رهينة سابق يروي مأساة ست سنوات لدى «القاعدة» في الصحراء الكبرى

ارتدى بدلة «غوانتانامو» البرتقالية وظهر أمام الكاميرات لاستجداء الخاطفين للإبقاء على حياته

جون غوستفسون يكشف تفاصيل اختطافه من قبل عناصر القاعدة في مالي عام 2011 («نيويورك تايمز»)
جون غوستفسون يكشف تفاصيل اختطافه من قبل عناصر القاعدة في مالي عام 2011 («نيويورك تايمز»)
TT

رهينة سابق يروي مأساة ست سنوات لدى «القاعدة» في الصحراء الكبرى

جون غوستفسون يكشف تفاصيل اختطافه من قبل عناصر القاعدة في مالي عام 2011 («نيويورك تايمز»)
جون غوستفسون يكشف تفاصيل اختطافه من قبل عناصر القاعدة في مالي عام 2011 («نيويورك تايمز»)

كان من المفترض أن تكون مجرد مغامرة بالدراجات النارية عبر القارة الأفريقية تلك التي بدأها جون غوستفسون، المهندس البالغ من العمر آنذاك 36 عاما. فقد انطلق بصحبة صديقيه لمشاهدة القارة على الطبيعة بعد أن قرر ألا «يكتفي بالقراءة عنها في الكتب»، وفق ما صرح به غوستفسون مؤخرا. كانت حوادث الطرق أكثر ما يقلقه، لكن ما حدث له كان أكثر من ذلك بكثير. فقد وصل غوستفسون إلى مدينة تمبكتو، مالي، وما إن وصل إلى الفندق حتى قامت مجموعة مسلحة باختطافه تحت تهديد السلاح ووضعه هو واثنين آخرين من السياح في مؤخرة شاحنة كبيرة، وكان هناك سائح رابع ألماني الجنسية قاوم المختطفين وتلقى إثر ذلك بضع رصاصات أردته قتيلا في مكانه.
كان ذلك في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، وكان هذا التاريخ بداية لمحنة غوستفسون التي دامت ست سنوات بعد أن احتجزه ما يعرف بتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، فرع «القاعدة» في المغرب العربي، في الصحراء الكبرى للمساومة عليه مقابل فدية إلى أن جرى تحريره العام الجاري.
وفي 26 يونيو (حزيران)، عاد غوستفسون (42 عاما حاليا) إلى السويد ليصبح ثاني ثلاثة يجرى تحريرهم. وكانت القوات الخاصة الفرنسية تمكنت من إنقاذ مختطف هولندي يدعى سجيم ريجك في أبريل (نيسان) 2015، فيما أطلق التنظيم الإرهابي سراح الجنوب أفريقي ستسيفن ماغون في أغسطس (آب) من نفس العام.
وبعد شهرين من تحريره من قبضة خاطفيه في الصحراء الكبرى، قام غوستفسون بعرض تجربته لأول مره بمتحف بمدينة ستوكهولم. قضي غوستفسون وباقي المختطفين شهور الرعب الأولى في الصحراء معصوبي الأعين ومكبلين ونقلوا من مكان لآخر مرات كثيرة، وكان كان كابوس الإعدام ينتابهم في كل مرة. وفي أحد المقاطع المصورة الكثيرة التي أجبروا على الظهور فيها، كان عليهم ارتداء بدلات «غوانتانامو» البرتقالية التي تشبه تلك التي يرتديها معتقلو السجن العسكري الأميركي الشهير في كوبا والظهور أمام الكاميرات لاستجداء خاطفيهم للإبقاء على حياتهم. وقال غوستفسون: «حاولت أن أوضح لهم أنني سويدي وأننا كشعب نرى أن غوانتانامو مكان بشع وأنه يؤدي إلى نتائج عكسية».
