انتعاش اقتصادي في كردستان العراق يسبق استفتاء الاستقلال

خبراء يستبعدون إغلاق تركيا وإيران الحدود

مناصرون للاستقلال يرفعون علم الإقليم على قارب خلال مهرجان في أربيل (أ.ف.ب)
مناصرون للاستقلال يرفعون علم الإقليم على قارب خلال مهرجان في أربيل (أ.ف.ب)
TT

انتعاش اقتصادي في كردستان العراق يسبق استفتاء الاستقلال

مناصرون للاستقلال يرفعون علم الإقليم على قارب خلال مهرجان في أربيل (أ.ف.ب)
مناصرون للاستقلال يرفعون علم الإقليم على قارب خلال مهرجان في أربيل (أ.ف.ب)

مع الاقتراب من موعد استفتاء الاستقلال في كردستان، الذي حدد الإقليم يوم 25 سبتمبر (أيلول) الحالي موعدا لإجرائه، تشهد الحركة الاقتصادية للإقليم انتعاشا ملحوظا في المجالات الاقتصادية كافة، بينما يعد خبراء ومختصون اقتصاديون أكراد أن دولة كردستان المقبلة ستحظى باقتصاد قوي يعتمد على مصادر دخل متعددة وإمكانات بشرية هائلة.
ويشهد إقليم كردستان منذ 7 يونيو (حزيران) الماضي نشاطا سياسيا واقتصاديا وشعبيا كبيرا، بعد أن حدد معظم الأطراف السياسية الكردية موعد إجراء استفتاء الاستقلال في الإقليم والمناطق الكردستانية الواقعة خارج إدارة حكومة الإقليم في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والحكومة العراقية.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور صلاح كاكو لـ«الشرق الأوسط»: «كردستان بطبيعتها غنية بموارد طبيعية ومعدنية كثيرة، وبدأ الإقليم خلال الأعوام الماضية بحفر آبار النفط وتجهيزها وتصدير النفط فيما بعد، حيث يمثل النفط المورد الرئيسي لكردستان، وكذلك يمتلك الغاز الطبيعي... فضلا عن ذلك هناك معادن كثيرة أخرى يمكن استغلالها اقتصاديا واستثمارها لصالح تغطية جانب كبير من إيرادات كردستان».
ويلفت كاكو أيضا إلى أن كردستان تتميز بأنها منطقة زراعية، و«الفلاح الكردي يعد من الفلاحين الماهرين الذين ينشغلون بزراعة منتجات توفر إنتاجية عالية إلى جانب الثروات الحيوانية». كما أوضح أن «كردستان تتمتع بمورد اقتصادي دائم يمكن أن نطلق عليه اسم (النفط الدائم) وهو المتمثل بالسياحة. هناك إمكانات كثيرة ممكن أن تستغلها إدارة السياحة في الإقليم لتنشيط القطاع الخاص ودعم ميزانية الدولة الكردستانية، إضافة إلى الأيدي العاملة التي تمتاز بأنها شابة وإنتاجيتها مرتفعة»، مبينا أن هذه الثروات كلها تساهم وتوفر القاعدة لتكون الدولة المقبلة مرتكزة على مقومات اقتصادية متينة.
ويحدد كاكو أهم المقومات الرئيسية لبناء اقتصاد قوي، ويشير إلى أن البنى الارتكازية المتمثلة بالطرق والمواصلات والجسور والمباني والاتصالات ومشاريع الماء والكهرباء والخدمات العامة المتمثلة بالتعليم والصحة ومراكز التأهيل، مهمة جدا «لأنها توفر للمشاريع الإنتاجية خدمات غير مباشرة، وتعد أساسية كي تشتغل الماكينة الاقتصادية للإقليم وتوفر له موارد دائمة»، مشددا بالقول: «يجب أن يكون الاقتصاد متنوعا، وذا مصادر دخل متنوعة على الأمد البعيد».
الإقليم، وبحسب آراء الاقتصاديين والتجار ورجال الأعمال، بدأ يخرج من الأزمة الاقتصادية التي واجهها خلال السنوات الأخيرة بسبب المشكلات الاقتصادية مع بغداد منذ بداية عام 2014 وحتى الآن، وتبعات الحرب ضد مسلحي تنظيم داعش، واحتضان الإقليم لأكثر من مليوني نازح عراقي ولاجئ سوري، إضافة إلى انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، إلا أن قيادة الإقليم وحكومته تمكنت خلال العامين الماضيين عبر مجموعة من الخطوات والإصلاحات الاقتصادية التي أشرف عليها رئيس الإقليم مسعود بارزاني مباشرة، وكان لرئيس الحكومة نيجيرفان بارزاني دور رئيسي في تنفيذها، من تخفيف الأزمة الاقتصادية والخروج منها.
