مشروع «مؤتمر تأسيسي جديد» يكرس لـ«حزب الله» بالدستور ما يكسبه بـ«قوة الأمر الواقع»

يربك المسيحيين ويقترحه الغربيون مقابل نزع السلاح

سعد الحريري في لقاء سابق مع وليد جنبلاط ({الشرق الأوسط})
سعد الحريري في لقاء سابق مع وليد جنبلاط ({الشرق الأوسط})
TT

مشروع «مؤتمر تأسيسي جديد» يكرس لـ«حزب الله» بالدستور ما يكسبه بـ«قوة الأمر الواقع»

سعد الحريري في لقاء سابق مع وليد جنبلاط ({الشرق الأوسط})
سعد الحريري في لقاء سابق مع وليد جنبلاط ({الشرق الأوسط})

لا شيء يخيف غالبية الفرقاء المسيحيين في لبنان بقدر إنعاش التداول باقتراح الذهاب إلى «مؤتمر تأسيسي جديد»، يطيح باتفاق الطائف و«الميثاقية» التي أرساها بين المكونات الطائفية. والخشية من «المؤتمر التأسيسي الجديد» لا تتأتى من الفكرة في حد ذاتها، مع اعتراف القوى السياسية اللبنانية بأن عدم استكمال تطبيق «اتفاق الطائف» لا يحقق الأهداف المرجوة منه، وإنما من الربط بين هذه الفكرة والإطاحة بالمناصفة القائمة بين المسيحيين والمسلمين لصالح «المثالثة».
والحديث عن «المثالثة»، أي تقاسم السلطة بين الشيعة والسنة والموارنة، ليس جديدا، لكن أيا من الفرقاء المعنيين بهذه الصيغة أو الطامحين إليها أو المروجين لها، من أطراف محلية وخارجية، يجاهر بها علنا. ولعل رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون، وهو من أشد معارضي «الطائف» منذ توقيعه، كان الأكثر مباشرة في التلميح إلى فكرة المثالثة، وإن من الناحية النظرية، بقوله مساء الأربعاء الماضي لقناة «المنار» التلفزيونية الناطقة باسم «حزب الله»: «يجب أن نكون كالمثلّث المتساوي الأضلاع. 3 أقطاب يمكن أن يشكلوا مثلثا، أي السيد حسن نصر الله والرئيس سعد الحريري وأنا، بحيث لا نستطيع أن نفكك هذا المثلث ونرمي كل قطعة في مكان، بل يجب أن نكون مرتبطين ببعضنا».
وعدا عن أن الحديث عن مثلث قوامه أمين عام «حزب الله» بوصفه ممثلا عن الشيعة، ورئيس الحكومة الأسبق رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، بوصفه ممثلا عن السنة، وعون بوصفه ممثلا عن المسيحيين، وتحديدا الموارنة منهم، لا يذكر المكون الدرزي الممثل بالنائب وليد جنبلاط، من جهة، وهو بيضة القبان في ظل الستاتيكو السياسي القائم على الساحة اللبنانية، فإنه يستثني أيضا بقية القيادات والمكونات المسيحية. وكان من المتوقع مبادرة مسيحيي «14 آذار» إلى الرد سريعا على موقف عون، فاعتبرت النائبة في كتلة «القوات اللبنانية» ستريدا جعجع أن «المثالثة التي طرحها عون تنسف المناصفة واتفاق الطائف»، مشيرة إلى أن «ما أدلى به خطير جدا ومع احترامنا لشخصه الكريم فإنه لا يمثل المسيحيين وحده، وطرحه يذكرنا بترويكا الحكم أيام الوصاية السورية»، في إشارة إلى الحلف الذي كان قائما بعد اتفاق الطائف، بين الرئيس اللبناني الراحل إلياس الهراوي ورئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري ورئيس البرلمان نبيه بري.
بمعزل عن الأسئلة التي يشرع عون الباب أمام طرحها، فإن الدعوة للنقاش في فكرة «مؤتمر تأسيسي جديد» ليست جديدة. هي فكرة تطرحها الدول الغربية قبل الإقليمية، أقله منذ عام 2000، بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وتحديدا في معرض النقاش حول مصير سلاح «حزب الله» بعد «انتفاء صفة المقاومة» عنه، وفق ما تقوله مصادر سياسية لبنانية، قريبة من دوائر القرار الغربية لـ«الشرق الأوسط». وتوضح أن «الأميركيين والأوروبيين كانوا سباقين في اقتراح فكرة المؤتمر التأسيسي وهم يطرحونها في جلسات خاصة وخلال لقاءات مع مسؤولين لبنانيين، انطلاقا من أن نزع سلاح (حزب الله) لا بد وأن يقابله دمج الحزب في المنظومة اللبنانية، من خلال منحه مكاسب سياسية بديلة في مواقع السلطة وإداراتها».
