نُذر مواجهة عسكرية وسياسية للسيطرة على السلطة في طرابلس

العاصمة الليبية منقسمة على نفسها... وتنافس محموم بين أطراف دولية للهيمنة على الملف الملتهب

شرطي ليبي أمام السفارة الإسبانية في طرابلس التي تعرضت لتفجير في نيسان الماضي (غيتي)
شرطي ليبي أمام السفارة الإسبانية في طرابلس التي تعرضت لتفجير في نيسان الماضي (غيتي)
TT

نُذر مواجهة عسكرية وسياسية للسيطرة على السلطة في طرابلس

شرطي ليبي أمام السفارة الإسبانية في طرابلس التي تعرضت لتفجير في نيسان الماضي (غيتي)
شرطي ليبي أمام السفارة الإسبانية في طرابلس التي تعرضت لتفجير في نيسان الماضي (غيتي)

بينما تهبُّ رياح الخريف من البحر، يعيش الناس هنا في قلق وترقب.
دخلتْ من الطريق الساحلي العريض، من ناحية غرب العاصمة الليبية، طرابلس، أربع سيارات سوداء من نوع «جي إم سي» التابعة لإحدى السفارات الغربية. وانطلقت، بزجاجها المعتم، من شارع الصيَّاد الضيِّق، في اتجاه مزرعة جرى استئجارها حديثا في ضاحية جنزور. وبعد ساعات قليلة مرت أربع سيارات أخرى مماثلة، في الاتجاه نفسه. وبنهاية اليوم بلغ العدد نحو عشرين. ولا تتحرك مثل هذه السيارات التي يوجد فوقها هوائيات للاتصال، إلا في مناطق النزاعات الخطرة، كما كان يحدث في العراق عقب دخول القوات الدولية لإنهاء حكم صدام حسين.
تبدو طرابلس، بسمائها الملبَّدة بالغيوم، مقبلة على أيام جديدة من النزاع، قد تندلع يوم 25 من الشهر الحالي، حيث بدأت فصائل محلية مسلحة ومتنافسة، في إعداد خطط للاقتتال طمعاً في السيطرة على العاصمة، وهذا تطور مثير لقلق رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، الذي أشار، من بعيد، خلال كلمته في الأمم المتحدة، أخيرا، إلى خطورة تجاوز الاتفاق السياسي المعمول به منذ مطلع العام الماضي.
ويقول عضو في المجلس الرئاسي، مُحبَطاً: إن هواتف كثير من المسؤولين الغربيين لم تعد ترد على مكالمات المجلس الضرورية. ويضيف: هذا مؤشر على أن هناك قِدراً موضوعا على النار لإنضاج «طعام سياسي» جديد، لا نعرفه، وقد لا نستسيغه.
المشكلة الأكبر، بحسب البعض، أنه لا توجد رؤية موحدة لدى الأوروبيين، على الأقل، بشأن حل المشكلة الليبية. والتنافس في ليبيا هذه الأيام ليس بين القوات التابعة للسراج، وقوات قائد الجيش الوطني، خليفة حفتر، كما كان في السابق، لكنه محصور في العاصمة بين بعضٍ من قوات السراج، ومجاميع مسلحة أعلنت مبايعتها وتأييدها لرجل الأعمال الليبي، ذي التعليم الغربي والجنسية الأميركية، عبد الباسط إقطيط، ليكون أول رئيس لليبيا.
وتدور شكوك بشأن علاقة هذا الرجل الحالم، مع دولة قطر، ومع جماعات مسلحة متطرفة في الداخل الليبي. لكن «إقطيط» نفسه يقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا ليس صحيحا على الإطلاق. ويوضح: «بالعكس أنا ضد الوجود القطري في ليبيا. وهذا شيء أقوله بكل صراحة. أنا ضد وجود أي دولة في ليبيا».
ويضيف كذلك: «أنا ضد أي مجموعة، أو تيار، أو حراك ولاؤه ليس للوطن. وأي مجموعة تأخذ تعليماتها من جهة خارجية، سواء كانوا إخوان مسلمين، يأخذون تعليماتهم من المرشد... سواء كانوا الجماعة المقاتلة التي تأخذ تعليماتها من الخارج، أو سواء كانت حركة تأخذ تعليماتها من أي شيخ أو إمام من خارج ليبيا. أنا لست مع هؤلاء».
وتؤشر عموم الحركات، بما فيها السيارات السوداء، على وجود تنافس محموم بين أطراف دولية للهيمنة على الملف الليبي. ويقول دبلوماسي غربي في طرابلس: أعتقد أنه يوجد جناحان في الوقت الراهن. الأول هو الجناح الأميركي البريطاني، والآخر هو جناح الاتحاد الأوروبي، لافتا إلى أن هذا الأخير يعاني من خلافات داخلية، وبخاصة بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا.
وبينما توصَّل المبعوث الأممي، غسان سلامة، إلى خريطة طريق تهدف إلى تعديل الاتفاق السياسي (الذي جاء بالسراج)، وإجراء انتخابات شاملة قبل نهاية العام المقبل، دعا «إقطيط» الليبيين للخروج في مظاهرات للتغيير، حدد لها يوم غد، في ساحة الشهداء، التي تكثر فيها طيور الحَمَام، حيث كانت تُسمى في عهد معمر القذافي، الساحة الخضراء. ويوضح إقطيط، وهو يستعد للعودة من خارج البلاد إلى طرابلس، إن مظاهرات العاصمة «ستكون سلمية». وأن هذا التحرك «آخر فرصة لدينا لإصلاح البلاد وإصلاح المسار».
لكن الأجواء العامة في هذه المدينة المطلة على البحر المتوسط، والتي يعيش فيها نحو مليوني مواطن، تبدو مرتبكة وغير مطمئنة للمستقبل. ويقول ناصر، صاحب متجر لبيع الملابس، القريب من ساحة الشهداء: يوم غد سوف أغلق باب الدكان، وأمكث في بيتي وأتابع ما سيجري على شاشة التلفزيون.
ومثل كثيرٍ من سكان العاصمة، الذين تعبوا من الفوضى والاقتتال وقلة الأموال ونقص الخدمات، لا يعوِّل ناصر على مجادلات السياسيين، لكنه يريد من يحسم الأمر في طرابلس، مرة واحدة، حتى يشعر بالأمن والاستقرار، بعد نحو ست سنوات من الاضطرابات. ويضيف: دكاني تعرض للنهب مرات عدة. ولا أجد جهة يمكن أن أشكو لها لتعيد لي حقي، أو تلقي القبض على الجناة.