وأعلنت حكومة الإقليم في صيف عام 2015 عن استقلالها الاقتصادي وبيع النفط بشكل مستقل عن العراق، بعدما قالت إنها «يئست من التزام بغداد بالاتفاقيات المبرمة بين الجانبين خلال السنوات التي أعقبت عام 2003».
ويوضح المدير العام للتقييم والتسيير ومنح الرخص في الهيئة العامة للاستثمار في إقليم كردستان، كامران رقيب مفتي، لـ«الشرق الأوسط»: «لدى كردستان اليوم فرصة تاريخية لترتيب أوضاعه الاقتصادية وفق أسس ومبادئ مبتكرة تحقق توظيف موارده البشرية والمادية، استنادا إلى أسس اقتصادية سليمة ذات كفاءة تضمن كفاءة توزيع هذه الموارد بشكل عقلاني ورشيد من أجل تحقيق معدلات نمو متسارعة للدخل والناتج القومي بما يؤمن توظيف المتوفر منها في القطاعات الإنتاجية والخدمية المختلفة؛ كالصناعة والزراعة والسياحة والتعليم والصحة والبنوك والبنى التحتية وغيرها، مما يؤدي بالتالي إلى رفع مستوى الرفاهية ومعدلات الدخل الفردي للعائلة الكردستانية».
وأردف مفتي قائلا إن «دولة كردستان المقبلة يمكن أن تقدم كثيرا من المنافع الاقتصادية لدول الجوار ومنطقة الشرق الأوسط، فهناك قانون الاستثمار رقم (4) لسنة 2006 الذي شرع لتنظيم النشاطات الاستثمارية في الإقليم وتأمين البيئة والمناخ الاستشاري الملائم وتوفير الفرص الاستثمارية ودعم القطاع الخاص بأنواعه؛ الوطني والأجنبي والمشترك»، مشيرا إلى أن القانون في الإقليم لا يميز بين المستثمر الوطني والأجنبي، «فلكليهما الحقوق والواجبات نفسها»، مؤكدا: «بشهادة المستثمرين العرب والأجانب، قانون الاستثمار في كردستان من القوانين الصديقة للمستثمرين».
وأضاف مفتي أن دولة كردستان تتمتع بموارد طبيعية كثيرة لم تستغل بعد، إضافة إلى الاحتياطي الهائل من البترول الذي سيوثر بشكل إيجابي على سوق النفط العالمية، ويُبين: «تحتضن كردستان أراضي زراعية خصبة شاسعة، وأماكن سياحية وأثرية جميلة يمكن استخدامها على مدار السنة، وموارد بشرية متعلمة وذات كفاءة... هذه كلها تنتظر رؤوس الأموال والخبرات العربية والأجنبية لغرض استثمارها بالشكل الأمثل في دولة كردستان، بحيث تعود منافعها لشعب كردستان والمستثمرين ورجال الأعمال من دول الجوار والشرق الأوسط والعالم».
بدوره، يوضح صاحب شركة «هانزو» للتجارة العامة في كردستان، فلاح أنور، لـ«الشرق الأوسط» أن «الواقع الاقتصادي في كردستان يتوجه نحو الأفضل، لأن الموقع الجغرافي لكردستان عامل مساعد لنا لنعمل مع أكبر عدد من دول العالم ودول الجوار (تركيا وإيران وسوريا والعراق)، هذه الدول في حاجة لنا؛ سواء من خلال تأسيسنا للمعامل والتعامل معها، أو من خلال التعامل التجاري معها، لذا دولة كردستان ستكون صاحبة اقتصاد قوي».
ويرى أنور أن اقتصاد كردستان حاليا يعد الأقوى من بين الدول المحيطة بالإقليم، بحسب مقاييس أعداد السكان والموارد التي يحتضنها الإقليم، مبينا: «حاليا هناك مئات الآلاف من الأيدي العاملة الأجنبية التي تعمل في كردستان، وهذا دليل آخر على اقتصادنا القوي الذي هو عامل لجذب هذه الأيدي إلى هذه الأرض».
ويرتبط إقليم كردستان بعلاقات تجارية قوية مع معظم دول العالم، خصوصا مع دول الخليج العربي والعراق وتركيا، ودول المنطقة الأخرى، وفي الوقت ذاته يؤكد المسؤولون في الإقليم أن إيران وتركيا «لن تقدما على غلق الحدود ومقاطعة الإقليم، لأنهما ترتبطان بعلاقات اقتصادية مع كردستان وتعمل أعداد كبيرة من شركات هاتين الدولتين في الإقليم منذ سنوات، لذا فإن المقاطعة من جانبهما للإقليم ستلحق أضرارا كبيرة باقتصاديهما».



الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.


ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
TT

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 في المائة التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي، وذلك بسبب التزام نيودلهي «بوقف استيراده بشكل مباشر أو غير مباشر».

وتعتمد الهند بشكل كبير على واردات النفط، التي تغطي نحو 90 في المائة من احتياجاتها، وساعدها استيراد النفط الروسي الأرخص في خفض تكاليف الواردات منذ الحرب الروسية - الأوكرانية في عام 2022.

وأوضح الأمر ‌التنفيذي أن المسؤولين ‌الأميركيين سيراقبون الوضع، وسيوصون بإعادة ‌فرض ⁠الرسوم ​الجمركية إذا ‌استأنفت نيودلهي شراء النفط من روسيا.

وكانت الولايات المتحدة والهند قد اقتربتا يوم الجمعة من التوصل إلى اتفاق تجاري، إذ أعلنتا عن إطار عمل مؤقت من شأنه خفض الرسوم الجمركية، وإعادة تشكيل العلاقات في مجال الطاقة وتعزيز التعاون الاقتصادي.

وذكرت الحكومتان في بيان مشترك، أن الإطار يعيد ⁠تأكيد الالتزام بالتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي أوسع ‌نطاقاً، مشيرتين إلى أن هناك حاجة لإجراء مزيد من المفاوضات لإتمام الاتفاق.

ولم يذكر البيان المشترك مشتريات نيودلهي من النفط الروسي. وكان ترمب قد أعلن يوم الاثنين، عن اتفاق مع نيودلهي لخفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية من 50 في المائة إلى 18 في المائة، مقابل التوقف عن شراء النفط الروسي وخفض ​الحواجز التجارية.

وفرض ترمب نصف النسبة البالغة 50 في المائة بشكل منفصل عقاباً للهند على مشتريات النفط ⁠الروسي، التي قال إنها تمول المجهود الحربي لموسكو في أوكرانيا.

ويقدم البيان المشترك الصادر مساء الجمعة، تفاصيل إضافية مقارنة بالاتفاق الأولي الذي كشف عنه ترمب يوم الاثنين، إذ أكد أن الهند ستشتري سلعاً أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى 5 سنوات، من بينها النفط والغاز وفحم الكوك والطائرات وقطع غيارها والمعادن النفيسة ومنتجات تكنولوجية.

وذكر البيان أن الهند ستلغي أو تخفض الرسوم الجمركية على جميع السلع الصناعية ومجموعة ‌واسعة من المنتجات الغذائية والزراعية الأميركية. لكن الاتفاق سيطبق رسوماً جمركية 18 في المائة على معظم واردات الولايات المتحدة من الهند.


العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.