وكانت المرة الأولى التي سمع فيها القادة اللبنانيون بفكرة «المؤتمر التأسيسي» أثناء زيارة موفد وزير الخارجية الفرنسية جان كلود كوسران إلى لبنان في شهر يونيو (حزيران) 2007، بعد عامين من اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، أحد عرابي اتفاق الطائف. ويقول مصدر سياسي مطلع في فريق «14 آذار» لـ«الشرق الأوسط» إن «كوسران نقل إلى عدد من المسؤولين اللبنانيين حينها تبلغه من الإيرانيين باقتراح إعادة توزيع السلطة على قاعدة المثالثة وليس المناصفة مقابل تسليم (حزب الله) لسلاحه». وفي مؤتمر سان كلو الحواري الذي جمع ممثلي القوى السياسية في فرنسا في يوليو (تموز) 2007، يتابع المصدر «سمع اللبنانيون مجددا بالاقتراح ذاته، من مسؤول فرنسي تولى متابعة الملفين الإيراني واللبناني، نقلا عن مسؤولين إيرانيين، مما حدا بالوزير مروان حمادة، الذي كان أول المتحدثين في المؤتمر، إلى التأكيد في مستهل كلمته على ضرورة تطبيق اتفاق الطائف بكامل بنوده، وتحديدا المناصفة بين المسيحيين والمسلمين».
ويذكر المصدر ذاته بالشعار الذي اتخذه النائب ميشال عون لحملته الانتخابية عشية الانتخابات النيابية عام 2009، وهو «الجمهورية الثالثة»، مما أطلق حينها تفسيرات وتكهنات كثيرة وصلت إلى حد اتهام عون بالسعي لإقامة جمهورية جديدة على أنقاض جمهورية الطائف، خصوصا أن عون كان من أشد معارضي الاتفاق عند توقيعه نهاية سبتمبر (أيلول) 1989 في مدينة الطائف السعودية، بحضور 62 نائبا لبنانيا من أصل 73.
وجاء الحديث عن مؤتمر تأسيسي للمرة الرابعة على لسان أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله، الذي اقترح على طاولة الحوار مطلع 2012 «مناقشة خيار بناء الدولة وتطوير الفكرة إلى عقد مؤتمر تأسيسي وطني عنوانه بناء الدولة». وأشار إلى «وجوب معالجة الأسباب بدل النتائج على طاولة الحوار التي ستتناول الاستراتيجية الدفاعية»، لافتا إلى أنه «يمكن انتخاب المؤتمر على أساس تركيبة الشرائح الوطنية وليس على أساس طائفي أو مناطقي». ولاقت مواقف نصر الله انتقادات حادة، وصلت إلى حد وصفها بأنها «نعي لاتفاق الطائف وللدستور اللبناني»، وتطيح بـ«المناصفة» و«نهائية كيان لبنان وعروبته ونظامه الديمقراطي الحرّ»، ليسحب الاقتراح بعدها من التداول.
ومع بروز أزمة انتخاب رئيس جديد للجمهورية في الأسابيع الأخيرة، وفشل القوى السياسية في التوصل إلى حد أدنى من التفاهم يسمح بتنافس ديمقراطي للوصول إلى الرئاسة، تعالت أصوات سياسية مطالبة بالدعوة إلى «مؤتمر تأسيسي»، انطلاقا من فشل صيغة اتفاق الطائف في تسيير شؤون الدولة وتمرير الاستحقاقات الكبرى. وعلى الرغم من أن «حزب الله» لم يدل بأي موقف في هذا السياق، واقتصرت المطالبة على عدد من حلفائه وحلفاء النظام السوري في لبنان كالوزيرين السابقين طلال أرسلان ووئام وهاب، فإن رئيس البرلمان نبيه بري سارع في جلسة الحوار الأخيرة التي عقدت مطلع الشهر الحالي، ووفق ما نقل عنه، إلى القول «نحن كمسلمين في لبنان، سنةً وشيعةً ودروزا وعلويين، نتمسك باتفاق الطائف وبصلاحيات المسيحيين، ولا عودة عن الطائف»، تزامنا مع تأكيد رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي أن «الكلام حول مؤتمر تأسيسي كلام مرفوض، لأن الأصل هو تطبيق الطائف كاملا بكل مندرجاته».
وكان الرئيس اللبناني ميشال سليمان، وفي معرض دعوته مطلع شهر مايو (أيار) الحالي، إلى «عدم التلكؤ عن واجب انتخاب الرئيس»، خاطب القوى السياسية بالقول، خلال افتتاح قرية رياضية باسمه في مدينة جبيل «بالله عليكم، لا تستدرجوا البلاد والعباد إلى مؤتمر تأسيسي، قد يؤدي في أحسن الأحوال، إلى الإخلال بالميثاقية والمناصفة، وتغيير وجه لبنان»، داعيا بدوره إلى «استكمال تطبيق اتفاق الطائف، الذي أرسى شبكة أمان نستظلها رغم هذه الظروف الاستثنائية الصعبة».