وفي المقابل، هناك من ينظر إلى يوم المظاهرات المعلن عنها، بأملٍ في تغيير أحوال المدينة. ففي الزاوية المطلة على فندق طرابلس الكبير، يجهِّز التاجر عبد الله بيارق أعلام الدولة الليبية، أمام باب دكانه، استعدادا لبيعها للمتظاهرين. وفي الشارع المقابل، قرب «حديقة الطفل»، يوزع شُبَّانٌ متحمسون أوراقا تدعو للاحتشاد يوم 25، والالتفاف حول «إقطيط».
وينظر الدكتور موسى قريفة، الأستاذ في جامعة طرابلس، إلى دعوة «إقطيط» للمظاهرات، قائلا إنها «إذا كانت في إطار التعبير عن الرأي، فلا بأس في ذلك». ويضيف قريفة الذي عمل أيضا مستشارا سياسيا لأطراف في المجلس الرئاسي: «أنا مع حرية التعبير عن الرأي، وتأمين أي مظاهرة، أو أي حراك شعبي... التعبير عن الرأي حق مضمون، وفقا للقانون والدستور، وكذلك لطبيعة المرحلة التي تتطلب أيضا وجود حركات شعبية وضغط شعبي في هذا الاتجاه أو ذاك».
وفي مكتب تابع لقوات الشرطة، الضعيفة، يقول مسؤول أمني في العاصمة: دعوة «إقطيط» لمظاهرات، ليس لها معنى إلا مناهضة سلطة السراج، مشيرا إلى أن السراج له قوات هنا... وهي قوات «كتيبة ثوار طرابلس» برئاسة هيثم التاجوري. وأعتقد أنها ستقف مع المجلس الرئاسي، إذا تعرضت مقراته، ومباني وزاراته، لتهديد كما حدث في السابق. لكن نحن في الشرطة، ليس لنا دخل في العمل السياسي. مهمتنا الحفظ على الأمن، وليس الوقوف مع أي طرف.
وتبدو العاصمة منقسمة على نفسها أكثر من أي وقت مضى. وتوجد فيها مخاوف قوية من تجدد الاقتتال وإطلاق القذائف العشوائية وسط البيوت، بين فريقين سبق لهما خوض حروب دامية في شوارع طرابلس وضواحيها قبل أربعة أشهر، ما زالت آثارها باقية حتى الآن.
الفريق الأول عبارة عن قوات محسوبة على مدينة مصراتة التي تقع على بعد نحو مائتي كيلومتر شرق العاصمة. وتُعد كثيرٌ من قيادات الميليشيات في مصراتة، ذات التسليح العسكري القويّ، من أكثر الأطراف قدرة على الدخول في تحالفات مع مجاميع مسلحة متطرفة، سواء من جماعة الإخوان، أو من الجماعة الليبية المقاتلة، كما حدث في معركة مطار طرابلس في 2014.
والفريق الآخر يتكون من مقاتلين جهويين من أبناء ضواحي العاصمة، وأبرز قوات هذا الفريق، مجموعة «التاجوري»، ومساعدوه من بعض المجاميع الدينية التي تدعو إلى «عدم الخروج على ولي الأمر».
وكان معظم الفريق الأول مواليا للسراج حتى مطلع هذا العام. وحققت فصائل عدة فيه، تحت اسم «البنيان المرصوص»، نجاحات عسكرية، كان آخرها طرد تنظيم داعش من سرت. لكن هذا الفريق، المُدرَّب جيدا، حاول الانقلاب على السراج، وموالاة حكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل، غير المعترف بها دوليا، في حرب اندلعت في العاصمة يوم 28 مايو (أيار) الماضي. وتمكنت قوات «التاجوري» وأعوانه، وقتها، من إفشال الخطة، وطردت قوات الفريق الأول من طرابلس.
ويقول مسؤول عسكري من الموالين لحفتر، وهو يتمركز مع قواته في جنوب غربي العاصمة: «نحن نراقب... لا دخل لنا في هذا الصراع». وعن تقديره لتوازن القوى في طرابلس، بالنظر إلى القلق من مظاهرات غدا، يوضح: أعتقد أن مجموعة مصراتة، سواء من بعضٍ من قوات «البيان المرصوص»، أو قوات الإخوان، أو قوات الجماعة المقاتلة، وجدوا في تحرك «إقطيط» فرصة للعودة من خلاله إلى طرابلس. لقد طُردوا منها، جميعا، في أواخر مايو الماضي، وحاولوا العودة، طوال الصيف، ولم يتمكنوا.
ويسعى «إقطيط» للظهور على شاشات التلفزيون، أمام العالم، وهو محمول على أعناق «المتظاهرين السلميين»، من وسط ساحة الشهداء، بصفته موحدا لليبيين، وبديلا عن حالة الانقسام السياسي وتعدد الحكومات المتنافسة. بيد أن هذا ليس هيِّنا، من أوجه عدة، على رأسها تحفُّز الميليشيات ضد بعضها بعضا، وعدم حسم الأمر من دعوة «إقطيط»، لدى قادة في الجيش والشرطة داخل طرابلس. أضف إلى ذلك، أن البلاد ليس فيها، بعد، ما ينظم عملية انتخاب الرئيس، من الأصل.
وفي الجانب الآخر من الشارع، الذي يقع فيه فندق عمر المختار، تقف عناصر مدنية مسلحة في ثياب شبه عسكرية، حول مدرعة تحت شجرة، وعليها مدفع رشاش من عيار 14.5 ملليمتر. وفي الخلفية تبدو رؤوس لأبراج سكنية طويلة مطلة على البحر، وقد توقف فيها البناء، بسبب الفوضى الأمنية، منذ سقوط نظام القذافي. ويقول أحد الشبان المسلحين الموالين لقوات «التاجوري»: تلقينا تعليمات بالانتشار. ربما كانت هناك أمور طارئة.
ويتحدث آمر لمجموعة أخرى قائلا: لن نسمح للأجانب بالسيطرة على طرابلس. ويقول ذلك وهو يتحدث عن السيارات السوداء التي عبرت إلى جنزور. ويضيف، أن أميركيين استأجروا مزرعة في جنزور، وبدأوا يتمركزون فيها. يستعدون لأمر ما. ويوضح آمر آخر من الموالين لـ«التاجوري» في منطقة إمعيتيقة: لن نسمح بعودة ميليشيات مصراتة إلى طرابلس، تحت أي مسمى، حتى لو كان الزعم بحماية مظاهرة «إقطيط».
