عراقيون عرب لـ«الشرق الأوسط»: نرفض الاستفتاء الكردي بسبب توقيته

تبريرات شخصية متعلقة بالحرص على وحدة البلاد وأوضاعها المعقدة حالياً

عراقي يمر أمام ملصق يدعو إلى التصويت بـ«نعم» في استفتاء استقلال كردستان بكركوك أول من أمس (رويترز)
عراقي يمر أمام ملصق يدعو إلى التصويت بـ«نعم» في استفتاء استقلال كردستان بكركوك أول من أمس (رويترز)
TT

عراقيون عرب لـ«الشرق الأوسط»: نرفض الاستفتاء الكردي بسبب توقيته

عراقي يمر أمام ملصق يدعو إلى التصويت بـ«نعم» في استفتاء استقلال كردستان بكركوك أول من أمس (رويترز)
عراقي يمر أمام ملصق يدعو إلى التصويت بـ«نعم» في استفتاء استقلال كردستان بكركوك أول من أمس (رويترز)

حتى عقد التسعينات من القرن الماضي، لم يطرأ اختلاف بين بغداد والكرد، إلا وكان صوت الرصاص حده الفاصل، وخاض الجانبان حروبا طويلة، توزّعت بين خطرة سقط فيها عشرات وآلاف البشر، وأخرى هامشية، اكتفت بالقليل من الدماء والضحايا!
بيد أن ذلك كله، ذهب كما يبدو، مع الماضي بحلول مرحلة ما بعد 2003، على أنها مرحلة لم تخل، في أحيان كثيرة، من الحدّة في التصريحات والأقوال، وبعد الاستفتاء الكردي المقرر في 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، لم تغب عن بال كثيرين إمكانية تجدد القتال بين بغداد وكردستان في حال أصر الكرد على الاستفتاء، وتاليا الانفصال، ربما، عن العراق.
لكن اللافت، ومع كل الاختلافات العاصفة بين الطرفين، أنه يلاحظ أن السلطات العراقية في بغداد لم تذهب إلى التلويح والتهديد بالقوة لحسم الخلافات مع الكرد منذ 2003، ساعد على ذلك، ربما، علاقات ود قديمة بين «الشيعة» المهيمنين على السلطة في بغداد، والأكراد.
يلاحظ أيضا، أن حكومات بغداد المتعاقبة منذ 2003، لم تصدر عنها، باستثناءات نادرة، أي إشارة إلى حل عسكري مع الكرد حتى في ذروة الاختلاف والتصعيد. وتشير أغلب المؤشرات إلى استمرار هذا النسق الحكومي «الشيعي» خصوصا مع وجود رئيس وزراء يميل إلى الهدوء، مثل حيدر العبادي، ولعل ذلك أحد أهم المكاسب النادرة لعراق ما بعد 2003، عراق مختلف، يميل إلى المهادنة ونبذ لغة السلاح مع الكرد.
وإذ استمرت حالة السلم، رغم الخلافات، وعدم اللجوء إلى القوة مع الإقليم الكردي على مستوى الدولة ورجال السياسة، فإنه يحدث وبصورة أكثر وضوحا على مستوى الأفراد والمكانات الاجتماعية غير المرتبطة بالأجندة السياسية، حيث تجد أن عددا غير قليل من العرب لا يعارضون قضية الاستفتاء وحتى الانفصال، ومن يفعل ذلك فإنه يطرح وجهة نظره بعيدا عن العنف والتعصب.
«الشرق الأوسط» استطلعت رأي عراقيين عرب من فئات اجتماعية مختلفة، رافضين لقضية الاستفتاء الكردي، ومع ذلك، يلاحظ أن لا أحد منهم أتى على ذكر السلاح والتهديد باستخدامه ضد الإقليم كأحد الحلول المتاحة لإيقاف استفتائهم، بل إن الجميع تقريبا يتشاطرون «أفكارا رافضة» تستند إلى تبريرات شخصية متعلقة بالحرص على وحدة البلاد وأوضاعها المعقدة في المرحلة الحالية.
أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة إياد العنبر يفتتح أجابته حول سؤال طرحته «الشرق الأوسط» مفاده: «لماذا ترفض الاستفتاء الكردي؟»، بالتأكيد على أن «رفض الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، لا يأتي من رفض حقوق الشعب الكردي في قيام كيان سياسي مستقل، لكنه قائم على أساس رفض إيجاد أزمة جديد في عراق ما بعد (داعش)». وبرأيه، فإن «إصرار السيد مسعود بارزاني على المضي قدُماً في مشروع الاستفتاء، يجعل المنطقة تدور في دائرة الأزمات مع دول الجوار الإقليمي، ويفتح بوابة جديدة للتدخل الخارجي، وتوسيع دائرة الاستقطابات التي ستكون أداوت لتنفيذ إرادات الممانعة الإقليمية لاستقلال كردستان».
ويرى العنبر أن من شأن دوامة الجدل الجديد حول الاستفتاء أن «تجعل العراق يدور في دوامة المواقف المتجاذبة للخصوم السياسيين، على حساب ضرورات تحتاجها الدولة العراقية في مرحلة ما بعد (داعش)، وأهمها إعادة هيبة الدولة، وتفعيل دور المؤسسات الشرعية». ويعتقد أن «فتح جبهة جديدة للصراع مع الإقليم يمكن أن يمنح شرعية جديدة للجماعات المسلحة (السنية والشيعية) التي باتت تشكل كيانات موازية لمؤسسات الدولة».