وعندما حاول سؤال خاطفيه عن دوافعهم، كانت الإجابات دائما مقتضبة وغالبا ما اكتفوا بالإشارة إلى أشياء مثل غزو العراق والحرب في أفغانستان والرسوم الكاريكاتيرية التي تسخر من النبي محمد والتي أثارت موجة احتجاجات واسعة عقب نشر صحيفة دنمركية لها عام 2005.
وبعد مرور أربعة أشهر في الأسر، اتخذ المختطفون قرارا استراتيجيا باعتناق الإسلام، وبحسب غوستفسون: «كان الغرض إنقاذ حياتنا». كان التحول إلى الإسلام سببا لإنهاء عزلتهم وفك قيودهم، ولم يجبروا بعدها على الظهور في المقاطع المصورة لاستجداء خاطفيهم للإبقاء على حياتهم. وأشار غوستفسون إلى أنه أبلغ خاطفيه بأن حكومة بلاده لن تدفع مقابل إطلاق سراحه، وأن ذلك ساعد «في تغيير وضعه»، وعندما أطلق سراحه، صرحت وزارة خارجية بلاده بأن ذلك جاء نتيجة لجهود دبلوماسية استمرت لسنوات، وأن ذلك لم يتم مقابل فدية. بيد أن ماغنوس رانتسبورت، الخبير الأمني وخبير مكافحة الإرهاب بكلية الدفاع السويدية، أفاد بأنه من غير المرجح ألا يكون قد جرت عملية مقايضة. وأضاف أن «الشيء الوحيد المؤكد حدوثه هو أنه لم يجر إطلاق سراح أي مختطف من دون سداد فدية. فهو (تنظيم القاعدة) ليس منظمة خيرية». وكشف مسؤول استخباراتي أوروبي طلب عدم الكشف عن اسمه أن مبلغ 3.5 مليون يورو (ما يعادل 4.2 مليون دولار) قد سدد من خلال وساطة قامت بها منظمة «غيفت أوف ذا غيفرز» الجنوب أفريقية الخيرية لإطلاق سراح ماك غاون. ورغم تعهد الولايات المتحدة وبريطانيا بالالتزام بسياسة عدم سداد فدية لإطلاق سراح مواطنيها، فإن دولا مثل فرنسا وألمانيا كلفت مندوبيها بحمل حقائب معبئة بالمال والسير بها في الصحراء في صورة مساعدات إنسانية.
من وجهة نظره ومن داخل معسكراتهم، أفاد غوستفسون بأن مختطفيه لديهم مصادر تمويل، مشيرا إلى أنه «يجرى تمويلهم بسخاء هذه الأيام»، وأنهم لم يكونوا بهذا الثراء، لكن مصادر تمويلهم باتت أكبر حاليا، «وليس من الصعب أن تخمن أن مصدر تلك الأموال هي الحكومات الأوروبية». فقد كشفت إحصائية أعدتها صحيفة «نيويورك تايمز» أن إجمالي أموال الفدية التي تحصل عليها منتسبي تنظيم القاعدة بلغت 125 مليون دولار على الأقل منذ عام 2008.
خرج فرع تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي» إلى الوجود منذ أكثر من عقد بسبب مبالغ الفدية الباهظة التي تلقتها بدءا من عام 2003 عندما اختطف التنظيم 32 سائحا أوروبيا أطلق سراحهم عقب سداد حكوماتهم لنحو 5 ملايين يورو (6 ملايين دولار). وعقب اعتناقهم الإسلام، أدى المختطفون الصلاة وسمح لهم بتناول الطعام والجلوس مع مختطفيهم. في الحقيقة، لم تكن هناك حاجة إلى جدران للسجن لأن الصحراء الكبرى تمتد مئات الأميال في كل اتجاه. وخلال السنوات الخمس التالية، جرى نقل المختطفين مئات المرات، وعاشوا في الخلاء في ظل رقابة نحو عشرة حراس وصبية دائمي الحركة.
أشار غوستفسون إلى أن «الحياة في الصحراء كانت مزيجا من عقوبة السجن وحياة روبنسون كروسو. كنا مجموعة من الشباب عالقين وسط الرمال، نعيش وسط أشياء تشبه بعضها البعض كل يوم: رمال وعواصف وأعطال السيارة. إن شح الماء لدينا، فكلنا نعاني من نفس المشكلة».