وبثت عناصر يعتقد أنها محسوبة على أعضاء في المجلس الرئاسي، وعلى كتيبة «ثوار طرابلس»، سيلا من الشائعات، وزعمت أن «إقطيط» مدعوم من جماعات متطرفة، منها جماعة الإخوان والجماعة المقاتلة، ومن جهات غربية منها منظمة «إيباك» التي تعد بمثابة لوبي قوي في الولايات المتحدة الأميركية. كما تم نشر صورة له في اجتماع مع قيادات ليبية وتونسية من جماعة الإخوان.
وينفي إقطيط، المتزوج من سيدة إنجليزية، هذه المزاعم، ويقول إن الهدف من حراك يوم 25 المطالبة بإصلاح النظام الليبي الحالي، وتغييره، سواء في المنطقة الشرقية، (التي تهيمن عليها قوات حفتر)، أو في طرابلس (التي تسيطر عليها قوات تابعة للسراج). وعن صورته مع قادة الإخوان، يقول إنها تعود لعام 2013 حين كان يجري التفاوض معه لتولي موقع رئيس الحكومة الليبية.. و«هذا أمر قديم وانتهى».
ويعتقد البعض أن «إقطيط» مدفوع من الولايات المتحدة لإحداث حراك في الشارع، من أجل حث الأوروبيين والأطراف الدولية الأخرى على التوحد لحل الأزمة الليبية، لا غير. ويقول مصدر أمني أميركي مسؤول، في طرابلس: ليست لدينا توجيهات بشأن أي مظاهرات أو تحركات. هذا ليس من عملنا. أعتقد أن السياسة لها لعبتها الخاصة. البعض يدفع بشخص إلى الواجهة، حتى يتمكن من قراءة مؤشر التوجهات، بغض النظر عما يطمح إليه هذا الشخص.
ولا يخفي «إقطيط» العلاقة التي تربطه بالولايات المتحدة والغرب. ويقول: «لي علاقة بالحكومة الأميركية، وتربطني علاقة طيبة، وصداقة، مع حكومات عدة، أو مع جهات أوروبية عدة، ومع سياسيين أميركيين. نعم... هذا شيء أفتخر به. لكن أن أكون قد طلبت من جهة معينة أن تحميني فهذا لم يحدث».
رغم ذلك أثارت تسريبات عن احتمال وجود أميركي قوي في المشهد، في قابل الأيام، الرعب وسط أعضاء في المجلس الرئاسي، وفي مؤسسات أخرى، وبخاصة بعد أن أعلن «إقطيط» ذو البنية النحيفة والصوت الذي يعكس ثقة بالنفس، أنه سوف يعتمد بشكل كامل، صراحة، على الولايات المتحدة، وليس أي دولة أخرى، لمساعدته في النهوض بالدولة الليبية. بيد أن هناك ما ينذر بالخطر على أرض الواقع. فقد بدأت «كتيبة ثوار طرابلس»، التي تتكون من مئات عدة من الآليات المسلحة والمقاتلين الأشداء، في تنفيذ عملية لإعادة الانتشار في العاصمة. ويسود الاضطراب بين صفوفها بسبب اقتراب يوم غد، حيث تخشى من انفلات الأمور وعودة الميليشيات المناوئة لها إلى هنا. فقد قتل منها عدد من العناصر وهي تقاوم للاحتفاظ بطرابلس في حرب يوم 28 مايو الماضي.
وأخذت الكتيبة في توزيع قواتها في طرق رئيسية تفضي إلى ساحة الشهداء. وبالإضافة إلى ظهور عناصر مسلحة موالية لـ«التاجوري» في شارع عمر المختار، الذي تعتمد عليه متاجر رئيسية عدة، انتشرت سيارات مسلحة في شارع ميزران، وشارع الاستقلال، وبطول الحديقة العامة التي تطل على كل من شاطئ البحر والساحة المخصصة لحراك يوم غد. كما تمركزت عناصر مسلحة في أزقة قديمة مجاورة لقلعة السرايا الحمراء التاريخية التي تشرف على مكان المظاهرات.
وفي المساء، تحركت آليات أخرى تابعة للتاجوري قرب ميدان الجزائر. ومع حلول الظلام كانت الكتيبة نفسها قد نصبت بوابات في الطرق المؤدية إلى مقار وزارات المجلس الرئاسي.
ومع ذلك لم تتوقف الحملة الداعية للخروج يوم 25، ولا يقتصر الأمر على تنظيم المظاهرات، ولكن هناك دعوة أيضا أطلقها موالون لـ«إقطيط» للموظفين لإعلان «العصيان المدني»، في هذا اليوم. ويقول مسؤول في العاصمة، إن العصيان المدني «تحصيل حاصل... لأن حركة المواطنين والموظفين، في طرابلس، محدودة أساسا، بسبب الانفلات الأمني».
أما المجاميع المسلحة التي يُعتَقد أنها تسعى لاستغلال مظاهرات «إقطيط» في العاصمة، فقد وضعت هي الأخرى خططها الخاصة لهذا اليوم. ووفقا لمصادر قريبة من قيادات في مصراتة، فإن تحرك القوات سيبدأ من مراكزها الموجودة في خارج طرابلس، إلى داخل المدينة. وبدأت المعالم تتضح لإعادة انتشار قوات مناوئة للسراج، خلال الساعات الماضية، من جهات عدة على مشارف طرابلس، منها منطقة «القرة بولي» من الشرق، ومنطقة «بن غشير» من الجنوب.
أما في مزرعة جنزور، في غرب العاصمة، فقد جرى تخصيص مقر لاجتماعات سوف تعقد قبل موعد المظاهرات بيوم واحد على الأقل، وذلك داخل معسكر مجهز يطلق عليه أبناء المنطقة، هنا: «الكامبو». وتطوق المعسكر، حاليا، عشرات من سيارات الدفع الرباعي المنصوب عليها مدافع من عيار 23 ملليمترا، وسيارات سوداء مثل تلك التي شوهدت قبل أيام وهي تنطلق في اتجاه المقر نفسه.
ويقول الدكتور قريفة عن مخاوف بعض الأطراف من حدوث مواجهات بين مسلحين مؤيدين لـ«إقطيط»، ومسلحين مناوئين له، أو تابعين لحكومة السراج: إن «المخاوف تبقى موجودة».
ويضيف، أنه بالنسبة للذين يدعون للتظاهر، أو بالنسبة لمن يعارضونها، فإن أي مصادمات ستكون لها نتائج كارثية، وستضر بالمسار السياسي أكثر من السابق... «جرَّب الليبيون الحروب على مدار سبع سنوات، دون جدوى. ويجب أن يدركوا أن اللجوء إلى السلاح لن يكون حلاً، أبداً».



قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
TT

قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)
بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ)

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية، اللواء الركن خالد القملي، إن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة، ويتجاوز استهداف السفن إلى توسيع شبكات التهريب، وتعزيز القدرة على رصد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية (الشرق الأوسط)

وكشف القملي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن سفناً يستخدمها الحوثيون للتهريب باتت تجوب سواحل البحر الأحمر علناً، من دون إطفاء أجهزة التتبع، بعدما كانت تطفئها في السابق خشية ضبطها من خفر السواحل اليمنية.

وحذّر من أن المخاطر المرتبطة بالسيطرة على مواقع ساحلية وجزرية لا تقتصر على تهريب الأسلحة، بل تشمل تهريب معدات الاتصالات والتقنيات مزدوجة الاستخدام والمخدرات والمكونات العسكرية.

وشدد اللواء القملي على أن مواجهة هذه الشبكات تستدعي «ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً»، والتعامل مع مسار التهريب بوصفه شبكة متكاملة تمتد من الساحل الصومالي وجيبوتي إلى باب المندب والساحل الغربي اليمني.

تغيّر طبيعة التهديد الحوثي

أكد رئيس خفر السواحل اليمنية أن التطورات الأخيرة في المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر غيّرت طبيعة التهديد الحوثي؛ إذ لم يعد، وفق تقديره، مقتصراً على الجانب العسكري المباشر أو حرية الملاحة، بل امتد إلى شبكات التهريب والصلات المحتملة مع تنظيمات مسلحة في المنطقة.