اختصاصي الطب النفسي، الدكتور جميل التميمي، يشاطر العنبر مقولة «حق الشعب الكردي في تنظيم الاستفتاء وتقرير المصير»، لكنه يرى أن المشكلة في «توقيت الاستفتاء، وليس الاستفتاء نفسه»، لأنه «سيجري وسط أجواء متوترة وفي ظل أزمات وتداعيات الحرب ضد (داعش)، وذلك يعني باختصار أن العراقيين ما زالوا تحت صدمة (داعش) وتداعياتها، وليس من المناسب إدخالهم في صراعات جديدة». ويعتقد التميمي أن «المشكلة الكبرى تكمن في أن الشعب غير مسيطَر عليه، بمعنى أن غالبيته غير واعية وهستيرية وسهلة الانقياد، تحكمها دولة ضعيفة وأمراء حروب لا يهمهم سوى تحقيق مكاسب دول أخرى وليس مصالح شعوبهم، ومن هنا تكمن خطورة توقيت هذا الاستفتاء».
القناعة ذاتها تعبر عنها الناشطة والإعلامية المنحدرة من محافظة نينوى جمانة ممتاز، حيث تقول: «لستُ بالضد من قرار الكرد في اختيار مصيرهم بالبقاء مع العراق أو الانفصال، إن حق تقرير المصير مكفول، وللكرد خصوصيتهم الثقافية والتاريخية». لكنها ترى أن «الوقت غير مناسب، فالعراق يمر بمرحلة استثنائية، وخارج للتو من معارك شرسة مع الإرهاب، وذلك يتطلب الوقوف إلى جانبه لا استغلال وضعه الأمني والسياسي».
أما الموظف الحكومي عباس الجزائري، فيرصد مسألة الاستفتاء وما يترتب عليه من منظار عاطفي وشخصي، ويبني رفضه لمسألة الاستفتاء على أساس أن (العراقيين) «هكذا ولدوا منذ مئات وآلاف السنين، متجاورين متحابين؛ أكرادا وعربا، مسلمين ومسيحيين، لم تفرقنا سياسة الحكام وخصوماتهم، وسيبقون هكذا إلى الأبد».
وترصد مدرسة اللغة الفرنسية زينة مكي، موضوع رفض الاستفتاء الكردي من زاوية اجتماعية صرفة، وتقول: «أنا ضد الاستفتاء، بعيدا عن السياسة ومن جانب اجتماعي، أعتقد أنه ليس من الغرابة أن تكون في المجتمع العراقي ثقافات متنوعة ما دامت حقوق الكرد وواجباتهم محفوظة وموثقة بالدستور، فما الداعي لانفصالهم عن العراق؟ أظن أن التعددية الثقافية قوة للمجتمعات». وبرأيها، فإن «الانفصال يمثّل عشر خطوات إلى الوراء، وعودة نحو مجتمع مغلق لا ينتمي لمدرسة الاعتراف بالآخر».
الكاتب والصحافي وليد فرحان، بدا أكثر تشدداً حيال الإقليم في مسألة الاستفتاء؛ إذ يعتقد أنه «قد يجر البلد إلى حرب قومية طاحنة من شأنها استنزاف مزيد من الضحايا وفتح جبهة حربية جديدة، كانت إلى حد ما، جبهة متماسكة في الحرب الأخيرة ضد (داعش)». ويقع في ظن فرحان أن «المخاوف من اندلاع حرب، تبدو قائمة، في ظل امتداد جغرافي خطير يتوزع على مناطق هشة أمنيا ومصنفة دوليا مناطق نزاع ساخنة».
أستاذ اللغة العربية في الجامعة المستنصرية أحمد مهدي، يرى من جهته، أن «الاستفتاء ما هو إلا محاولة لاستغلال الضعف الإداري للحكومة المركزية، وهو لعبة سياسية تضاهي لعبة الـ17 في المائة المخصصة لموازنة الإقليم ونفط كركوك».
ويرفض المحامي أحمد ساجت، هو الآخر مسألة الاستفتاء، ويعتقد أنه «لن يتم، لأن المحيط الإقليمي لم ولن يوافق على قيام دولة كردية، كما أن حصول الموافقة الشعبية في الإقليم، ليس سببا كافيا لقيام الدولة». ويشير ساجت إلى أن «الاعتراف» الإقليمي والدولي سيكون «من أكبر المعضلات التي ستواجه الكرد». ويظن أن «إفلاس الحزب الحاكم في كردستان دفعه لطرح خيار الاستفتاء تمهيداً لشراكة، بلغة أقوى مستقبلا، مع بغداد». ويعتقد الموظف في مجلس النواب العراقي قاسم جبار، أن رفض موضوع الاستفتاء، خصوصا من قبل الشيعة، مرده إلى أنه «يعني مقدمة للانفصال عن العراق، وذلك يعني ضمنا، أن الحكومة بقيادتها (الشيعية) تخلّت عن وحدة العراق بتقسيمه، وهذه خطيئة تاريخية ستلاحقهم لأجيال متتالية».
موظف القطاع الخاص حسن الحاج عبد الله، يرى أن «حالة التفكك والفوضى التي أعقبت اجتياح (داعش) مساحات واسعة من العراق، تُعد عاملاً رئيساً في خطوة الأكراد، وهي خطوة كانت حتى وقت قريب من الأمور المحرّمة يُتهم صاحبها بـ(الخيانة العظمى)». ويعد الحاج عبد الله أن «الحالة السياسية والتناحر القائمين في العراق والمنطقة العربية، منح الكرد تأييد بعض دول المنطقة، لكن ذلك، ليس حبا أو تعاطفا؛ بل نكاية بدولة أو طرف ما». وبرأيه، فإن «نجاح البيشمركة في السيطرة على مناطق واسعة من محافظة كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، صبّ في صالح الكرد، ومكّنهم من فرض أمر واقع على بغداد، تمهيداً للتفاوض معها بشأن الاستقلال».



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.