلل إليها، لم ينسَ الليبيون من هو بلحاج؛ فهم ما زالوا يتذكرون أنه حارب يوما ما إلى جانب أسامة بن لادن في أفغانستان، ويعلمون أنه كان زعيما لـ«الجماعة الليبية المقاتلة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، التي صنفتها الولايات المتحدة جماعة إرهابية. كما كان بالحاج يمثل خطرا كبيرا لدرجة أنه تعرض للاعتقال والاستجواب بأحد المقرات السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في آسيا عقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وتعرض لاحقا للتعذيب في أحد السجون الليبية.
لكن اليوم، وبعدما بات لاعبا مؤثرا في المنافسة الحامية بين الإسلاميين والعلمانيين للهيمنة على ليبيا الجديدة، فإن بلحاج ورفاقه يمثلون مثالا نادرا للميليشيات السابقة المرتبطة بـ«القاعدة»، التي لا تسعى فقط لارتداء لباس الشرعية، بل إلى إعادة تشكيل دولة بأكملها.
تقول كلاوديا غازيني، كبيرة محللي الشأن الليبي بمنظمة «إنترناشيونال كريسيس غروب» «هؤلاء الرجال باتوا جزءا من البنية السياسية وإدارة الحياة في طرابلس»، مشددة على أن ما يقلق البعض هو السؤال التالي: «هل تخلوا بالفعل عن نشأتهم المتطرفة؟».
المسار الذي سلكه بلحاج ورفاقه كان متعرجا، لكن ملامحه عربية بحتة. فتاريخ تلك الجماعة يعود لزمن معارك الحرب الباردة، وقد ازدهرت في ظل حكم الرئيس المستبد معمر القذافي. وبعد أحداث الربيع العربي، لعب بلحاج ورفاقه أدوارا بارزة في الثورة التي أدت إلى سقوط ومقتل الزعيم القوي، بعد شهر واحد من الإطاحة به، وكان ذلك منذ نحو 6 سنوات.
والآن، وبعدما صال وجال وسط القبائل الليبية المتفرقة، بات بلحاج يتمتع بنفوذ وسلطة كبيرين ومال وفير، لكنه لا يزال مبعث خوف ومثار جدل لكثيرين الذين يعدونه أحد أمراء الحرب، والعقل المفكر للإرهاب حتى وإن صوره مؤيدوه شخصا مثاليا أساء الناس فهمه.
في هذا السياق، يؤكد عبد الله بلحق، المتحدث باسم البرلمان الليبي بشرق البلاد، إن «بلحاج يمثل تهديدا الآن، وسيظل هكذا في المستقبل. فهناك عدد من الميليشيات المسلحة تتبعه، وسيقفون دائما ضد (تأسيس دولة) ليحافظوا على مصالحهم».
قابلت بالحاج للمرة الأولى في مايو (أيار) 2010 في العاصمة الليبية طرابلس عندما كنت مهندسا مدنيا تحت التدريب. والآن أطلق سراحه هو وكثير من قادة «الجماعة الإسلامية المسلحة»، بعدما خرجوا من السجن في إطار برنامج لإصلاح المتشددين أعده سيف الإسلام القذافي، ابن القذافي، وفي المقابل تعهدت تلك المجموعة بنبذ العنف والعمل على إخراج «القاعدة» من بلادهم. بيد أن كثيرا من الليبيين والغربيين عبروا عن شكوكهم حول هذا الموضوع، لأن بلحاج ورفاقه كانوا ضمن قوافل الليبيين الذين سافروا إلى أفغانستان للمشاركة في قتال قوات الاحتلال السوفياتي. وقد أخبرني أسامة الساعدي، أحد مؤسسي «الجماعة الليبية المقاتلة»، أنهم التقوا هناك بأسامة بن لادن في أحد معسكرات التدريب، وأنه اندهش من درجة «ورع» بن لادن.
في بداية التسعينات، عاد بلحاج إلى ليبيا ليؤسس «الجماعة الليبية المقاتلة» بهدف الإطاحة بالقذافي، وتحويل ليبيا إلى إمارة إسلامية، وأعقب ذلك أعمال تمرد محدودة و3 محاولات فاشلة لاغتيال الديكتاتور، بعدها أصبح بلحاج يعرف باسمه الحركي «أبو عبد الله الصادق».
عندما تمكن نظام القذافي من سحق «الجماعة الليبية المقاتلة» بنهاية التسعينات، فر بلحاج ورفاقه إلى أفغانستان وباكستان، وتعهدوا بالولاء لقادة «القاعدة» و«طالبان»، بحسب السلطات الليبية ومحللين. وقد أقر بالحاج نفسه بتلك الصلة، لكنه أنكر قربه من أي من التنظيمين.
وفي الشهور السابقة لاعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، دعا بن لادن «الجماعة الليبية المقاتلة» إلى الانخراط في صفوفه لاستهداف المصالح الأميركية وحلفائها. لكن بالحاج لم يستجب للنداء نظرا لأن المهمة الوحيدة لجماعته كانت إسقاط القذافي، لا مهاجمة الغرب، بحسب ما صرح به بلحاج مؤخرا، مشيرا إلى أن «هذا بالضبط ما قلته لقادة (القاعدة)». غير أن «الجماعة الليبية المقاتلة» انقسمت حول هذا الخيار، وبالفعل انضم بعض أعضاء الجماعة البارزين إلى بن لادن.