عناصر من خفر السواحل الجيبوتية خلال دورية سابقة في باب المندب (الشرق الأوسط)

وأوضح أن السيطرة على هذه المواقع تمنح الحوثيين قدرة أكبر على تأمين مسارات الإمداد البحري وتوسيعها بين الساحل الغربي اليمني والقرن الأفريقي، مستفيدين من طبيعة المنطقة الجغرافية وكثافة حركة القوارب الصغيرة والجلبات.

وأضاف: «بدلاً من الاعتماد على مسار واحد، بات في إمكان الجماعة، استخدام مواقع ساحلية وجزرية متعددة لاستقبال الشحنات وإخفائها وإعادة توزيعها، لكن الأخطر هو تنوع المواد التي يمكن نقلها عبر تلك المسارات، فإلى جانب الأسلحة، يفتح امتداد شبكات التهريب عبر خليج عدن والساحل الصومالي المجال أمام نقل معدات اتصالات وتقنيات مزدوجة الاستخدام ومخدرات ومكونات عسكرية، مع إمكان تغيير الطرق ووسائط النقل لتفادي الاعتراض».

ميناء المخا تعرض لأضرار واسعة جراء الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة (إعلام محلي)

وكان القائم بأعمال السفارة الأميركية في الرياض نيل هوب اتهم إيران بامتلاك سفن عملت في البحر الأحمر ونفذت في السابق عمليات سيبرانية واستخباراتية لمصلحة الحوثيين، فضلاً عن نقل مكونات للصواريخ والطائرات المسيّرة، والمشاركة في نقل النفط عبر ما يعرف بـ«أسطول الظل».

ولفت القملي في هذا السياق إلى ما أوردته تحقيقات أممية بشأن تنويع الحوثيين سلاسل إمدادهم ومصادر حصولهم على الأسلحة والمعدات، عادّاً ذلك مؤشراً إلى تطور قدراتهم التنظيمية والتشغيلية.

باب المندب... ورقة ضغط

وحذّر رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية من انتقال الحوثيين من امتلاك القدرة على استهداف السفن إلى امتلاك مواقع جغرافية استراتيجية تتيح لهم مجالاً أوسع للرصد والإنذار المبكر والاستهداف قرب باب المندب.

وقال إن «وجود سواحل وجزر ومواقع قريبة من المضيق تحت سيطرة طرف يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة وزوارق مسلحة يرفع مستوى المخاطر أمام السفن العابرة، ويزيد احتمالات اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والحماية، فضلاً عن احتمال دفع بعض شركات الشحن إلى إعادة توجيه رحلاتها بعيداً عن المنطقة».

وتابع بقوله: «لا تكمن الخطورة بالضرورة في قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب إغلاقاً كاملاً، بل في امتلاكهم القدرة على إبقاء المخاطر التي تواجه حركة الملاحة الدولية عند مستوى مرتفع، واستخدام الممر البحري ورقة ضغط متى أرادوا».

وتُظهر متابعة المنظمة البحرية الدولية لأمن البحر الأحمر استمرار اهتمامها بالهجمات التي استهدفت السفن والبحارة في المنطقة؛ كما مدّد مجلس الأمن في يوليو (تموز) 2026 تكليف الأمين العام تقديم تقارير بشأن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.

توسع الصلات مع جماعات مسلحة

وتطرق اللواء خالد القملي إلى بُعد آخر يراه مثيراً للقلق، يتمثل في احتمال أن تهيئ السيطرة على مواقع في باب المندب بيئة بحرية أكثر ملاءمة لتوسيع الاتصالات القائمة بين الحوثيين وشبكات مسلحة في القرن الأفريقي، وفي مقدمتها حركة «الشباب» الصومالية، عبر مسارات يصعب ضبطها بالكامل.

أكد القملي أن سيطرة الحوثيين على باب المندب تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة (سبأ)

وحذّر من احتمال انتقال العلاقة من تبادل الأسلحة أو تهريبها إلى تعاون أوسع يشمل التمويل والمعدات والخبرات والتكنولوجيا والاتصالات، مستفيدة من شبكات التهريب القائمة بين اليمن والصومال.

ومن شأن حدوث ذلك، وفق تقدير القملي، أن يحوّل باب المندب من ممر لوجستي إلى حلقة وصل تشغيلية بين الحوثيين وجماعات مسلحة في القرن الأفريقي، ويوسع نطاق التهديد ليشمل خليج عدن والمنطقة المقابلة للساحل اليمني.

ربط منظومات المراقبة والاعتراض

أكد اللواء القملي أن الإجراءات الأمنية داخل المياه اليمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها للتعامل مع مسارات تهريب تمتد عبر الساحل الصومالي وخليج عدن وجيبوتي وباب المندب.

ودعا إلى تعزيز التعاون المباشر بين خفر السواحل اليمني ونظرائه في الصومال وجيبوتي، خصوصاً في تبادل المعلومات البحرية والاستخباراتية، وتتبع القوارب المشبوهة، وتنسيق عمليات الاعتراض.