وعلى الرغم من أن الأهداف المرجوة من التداول باقتراح «مؤتمر تأسيسي» لا تبدو واضحة، خصوصا أن الطبقة السياسية لا تزال نفسها تتداول السلطة منذ الطائف، وبالتالي فإنها تتحمل عمليا مسؤولية أي خلل في تطبيق بنوده، فإن خبراء يربطون بين هذا الاقتراح والتعديل الطارئ على موازين القوى في لبنان، مع تصاعد نفوذ «حزب الله» ورغبته في التحكم بكل الاستحقاقات المفصلية.
وفي هذا السياق، ينفي الكاتب والمحلل السياسي قاسم قصير، القريب من «حزب الله»، لـ«الشرق الأوسط»، أن «يكون الحزب بصدد إثارة موضوع المؤتمر التأسيسي في الوقت الراهن»، مشيرا إلى أن «السيد نصر الله عرض الفكرة عام 2012 من دون الدخول في أي طرح تفصيلي، ثم سحب الاقتراح على ضوء الانتقادات».
وتنسجم قراءة قصير مع ما تؤكده مصادر سياسية قريبة من «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» بقولها إن «الحزب سحب فكرة المؤتمر التأسيسي كليا من التداول بعد الردود السلبية التي تلقاها، وليست اليوم مطروحة على جدول أولوياته المتمثل في الحفاظ على الاستقرار ومعالجة القضايا الطارئة كانتخابات الرئاسة وقانون الانتخاب وقضية اللاجئين السوريين».
ويكرر قصير ما أفادت به مصادر لـ«الشرق الأوسط» لناحية أن «من يطرح فكرة المؤتمر التأسيسي جديا بعض المؤسسات الدولية والإقليمية والأوروبيين والأميركيين بالتعاون مع بعض الجهات المحلية، ولا علاقة لـ(حزب الله) بذلك».
ويقول قصير إن «فكرة المثالثة التي قال الفرنسيون في وقت سابق إنهم سمعوها من الإيرانيين هي فكرة مخترعة، والإيرانيون بدورهم قالوا إنهم سمعوها من الفرنسيين في إطار بحث الخيارات المتوافرة لاستيعاب سلاح الحزب بعد تحرير الجنوب عام 2000». ويجزم في الوقت ذاته بأن «(حزب الله) لم يطرح يوما فكرة المثالثة، وقياديو الحزب وكذلك حركة أمل يرددون دائما أنه لا طرح بديل عن اتفاق الطائف بالمعنى الرسمي».
في المقابل، يعرب الباحث والناشط السياسي توفيق الهندي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن اعتقاده بأن «(حزب الله) هو من يقف فعليا وراء المطالبة بعقد مؤتمر تأسيسي، فيما المثالثة تعبّر عن رأي رئيس البرلمان، رئيس حركة أمل، نبيه بري، انطلاقا من مقولة مفادها أن الشيعة مغبونون في السلطة التنفيذية». ويوضح أن مطالبة «حزب الله» بمؤتمر تأسيسي هدفها «رسم معالم توجه لبنان في المنطقة، بمعنى أنه ومن خلال اتفاق جديد، يريد أن يكرس لبنان، بالدستور بعد الأمر الواقع، على أنه جزء لا يتجزأ من جبهة الممانعة، أي ربط لبنان بالمحور الإقليمي الذي تقوده إيران الإسلامية في المنطقة». ويرى الهندي في هذا السياق، أن «(حزب الله) ليس بحاجة اليوم إلى مهاجمة المسيحيين أو إرباكهم عبر الانتقال من المناصفة إلى المثالثة، ما دام تحالفه القائم والمستمر مع عون يمنحه تأييد جزء من المسيحيين».
وفي حين يؤيد قصير، من وجهة نظر شخصية «ضرورة إعادة النظر في اتفاق الطائف بعد أن كشف تطبيقه العديد من الثغرات، إن لناحية صلاحيات الرئيس أو صعوبة تنفيذ ما لم يطبق منه بعد»، يرى الهندي أن «اتفاق الطائف جيد ولا شوائب فيه إلا ببعض القضايا الإجرائية». ويوضح أن أهميته تتجلى في تأكيده على أن لبنان دولة حرة سيدة مستقلة، بعيدا عن أي وصاية مباشرة، أي السورية، أو غير مباشرة، أي الإيرانية، كما ينص على العيش المشترك والمساواة في السلطة بين المسيحيين والمسلمين إلى حين إلغاء الطائفية السياسية، لكن مع الحفاظ على ما يطمئن الطوائف من خلال المبادرة إلى تأسيس مجلس الشيوخ».
يعتبر الهندي، الذي كان في وقت سابق من الدائرة المقربة من رئيس حزب القوات سمير جعجع وأحد مستشاريه، أن «العلة ليست في الطائف، إنما في وقوع لبنان تحت الاحتلال السوري سابقا والإيراني راهنا»، منتقدا «ما دأبت الطوائف المدعومة سياسيا على القيام به لناحية عدم تنفيذ كل بنود الاتفاق».