في نهاية 2001، قتل الجانب الأعظم من طالبان، وبات بن لادن في طريقه للحاق بهم، هرب كثير من قادة «الجماعة الليبية»، وبعد 3 سنوات ألقي القبض على بلحاج وزوجته الحبلى في العاصمة الماليزية كوالالمبور، وجرى نقلهم إلى أحد مواقع «سي آي إيه» في تايلاند، كما ألقي أيضا القبض على سعوديين وآخرين في مناطق أخرى من قارة آسيا، وجرى تسليمهم إلى الحكومة الليبية، وتحول القذافي إلى نصير للغرب في حربه على الإرهاب بعدما كان راعيا له.
ولست سنوات أودع بلحاج ورفاقه في سجن أبو سالم سيئ السمعة بمدينة طرابلس، ويسترجع بلحاج تلك الأيام قائلا: «تعرضت للضرب، وكنت أعلق من ذراعي على الحائط، وأحرم من الطعام ومن ضوء الشمس»، وهو ما جعله يتقدم بشكوى ضد الحكومة البريطانية، ظنا منه أنها لعبت دورا في إعادته إلى ليبيا. واستنادا إلى وثائق في ليبيا لم يكشف عنها، فقد أثبت محققو منظمة «هيومان رايتس ووتش» صحة مزاعم بلحاج بشأن اعتقاله بأحد مقار «سي آي إيه» وتعرضه للتعذيب بسجن أبو سالم.
وشجع دعاة إسلاميون معتدلون وابن القذافي الأصغر بلحاج ورفاقه على كتابة نحو 400 صفحة، نددوا فيها بمعتقدات تنظيم «القاعدة» وشجبوا اعتداءاتها ضد المدنيين الغربيين. بيد أنه لا يزال يرى أن «الجهاد» ضد القوات الأميركية في العراق وأفغانستان «عملا مقدسا»، وبحسب ما قاله لي بلحاج عام 2010، فعندما تغزوا الولايات المتحدة دولة ما «فالتمرد يصبح أمرا مشروعا».
وبعد نحو عام، اجتاحت ثورات مشابهة العالم العربي ليضطلع بعدها بلحاج ورفاقه من المناوئين للقذافي بأدوار القيادة. وأصبح بلحاج قائدا لميليشيا متمردة حملت اسم «لواء طرابلس»، وفي 22 أغسطس (آب) 2011، دخل بلحاج ورجاله حصن القذافي المنيع ومركز عملياته بمجمع «باب العزيزية».
وعلى مدار الشهور التالية، ساعد بلحاج في قيادة المعارك في مواجهة قوات القذافي، التي لعب فيها حلف شمال الأطلسي (ناتو) دورا كبيرا. وفي ذلك اليوم كانت القوات على وشك السيطرة على طرابلس بعدما فر القذافي باتجاه الشرق. وبعد مرور أقل من شهرين على ذلك عين بالحاج قائدا لـ«مجلس طرابلس العسكري»، وهي اللجنة المنوط بها حفظ النظام في العاصمة عقب مقتل القذافي، وبعدها انضم إلى «مجلس الأمن الأعلى» الذي أسسته المقاومة، فيما انضم آخرون من أعضاء «الجماعة الليبية المقاتلة» إلى حركات إسلامية، وأقاموا معسكرات دينية للشباب للترويج لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية المتشددة. فيما أسس سامي الساعدي حزبا سياسيا، وعين خالد الشريف نائب أمير «الجماعة الليبية المقاتلة»، نائبا لوزير الدفاع في حكومتين تأسستا بعد سقوط القذافي.
في سنة 2014 ساند بلحاج وبعض أعضاء «الجماعة الليبية المقاتلة» جماعة «فجر ليبيا» التي ضمت الميليشيات المسلحة التي سيطرت على العاصمة طرابلس، وقامت بتشكيل حكومتها الخاصة، مما تسبب في انقسام في الرأي العام. واليوم حول بلحاج علاقاته الثورية إلى ثروات ونفوذ كبيرين. وحتى إن لم يتولى منصبا رسميا في الحكومة، فإن أنصاره من المسلحين يسيطرون على السلطة في العاصمة. ولأنه ابتعد عن الأضواء واحتفظ بسرية صفقاته السياسية والمالية، فلا يزال يمثل لغزا بالنسبة لليبيين.
تقول كلاوديا غازيني، كبيرة محللي الشأن الليبي بمؤسسة «إنترناشيونال كريسيس غروب»: «إنه في الوقت الذي يرى فيه بعض الليبيين بلحاج رجل أعمال، هناك آخرون يرونه بشكل مختلف». فهم يعتقدون أنه «يدعي أنه مجرد رجل أعمال، وأن هذا كل ما يشغله، لكنه بالفعل الآمر الناهي».
من ناحيته، أفاد بلحق، المتحدث باسم البرلمان الذي تأسس بشرق البلاد، بأن بلحاج يمارس سلطات واسعة من خلال أمواله المشبوهة، مشيرا إلى أنه بات يمتلك شركة طيران بعد عامين فقط من خروجه من السجن، وتساءل مستغربا: «من أين له بكل تلك الأموال؟!»، وهو ما ينكره بلحاج.
استقال بلحاج من «مجلس طرابلس العسكري» ليؤسس حزبه السياسي تحت اسم «الوطن» لأنه، وكما يقول، يؤمن بالديمقراطية، ولذلك ترشح في الانتخابات البرلمانية عام 2012؛ وإن لم يوفق.
ولا يزال بلحاج مصرا على أنه لم يعد يسيطر على ميليشيات مسلحة، وعلى أنه يؤيد الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة، ويؤكد: «إننا لا نريد العيش بمعزل عن باقي شعوب العالم».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.