باتت الجماعة الحوثية قادرة على استخدام مسارات متعددة لاستقبال الشحنات المهربة وفقاً للواء القملي (إ.ب.أ)

ويشمل هذا التعاون، وفق القملي، مراقبة حركة الجلبات وسفن الصيد التي تُستخدم لنقل الأسلحة والمخدرات والمعدات. لافتاً إلى أن «المتابعة الميدانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن مكافحة التهريب في باب المندب لا تتحقق بالسيطرة على الجانب اليمني من الممر وحده، وإنما تتطلب ربط منظومات المراقبة والاعتراض على الضفتين اليمنية والأفريقية معاً».

وخلص رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إلى أن التعامل مع الساحل الصومالي وجيبوتي وباب المندب والساحل الغربي اليمني بوصفها أجزاء من شبكة تهريب واحدة هو الأساس لمنع الحوثيين أو الجماعات المسلحة في القرن الأفريقي من استغلالها، والحيلولة دون تحول البحر الأحمر وخليج عدن إلى مساحة تتحرك فيها تلك الشبكات بحرية أكبر.


الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
TT

الحوثيون يختبرون ولاء الساحل الغربي اليمني بالتجنيد والجباية

فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)
فرض الحوثيون نمط إدارتهم في الجباية والتجنيد على السكان في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

«سنختبر ولاءكم في الجبهات وفي أعداد المجندين»... بهذه الجملة طالب القادة الحوثيون أعيان ووجهاء الساحل الغربي اليمني خلال الأيام الماضية، بعد سيطرة الجماعة على مناطق حيس والخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب.

فلم تكد الجماعة المتحالفة مع إيران تحكم قبضتها على مديريات الساحل الغربي، حتى بدأت بفرض منظومة من الإجراءات الأمنية والمالية والاجتماعية تستهدف إحكام السيطرة على السكان، عبر ابتزاز الوجهاء والأعيان لتجنيد مقاتلين، وإخضاع الأطفال والشبان لدوراتها الثقافية، وفرض الجبايات على التجار، بالتزامن مع حملات اعتقال ومداهمة ونهب لممتلكات خاصة ومرافق عامة.

وقالت مصادر محلية إن القادة الميدانيين الحوثيين ألزموا الأعيان والمشايخ ومسؤولي الأحياء، المعروفين بـ«عقال الحارات»، وهم أصحاب مناصب شبه رسمية، في بلدات وأرياف مديريات المخا وذوباب وموزع والوازعية في محافظة تعز، وحيس والخوخة في محافظة الحديدة، بتجنيد مقاتلين وإلحاق أطفال وشبان بما تسمى «الدورات الثقافية»، وحذرتهم من التخلف عن تنفيذ تلك المطالب.

وذكرت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن القادة الحوثيين أبلغوا الوجهاء والأعيان بأنهم يخضعون لـ«اختبار ولاء» بعد نحو 8 أعوام من سيطرة الحكومة الشرعية على المنطقة، وطالبوهم بإثبات ولائهم من خلال تنفيذ مهام تشمل التجنيد والتجسس على السكان وجمع الجبايات.

نازحون في مخيم قرب عدن هربوا من جحيم الحوثيين في الساحل الغربي اليمني (أ.ب)

وقالت المصادر إن القادة الحوثيين دأبوا على تذكير هؤلاء الأعيان بأنهم يخضعون لاختبار ولاء، وعليهم إثباته من خلال رفد معسكرات التدريب والجبهات والدورات الثقافية بالشباب والأطفال.

وبحسب المصادر، حددت الجماعة حصصاً متفاوتة من المقاتلين والأطفال لكل منطقة وفق كثافتها السكانية، لكنها طالبت الوجهاء الذين رصدت تعاونهم مع السلطات المحلية خلال فترة سيطرة الحكومة بمضاعفة تلك الحصص، وتجنيد أقاربهم لإظهار «حسن النوايا».

حظر تجول غير معلن

بحسب المصادر، طالبت الجماعة الحوثية السكان في الساحل الغربي، بإقناع أقاربهم النازحين في مناطق سيطرة الحكومة بالعودة، لا سيما المنتمين إلى الجيش اليمني. وترجح المصادر أن يكون ذلك وسيلة لتجنيد بعض العائدين، أو اعتقالهم وإجبارهم على الكشف عن معلومات عسكرية وأمنية.

ولا تقتصر إجراءات السيطرة على التجنيد؛ ففي مديريتي حيس والخوخة، أفادت مصادر محلية بأن مسلحين حوثيين يتبعون ما تسمى «هيئة الزكاة»، داهموا محال تجارية وفرضوا على ملاكها مبالغ مالية، إلى جانب إلزامهم بتقديم مواد غذائية لعناصر الجماعة.

قادة حوثيون في مدينة الخوخة على الساحل الغربي (إعلام حوثي)

وطبقاً للمصادر، فإن الحوثيين احتجزوا عدداً من التجار الذين رفضوا دفع المبالغ المفروضة، ولم تطلقهم إلا بعد دفع المبالغ المطلوبة منهم إلى جانب غرامات تأخير.

وافتتحت الجماعة، بعد ساعات من سيطرتها على حيس، مقراً لما تسمى «هيئة الزكاة» في المديرية، ضمن مساعيها لفرض الجبايات على السكان والتجار، وتعويض خسائرها المادية في التصعيد العسكري وفقاً لمراقبين.