وفي سياق متصل، يرى منسق الأمانة العامة لقوى «14 آذار» النائب السابق فارس سعيد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «قسما من اللبنانيين، وبعد توقيع اتفاق الطائف، تكيّف مع النسخة السورية منه، إذ وزعت الوصاية السورية السلطات بعد الطائف على القوى السياسية وفق معيار قربها منها، بمعنى أن (الرئيس الراحل) إلياس الهراوي و(النائبين) ميشال المر وسليمان فرنجية، على سبيل المثال، نالوا حصصا وازنة، فيما أقصيت بقية القيادات المسيحية إلى السجن (جعجع) أو المنفى (الرئيس الأسبق أمين الجميل والنائب ميشال عون)، وكذلك الحال بالنسبة لقيادات السنة والشيعة».
لا يستغرب سعيد أن يطرح «حزب الله» فكرة المؤتمر التأسيسي. يقول إن «الحزب بعد التحرير (انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان) عام 2000 وبعد صموده في حرب تموز (حرب إسرائيل ضد لبنان) عام 2006، بات يعتبر أن إنجازاته وظروفه تسمح له بإعادة توزيع السلطة، خصوصا مع وجود قوى مسيحية ممتعضة من (الطائف) وفي مقدمها النائب ميشال عون الذي يمكن أن يحصل (حزب الله) بسهولة على توقيعه، مقابل انصراف بقية القوى المسيحية إلى الاهتمام بملفات محلية ضيقة والاهتمام بالسياحة والحلم بتطبيق اللامركزية الإدارية وصولا إلى حديث البعض عن التقسيم».
في المقابل، لا ينكر المحلل السياسي قاسم قصير، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن «(حزب الله) وبعد حرب تموز 2006، اعتبر أن استمرار الحكومة في عملها بعد استقالة الوزراء الشيعة منها، كما حصل حينها، لا يمكن أن يتكرر، فطالب بضمانات أكبر واقترح فكرة الثلث الضامن في الحكومة»، وهو ما يسميه خصوم «حزب الله» السياسيون بـ«الثلث المعطل»، انطلاقا من أنه يمنح الحزب القدرة على تعطيل اتخاذ القرارات الحاسمة على طاولة مجلس الوزراء في حال لم يوافق عليها. ويستنتج قصير أن «(حزب الله) حقق من خلال هذه الفكرة التطبيقية، أي الثلث الضامن، ما يريد الحصول عليه من ضمانات من دون اللجوء إلى تعديل دستوري أو الإصرار على مؤتمر تأسيسي يعيد توزيع السلطة».
وفي موازاة جزم قصير بأن المؤتمر التأسيسي ليس أولوية «حزب الله» في الوقت الراهن، يستعيد سعيد الظروف التي أدت إلى توقيع «اتفاق الطائف». ويقول في هذا الإطار إن «الاتفاق بني على رغبة سنية بزعامة رفيق الحريري، ومسيحية عبر عنها البطريرك الماروني الاستثنائي السابق نصر الله صفير وجعجع، وبدعم سعودي، فيما عارضه كل من (حزب الله) وبري وعون وجنبلاط».
ويشير سعيد إلى أنه «مع بروز إيران كقوة إقليمية منذ التسعينات ومزايدتها على الدول العربية في رفع راية قضية فلسطين، بات (حزب الله) يعتبر أن موازين القوى تغيرت، وبالتالي فإن توزيع السلطة في الطائف، الذي أعقب سنوات الحرب الأهلية، لم يعد عادلا».
ويعرب منسق الأمانة العامة لقوى «14 آذار» عن اعتقاده أن «المؤتمر التأسيسي يحتاج إلى توقيعين سني ومسيحي»، متابعا «التوقيع المسيحي تحصيل حاصل، محمد شطح (الوزير السابق الذي اغتيل في بيروت نهاية العام الماضي) مسيحي كفيل بالحصول على إمضائهم». ويلفت إلى أن «المسيحيين في لبنان باتوا يشعرون بأنهم مقيمون، ولا أحد من الناقورة حتى العاقورة مستعد للموت من أجل أحد لدى المسيحيين»، محملا القيادات المسيحية مسؤولية إفساح المجال من خلال تصريحاتهم لـ«حزب الله» بإثارة فكرة «المؤتمر التأسيسي».
بدوره، يشدد توفيق الهندي على أن «المتضررين من أي اتفاق جديد هم المسيحيون، خصوصا في ظل ظروف المنطقة والتغيير في التوازن الديموغرافي القسري في لبنان بسبب الهجرة الكبيرة التي طالت المسيحيين عدا عن التجنيس بالجملة في عهد الوصاية السورية». ويقول «صحيح أن المناصفة موجودة في اتفاق الطائف، لكن تنفيذه بالشكل الحالي لا يؤمن للمسيحيين المناصفة الحقيقية»، مبديا أسفه «لأن الصحة في العلاقات داخل الوسط المسيحي تذهب زيادة عن اللزوم، وضعف الموقف المسيحي، في حين أننا نجد في الوسط الشيعي ثنائية متنافسة ومتنافرة أحيانا لكنها تجتمع على موقف سياسي موحد يحقق لها مكاسب إضافية، وهذا ما ليس حاصلا لدى المسيحيين».