وبين أوقات الصلاة، كان غوستفسون يشغل نفسه بالتمارين الرياضية وتعلم لغات خاطفيه، وهي خليط من اللغات المحلية، والعربية والفرنسية.
شهدت مالي التي كانت مستعمرة فرنسية في السابق عقودا من التوتر بين الجنوب، حيث تركز الاقتصاد والنفوذ السياسي، وبين الشمال حيث تعيش الأقليات. وفي بداية عام 2012، اجتاحت جماعة انفصالية شمالية تدعى «توريغ» البلاد سعيا لتأسيس دولة جديدة، وفي نفس العام انقلب الجيش على الرئيس وقام بعزله بسبب طريقه تعامله مع التمرد. ونتيجة لذلك، خضع الشمال لسيطرة المتمردين، فيما استغل تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» فراغ السلطة ونما حجمه واستولى على مدينة تومبوكتو لفترة.
في يناير (كانون الثاني) عام 2013، تحركت القوات الفرنسية شمالا، وشوهدت الطائرات المقاتلة في الجو، وهرب الخاطفون لدى مشاهدتهم لأول طائرة استطلاع. وشاهد غوستفسون الطائرات التي تحوم منه فوقه كفرصة ذهبية للهرب، وبالفعل انطلق عدوا في الصحراء ظنا أن خاطفيه لن يجرءوا على ملاحقته. لكن بعدما سار في الصحراء لليلتين نجح الخاطفون في اقتفاء أثره، وبحسب غوستفسون: «اعتقدت أنني هربت إلى موتي».
ورغم إطلاق سراحه في يونيو (حزيران) 2013، لم يتوقف غوستفسون عن النطق بكلمة «بسم الله» قبل كل وجبة سوى مؤخرا. لكن هناك عادات أخرى مرتبطة بحياة الصحراء استمرت تلازمه وربما تحتاج إلى المزيد من الوقت لكي يتوقف عنها مثل تغطيه وجهه أثناء النوم، «لتحاشى الرمال المتناثرة» والخوف من وضع يديه أسفل الوسادة خشية أن تكون العقارب قد اتخذت من الأرض تحتها وكرا.
واستطرد غوستفسون: «بالطبع هذه الحياة تغيرك كثيرا، وأحاول أن أعود إلى ما كنت عليه»، لكن عند سؤاله عما إذا كان سيقبل العودة إلى الصحراء حال سنحت له الفرصة مجددا، أجاب بأنه سيفعل لو أن الصحراء كانت آمنة. أضاف: «لن أفتقد خاطفي، لكنني سأفتقد الصحراء الشاسعة، والسماء في الليل»، مضيفا: «عندما تعيش هناك ستعلم كل شيء عن البيئة، عن اختلاف اتجاه الريح في كل فصل من فصول العام. ما أروع تلك الحياة».
* «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

آسيا الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري (أ.ف.ب) p-circle

باكستان تتهم أفغانستان بخلق ظروف «مشابهة أو أسوأ» مما كانت قبل هجمات 11 سبتمبر

حذّر رئيس باكستان من أن حكومة «طالبان» في أفغانستان خلقت ظروفاً «مشابهة أو أسوأ» من تلك التي سبقت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي استهدفت أميركا.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
العالم برينتون تارانت (أرشيفية - أ.ب)

«الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش يطلب إلغاء اعترافه وإعادة محاكمته

تقوم السلطات في ولينجتون بنيوزيلندا حاليا، باتخاذ «ترتيبات استثنائية»، بينما يستعد «الإرهابي المدان» في مجزرة كرايستشيرش، للمثول أمام محكمة الاستئناف.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