وفي المخا، تصاعدت المخاوف بين السكان مع استمرار الإجراءات الأمنية والمداهمات والاعتقالات، خصوصاً بعد احتجاز شابين من أبناء المدينة ونقلهما إلى منطقة البرح، الواقعة بينها ومدينة تعز باتجاه الشرق.

وتتحدث مصادر حقوقية عن اقتحام منازل واعتقال مدنيين وأشخاص تشتبه الجماعة في ارتباطهم بالقوات الموالية للحكومة، إلى جانب تقارير عن اعتقال صحافيين وناشطين.

واشتكى السكان من فرض قيود مشددة على الحركة والتجمعات، خصوصاً خلال ساعات المساء، ما يضطرهم إلى المبيت في منازلهم قبل مغيب الشمس.

30 ألف سلة غذائية في الساحل الغربي اليمني استولى عليها الحوثيون (إعلام حوثي)

وكشف عدد من الأهالي لـ«الشرق الأوسط»، عن اضطرارهم إلى ترك هواتفهم في المنازل بسبب إجراءات التفتيش التي تطالهم خلال تجولهم في الخارج أو مزاولة أعمالهم وأنشطتهم اليومية، وإجبارهم على فتحها والخضوع للتحقيق في حال اشتبه عناصر الجماعة في محتوياتها.

نهب المساعدات

تتزامن الإجراءات الأمنية والمالية الحوثية مع اتهامات للجماعة بالاستيلاء على ممتلكات ومرافق وموارد مخصصة للسكان. وقالت السلطات المحلية التابعة للحكومة اليمنية في الحديدة، إن الجماعة استهدفت عيادات طبية ومستودعات للغذاء والإيواء ومشروعاً للإمداد المائي مدعوماً من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

كما أدانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل اقتحام مخازن تابعة لمركز الملك سلمان وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمات محلية ودولية في الساحل الغربي، والاستيلاء على محتوياتها الإغاثية، محذرة من أن تعطيل تلك المنشآت يعرقل وصول المساعدات إلى مستحقيها.

الحوثيون جيّروا خدمات المنشآت الحيوية والصحية في الساحل الغربي لصالح أنشطتهم (إعلام حوثي)

وقالت الوزارة إن العيادات المدعومة من مركز الملك سلمان كانت تقدم خدمات مجانية لنحو ربع مليون مستفيد سنوياً، تشمل الفحوصات والعمليات الجراحية والأدوية، معتبرة أن تعطيلها يضاعف الأعباء على المرضى والأسر الأكثر احتياجاً.

وفي مؤشر على اتساع نطاق التداعيات، وثق تقرير حقوقي 958 جريمة وانتهاكاً في مديريات الساحل الغربي، بينها المخا وذوباب والوازعية وموزع وحيس والخوخة، خلال الفترة من 3 إلى 11 سبتمبر (أيلول)، شملت الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام المنازل ونهب الممتلكات، إلى جانب نزوح نحو 2300 أسرة.

وتشير هذه الوقائع، في مجملها، إلى أن السيطرة الحوثية على الساحل الغربي لا تتوقف عند التحول العسكري في خريطة النفوذ، بل تترافق مع محاولة لإعادة تشكيل الحياة المحلية وفق منظومة من الولاء والجباية والرقابة الأمنية، في وقت يدفع فيه المدنيون تكلفة إضافية من حريتهم ومواردهم ووصولهم إلى الخدمات الأساسية.


2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
TT

2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)

تكبّدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية وعسكرية كبيرة في ثماني جبهات يمنية، وفق حصيلة أعلنتها القوات الحكومية، في وقت تتركز فيه المواجهات الأشد في تعز ولحج، حيث تصطدم هجمات الجماعة المتواصلة بالضربات الحكومية الاستباقية ضمن مسعاها لتثبيت خطوط التماس وقطع طرق الإمداد القادمة من مناطق سيطرة الجماعة.

وقالت القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت 706 عمليات استهداف نوعية ودقيقة في جبهات كتاف، والبقع، وعلب، والجوف، ومأرب والبيضاء، ولحج وتعز، مستخدمة الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والقناصة والمدفعية وراجمات الصواريخ، مشيرة إلى أن هذه العمليات أسفرت، حسب حصيلتها، عن مقتل وإصابة 2316 عنصراً حوثياً خلال ثلاثة أيام.

وأوضحت القوات الحكومية أن العمليات طالت مواقع وعناصر وقدرات عسكرية للجماعة، وأدت إلى تدمير أو إعطاب ناقلات جنود وعربات وتعزيزات عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وعتاد ومعدات أخرى.

دخان يتصاعد من موقع للحوثيين استهدفه الجيش اليمني (رويترز)

وتعكس هذه الحصيلة، وفق رواية القوات المسلحة اليمنية، اتساع نطاق الاستهداف من خطوط المواجهة المباشرة إلى العمق اللوجستي للجماعة الحوثية، في وقت تدفع فيه الأخيرة بمزيد من العناصر والتعزيزات إلى الجبهات للحفاظ على مكاسبها الأخيرة في الساحل الغربي، وفتح مسارات ضغط جديدة على تعز.