«العزم الصلب» تغادر العراق

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
TT

«العزم الصلب» تغادر العراق

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)

أنهى «التحالف الدولي» مهمة «العزم الصلب» في العراق، بعد سنوات من طلب الحكومة في بغداد المساعدة لمكافحة تنظيم «داعش».

وقالت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا عملية «العزم الصلب»، مضيفة أنه تم الانتقال إلى الأردن مع مواصلة تقديم الدعم الاستخباري للشركاء العراقيين.

وأفاد رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، بأن «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال إلى مرحلة يتولى فيها العراق المسؤولية الكاملة عن الأمن». وبشأن السلاح المنفلت، قال الزيدي: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة، وفق ما يقضي الدستور».

وطمأن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، أمس (الأربعاء)، مواطنيه بأن الإقليم ليس عرضة للتهديد بعد انتهاء مهام قوات التحالف الدولي.

وفي واشنطن، أفاد خبراء بأن الولايات المتحدة تركز في المرحلة الراهنة، بعد الانسحاب، على تفكيك الميليشيات وعزل النفوذ الإيراني.

وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات - والذي كان بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان - بوصفه «انتصاراً»، رغم قلق طيف من العراقيين إزاء تحديات جيوسياسية.


تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

دخلت المواجهات بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية مرحلة أكثر حدة، مع اشتداد المعارك في جبهات تعز ولحج، وتزامن العمليات البرية والجوية والصاروخية مع تحرك مؤسسات الدولة لتفعيل التعبئة العامة ورفع الجاهزية العسكرية، في مؤشر على استعداد رسمي لمعركة كبرى ضد الجماعة المتحالفة مع إيران.

وتتركز المعارك في غرب تعز والمناطق المتصلة بلحج، حيث تخوض القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» ومقاتلين قبليين، مواجهات عنيفة مع هجمات حوثية ومحاولات تسلل والتفاف. وشهدت جبهة الأغبرة في المضاربة والعارة معارك ليلية، بالتزامن مع غارات جوية على مواقع حوثية في الوازعية والبازلة والظهورة.

وفي تعز، صعّدت الجماعة قصفها الصاروخي على مناطق سكنية في الشمايتين والتربة، مما أسفر عن أضرار مادية وإصابة مدنيين، فيما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ 414 عملية استهداف خلال 24 ساعة، بعد يوم من إعلانها 356 عملية قالت إنها أوقعت 476 قتيلاً وجريحاً حوثياً، لترفع حصيلتها المعلنة خلال 4 أيام إلى نحو 3 آلاف قتيل وجريح.

ويتزامن التصعيد الميداني مع إقرار الجيش اليمني عملياته للتعبئة العامة، ومناقشة مجلس الدفاع الوطني رفع جاهزية القوات وتوحيد الموارد والجهود الوطنية.


«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
TT

«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)

أنهت القوات الأميركية، الأربعاء، مغادرة قواعدها المتبقية في العراق، وسط مخاوف من ترك ملف سلاح الفصائل الموالية لإيران «عقدة دون حل»، ومنح تنظيم «داعش» فرصة لإعادة تنظيم صفوفه. وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات - الذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان - بوصفه «انتصاراً»، على الرغم من قلق عدد من العراقيين إزاء عدم جاهزية قوات الأمن العراقية.

وجرت الموافقة على الانسحاب عام 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، وتنفذه إدارة دونالد ترمب الحالية حتى في الوقت الذي تشن فيه حرباً على إيران. وغادرت القوات الأميركية في البداية آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ‌3 سنوات بعد ‌أن استولى تنظيم «داعش» على ثلث أراضي العراق.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي متحدثاً خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

نهاية «العزم الصلب»

وقالت وزارة الدفاع الأميركية إن الولايات المتحدة وشركاءها في «التحالف الدولي لمحاربة (داعش)» اختتموا رسمياً عملية «العزم الصلب»، مضيفة أنها انتقلت إلى مقرها في الأردن بينما ستواصل تقديم التدريب والدعم الاستخباري الموجه للشركاء العراقيين.

كما أعلنت «القيادة المركزية الأميركية»، في بيان، إكمال الانسحاب المنظم للقوات والمعدات الأميركية من قاعدة أربيل الجوية؛ مما يمثل نهاية مهمة عملية «العزم الصلب».

وأشارت إلى أن «هذه الخطوة جزء من انتقال مخطط له نحو علاقة دفاعية ثنائية بين الولايات المتحدة والعراق».

وقال رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، في بيان: «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره».

وأضاف الزيدي، خلال احتفال حضرته «الشرق الأوسط» في بغداد، أن «مهام العمليات المشتركة انتقلت إلى مكتب القائد العام للقوات المسلحة ضمن صيغة مؤسسية لإدارة هذا الجهد تحت سلطة الدولة وقيادتها العليا».

وبشأن قصة السلاح المنفلت في العراق، قال الزيدي: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة، وفق ما يقضي الدستور».

كما أقامت «هيئة الحشد الشعبي»، التي تضم مجموعات مسلحة موالية لإيران، احتفالاً بمناسبة «يوم السيادة»؛ وشهد كلمات خطابية وصفت الحدث بـ«الانتصار».

يرفع أحد عناصر الأمن العراقي علامة النصر خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الصدر يحل «اليوم الموعود»

في غضون ذلك، أعلن زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، الأربعاء، حل لواء «اليوم الموعود» وتحويل فصيله المسلح مؤسسةً مدنية، داعياً إلى حصر السلاح بيد الدولة واعتزال القيادات السياسية العمل السياسي وفتح المجال أمام وجوه جديدة.

وقال الصدر، في تدوينة على منصة «إكس»، إنه يعلن «استقلال العراق وانتهاء حقبة التواجد الأميركي والتحالف الدولي بصورة نهائية»، مقدماً الشكر إلى «المقاومين السابقين الأولين من المجاهدين والأنصار».