معركة تعز

في تعز، بدت الجبهة الأكثر نشاطاً خلال الساعات الأخيرة، مع تزامن الهجمات البرية الحوثية مع ضربات جوية استهدفت مواقع التجميع والتخزين والتحرك.

ونفَّذ الطيران الحربي، وفق مصادر عسكرية رسمية خمس غارات على مواقع حوثية شرق المحافظة، شملت مفرق ماوية ومحيط مدينة الصالح ومعسكر الاستقبال التابع لسلاح المهندسين.

وقالت مصادر ميدانية إن الضربات جاءت بالتزامن مع اجتماع لقيادات عسكرية حوثية ووصول تحشيدات إلى المنطقة، وإن بعض الأهداف كانت تستخدم لتخزين الأسلحة والمعدات.

دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)

كما استهدف الطيران الحربي تعزيزات حوثية في منطقة المرزم بالربيعي غرب مدينة تعز، وقالت مصادر عسكرية إن إحدى الغارات أصابت دبابة وأدت إلى احتراقها.

وفي الجبهات الغربية، تصدت القوات الحكومية لهجوم حوثي في جبهة العنين، كما أفادت مصادر محلية بتصدي القوات الحكومية ومقاتلين من أبناء المنطقة لهجمات شنتها الجماعة على بني بكاري والعنين في جبل حبشي، عقب وصول تعزيزات حوثية كبيرة إلى المديرية.

وبالتوازي، استهدفت المدفعية الحكومية تجمعات ومواقع حوثية في الأقروض، والكدحة، وسائلة غراب، والجعشاء والزيبيا، كما دمرت مدفعاً في البحابح واستهدفت طقماً عسكرياً في ضاحة الرباح، وفق موجز للمركز الإعلامي لمحور تعز.

وأعلنت الدفاعات الجوية الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة حوثية فوق جبهة الكدحة. وتواصلت في المقابل الهجمات الحوثية بالقصف المدفعي؛ إذ أطلقت الجماعة أكثر من ست قذائف باتجاه قرى في منطقة الضباب غرب تعز، متسببة، وفق مصادر محلية، في أضرار مادية بالمنازل وحالة من الذعر بين السكان.

نزيف الإمدادات

لا تقتصر المعركة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين على المواقع الأمامية؛ إذ تحولت طرق نقل المقاتلين والعتاد أهدافاً رئيسية للعمليات الحكومية.

وتقول مصادر محلية إن الحوثيين دفعوا بمئات العناصر من اتجاه فرع العدين في محافظة إب باتجاه جبل رأس في الحديدة، على متن عشرات الحافلات، لتعزيز جبهات الوازعية، والبرح وبني عمر.

كما دفعت الجماعة بتعزيزات بشرية كبيرة باتجاه جبهة حيفان في تعز، في وقت تتحدث فيه مصادر ميدانية عن تحركات حوثية تستهدف الضغط نحو مديريات الشمايتين، والتربة والمقاطرة من أكثر من اتجاه.

وتشير هذه التحركات إلى أن الجماعة تسعى إلى الإبقاء على ضغطها العسكري غرب تعز، بالتزامن مع الدفع باتجاه حيفان والمناطق الشرقية والجنوبية، في محاولة لإيجاد مسارات متعددة نحو المحافظة.

وفي المقابل، تركز القوات الحكومية على استهداف التعزيزات قبل وصولها إلى خطوط القتال، مستفيدة من الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية.

وقال الناطق العسكري ماجد النزيلي إن القوات الحكومية قتلت أربعة خبراء إيرانيين قال إنهم متخصصون في تشغيل وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ في محافظة تعز، دون إيراد تفاصيل عن هوياتهم.

ضغط في لحج

في لحج، تواصلت المواجهات على المحاور المتصلة بالساحل الغربي والمناطق المطلة على باب المندب، مع استمرار القصف والتحركات العسكرية في الوازعية، والمضاربة، ورأس العارة، والأغبرة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن قوات العمالقة نفَّذت ضربات بطائرات مسيّرة ضد تجمعات وآليات حوثية في كهبوب، بالتزامن مع صد هجوم جديد للجماعة.

وتزامن ذلك مع تحركات عسكرية حكومية في جبهات الصبيحة، حيث تفقَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، رفقة قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري، سير العمليات ومستوى الجاهزية في الخطوط الأمامية.

وأكد الصبيحي أهمية رفع الجاهزية واليقظة والاستعداد للتعامل مع التطورات الميدانية، مشيداً بثبات القوات في مختلف المواقع.

وتظهر تطورات تعز ولحج أن خطوط التماس منذ أيام لا تزال ثابتة نسبياً رغم كثافة الهجمات والتعزيزات، لكن ثبات الخريطة لا يعني هدوء الجبهات؛ إذ تحاول الجماعة الحفاظ على مكاسبها في الساحل الغربي، في حين تعمل القوات الحكومية على استنزاف القوة البشرية والعسكرية التي تدفع بها إلى مناطق القتال.

وتقول القوات الحكومية إن عملياتها استهدفت أهدافاً عسكرية، في حين تتبادل مع الحوثيين الاتهامات بشأن الأضرار المدنية الناجمة عن الغارات والقصف. وأكد النزيلي أن القوات الحكومية تلتزم، وفق قوله، باستهداف الأهداف العسكرية المشروعة وقواعد القانون الدولي الإنساني.