وطالب الصدر الجيش الأميركي بتعويضات عن الأضرار التي قال إنها حدثت بسبب «احتلاله الأراضي العراقية»، داعياً إلى تقديم شكاوى قانونية بهذا الشأن.

وحث الصدر الجهات السياسية على إجراء التعديلات اللازمة، وإعطاء الأولوية للعمل السياسي فوراً، وفتح الباب أمام الوجوه الجديدة لإنهاء الفساد والعمل على الإصلاح، مشدداً على وجوب تعزيز القوات الأمنية بكامل صنوفها وتفعيلها، لا سيما حرس الحدود.

بينما عدّ فصيل يحمل اسم «أصحاب أهل الكهف»، يُعتقد أنه واجهة لأحد الفصائل الكبيرة الموالية لإيران، أن حصر السلاح «أوهام يحلم بها الضعفاء والأذلاء»، متوعداً بقطع أي يد تمتدّ إلى عناصره أو تمس سلاحه.

وحذر الفصيل في بيان بأنه «ابتداء من اليوم؛ فإن أي وجود أجنبي، برياً كان أم جوياً، سيشهد رداً عسكرياً» من قبل الفصيل.

كما شككت «كتائب حزب الله»، الأربعاء، في إتمام انسحاب القوات الأميركية من البلاد، مؤكدة في بيان أن ما وصفتها «أجهزتها الاستخبارية» رصدت استمرار تحليق الطيران «التجسسي والحربي في الأجواء العراقية»، إلى جانب «الحصول على برقيات توثق تحركات ميدانية لأفراد (الجيش الأميركي) تستمر حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل».

أحد عناصر الأمن العراقي يؤدي التحية العسكرية خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«عقدة دون حل»

ومع الانسحاب الأميركي، تعزز طهران نفوذها من خلال حلفائها في العراق منذ سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين. ويشعر طيف سياسي وشعبي بالقلق من أن قوات الأمن التي دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة ‌على حماية البلد، بينما تبقى الفصائل المسلحة التي تعمل من كثب مع «الحرس الثوري» الإيراني «عقد بلا حل»، على حد وصف قيادي بارز في «تحالف إدارة الدولة». ونقلت «رويترز» عن جاسم البهادلي، وهو محلل يقدم المشورة لقوات الأمن: «الدرس المستفاد ‌من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة».

لكن مقربين من الحكومة يميلون إلى التفاؤل بما ستؤول إليه الأوضاع بعد الانسحاب. وقال الخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور حسين علاوي لـ«الشرق الأوسط» إن العلاقات العراقية - الأميركية دخلت مرحلة جديدة بعد 12 سنة من العمل المشترك لهزيمة تنظيم «داعش»، مشيراً إلى أن «التنسيق الأمني سيتحول تعاوناً اقتصادياً وتنموياً واستثمارياً، بدأت بوارده في الظهور مع لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي بالرئيس دونالد ترمب الأسبوع الماضي».

مرحلة ما بعد الانسحاب

ورجح الباحث في الشأن الأميركي عبد الرحمن الجبوري، في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «العلاقة بين واشنطن وبغداد لن تتغير كثيراً بسبب تعاظم نفوذ واشنطن السياسي والمالي في بغداد»، لكنه أشار إلى «تأثرها بواقع واستمرار الحرب الإيرانية - الأميركية ورغبة واشنطن إنهاء النفوذ الإيراني في العراق».

وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق 7 من أصل 18 جندياً أميركياً أعلن عن مقتلهم خلال الصراع؛ آخرهم جندي برتبة ‌سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير محكم لطائرة مسيّرة بقاعدة قرب أربيل خلال يوليو (تموز) الماضي.

وتعدّ إيران، التي تقول إن هدفها النهائي هو إجبار القوات الأميركية على ⁠مغادرة الشرق الأوسط بأكمله، انسحاب ⁠الولايات المتحدة من العراق انتصاراً لما يسمى «محور المقاومة»؛ الذي يضم جماعات وفصائل مسلحة متحالفة معها في أنحاء المنطقة. ونقلت «رويترز» عن المحلل السياسي أحمد يونس أن «ما يثير القلق ليس بالضرورة التدخل الإيراني المباشر، وإنما احتمال أن تشعر الجماعات الوكيلة لإيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية».