عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها

مدير الأمن العام يحارب التنظيمات الإرهابية ويفاوضها

عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها
TT

عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها

عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها

في غضون سنوات قليلة تلت تعيينه مديرا عاما للأمن العام اللبناني، استطاع اللواء عباس إبراهيم أن يكرّس نفسه راعيا أساسيا للوساطات الداخلية والخارجية الناجحة، خصوصا في الملف الأمني الذي يخوض الجهاز الذي يرأسه إبراهيم عبره حربا ضروسا ضد الجماعات الإرهابية، لكنه كان قادرا في الوقت نفسه على إقناعها بقبول الصفقات، مستغلاً كل الثغرات الممكنة في بنية هذه الجماعات، مستغلا أطماعها حينا ومخاوفها حينا آخر.

برز اسم اللواء عباس إبراهيم في صفقات التبادل الناجحة مع التنظيمات الإرهابية، حيث كان دوره «العمل على تحقيق أكبر المكاسب الممكنة، ودفع أقل الأثمان الممكنة»، وهي أثمان كانت تدفع غالبا من «جيوب» الآخرين، لا من الدولة اللبنانية، التي لم تفرج في صفقات التبادل التي شملت مواطنيها وأراضيها عن محكوم واحد، ولم تدفع فلسا واحدا. وللعلم، فإن علاقاته المميزة، بكل المتناقضين، جعلت منه محاورا مقبولا، ووسيطا مطلوبا في أكثر من ملف داخلي أو خارجي.
وفقا لمنصبه في الأمن العام، يعتبر إبراهيم «عين الدولة وأذنها، وهو مستشار رئيس الجمهورية في الملفات الأمنية»، المخوّل العمل على الكثير من الملفات الحساسة، سواء بتكليف رسمي، أو من ضمن طبيعة عمله الواسعة الاهتمامات». أما بحكم الواقع القائم، فهو يتولى دورا أساسيا في محاربة التنظيمات الإرهابية عبر جهاز الأمن العام الذي يعمل بفعالية لافتة، بالتعاون مع بقية الأجهزة الأمنية، كما يتولى عمليا الملف الفلسطيني والسوري في لبنان بحكم معرفته العميقة بالأول وارتباط عمله بالثاني، بالإضافة إلى الدور الإداري لمؤسسته التي تعتبر ناظم الوجود الأجنبي في لبنان على اختلاف وتنوع هذا الوجود من العمال إلى الفنانين والجاليات الأجنبية والتنظيمات الإرهابية.
يرى البعض أن اللواء إبراهيم استطاع أن ينفض عنه، منذ تعيينه في منصبه في يوليو (تموز) 2011 صبغة الانتماء السياسي فبقي موثوقا من الفريق الذي سمّاه – كما يسمي كل موظفي الفئات العليا من الطائفة الشيعية، أي «حركة أمل» و«حزب الله» – وتمكن في المقابل من إقناع خصومهما بدوره الوسطي – الوساطي، باقيا في مواقفه على حافة ثوابت الفريقين المتخاصمين في البلاد، تاركا لنفسه هامش الذهاب بعيدا في التكتيكات لخدمة دوره الأمني – السياسي.
مع هذا، نال إبراهيم حصته من الانتقادات من قِبل أنصار الطرفين، سواءً لدى قيامه بمهمة مكافحة الإرهاب وتواصله الوثيق مع النظام السوري و«حزب الله» من جهة، أو لجهة التصاقه بالمؤسسات الرسمية ومرافقته وزير الداخلية في زيارات ومؤتمرات.
وكعادته تعاطى إبراهيم مع الجانبين بتوازن لافت، فإشاداته المتكررة بدور «المقاومة» تكبح شهية أنصار «حزب الله» على انتقاده، والتزامه العمل المؤسساتي، وإشاداته برجال المؤسسات الأمنية يمنعان خصوم الحزب من الإغراق في النقد.
المقربون من إبراهيم يقرّون بصعوبة الدور الوسطي الذي يقوم به. ويقول رئيس تحرير مجلة «الأمن العام» العميد منير عقيقي، إن إبراهيم دعا أكثر من مرة «اللبنانيين للابتعاد عن الحرتقات السياسية والسجالات، وألا يتأثروا بها لأنها طبيعة نظامنا الديمقراطي، والأهم أن الثوابت التي يحكمها الدستور تبقى مؤمَّنة ولا يوجد أي طرف بلبنان رغم التناقضات والتعاطي الإعلامي المضاد، لكن كلهم يعملون تحت سقف الدستور والطائف والنظام. ولكن للأسف لبنان موجود بساحة تناقضات إقليمية، وهذه الساحة يتأثر فيها الجميع، لكنهم محكومون بالعودة إلى الثوابت الوطنية».
إداريا، عمل إبراهيم على تطوير المديرية العام للأمن العام. وهو يقول دائماً إن «السمكة تبدأ بالاهتراء من رأسها»، بمعنى أن كل مؤسسة أمنية أو خدماتية أو رسمية، عندما يكون فيها فساد واهتراء هو بسبب الرأس، فإذا افتقر الرأس للقدرات المطلوبة لإدارة المؤسسة ودرء الآفات المضرة عنها فهو يعني أنه ليس ناجحا والمؤسسة ستكون حتما فاشلة». والمؤسسات الرسمية بنظره «يجب أن تكون منتجة لأنه عندما تكون تقدم الخدمة فهذه الخدمة إنتاج بحد ذاته».
ويقول العميد عقيقي إن «إبراهيم عندما تسلّم قيادة الأمن العام كان أول ما وضعه لهذه المؤسسة خطة محددة البرامج والأهداف وتحت مسمى القانون والصلاحيات»، وتابع: «لهذا السبب؛ هناك ضرورة لوضع أهداف وخطط ما بين شيء اسمه أمن وشيء اسمه إدارة؛ لأنهما يدخلان في صلب المهمات. نحن كضابطة عدلية نقوم بملاحقة الجرائم والأجانب ومواكبتهم مثل كل الأمن العام بكل الدول، وهذا الشيء يتطلب إعادة وضع خطة تواكب كل ما هو محتمل أن يؤثر على الأمن في لبنان... لأن الإرهاب والجريمة المنظمة يقضان مضاجع الدولة ويؤثران على قطاعات السياحة والاقتصاد وصورة الدولة بالخارج، والتي يقوم فيها بالتنسيق مع الأجهزة الأخرى؛ لأن انعدام التنسيق خطأ، إن كان مع المؤسسة الأم «الجيش» أو قوى الأمن الداخلي أو أمن الدولة، وكل منهم حسب صلاحياته ومهماته الموضوعة بالقانون... وإذا تكاملت هذه الأمور كلها هنا تتشكل مظلة أمنية سليمة للدولة على كل الأراضي.

الأزمة السورية
من ناحية ثانية، لعب اللواء إبراهيم دوراً بارزاً في الوساطات مع انطلاق الأزمة السورية، ففي العام 2012 وقعت مجموعة لبنانية موالية للمعارضة السورية في كمين للقوات النظامية، وقتل معظم أفرادها. وبتكليف من السلطة السياسية تواصل إبراهيم مع النظام السوري واستردت هذه الجثث، وكذلك أعيد الأسير الذي وقع في قبضة النظام. أما الدور الأكبر، فكان مع خطف قافلة لشيعة لبنانيين كانوا في طريقهم من إيران إلى لبنان براً، وهنا استفاد إبراهيم من علاقته مع رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان من أجل العمل على إطلاق سراحهم في عملية تواصل فيها إبراهيم مع الأتراك والقطريين والنظام السوري.
ويقول عقيقي إن «من أسباب نجاح إبراهيم في تنفيذه الصفقات هذه هو أنه يعتبر أن المصداقية شيء مهم جدا بالحياة، والموقع الرسمي مهم أيضا، ومن ثم العلاقة الشخصية... وهذه عناصر تساعده عندما يدخل بملف مفاوضات أن ينطلق ويستمر به». ويكشف أنه «عندما وصلت الأمور لنهايتها لم يقبل إبراهيم أن يتسلّم المخطوفين اللبنانيين قبل حصوله على ضمانات سوريا بإطلاق معتقلين تطالب المعارضة بهم»، مشيرا إلى أن «المخطوفين وضعوا في عهدته، لكنه رفض تسلمهم قبل الحصول على الضمانة». وأكد عقيقي أن إبراهيم «لم يتنازل مرة عن المصلحة اللبنانية إن كان بجثامين تلكلخ وعودة مخطوفي أعزاز وراهبات سيدة معلولا الذين اختطفتهم جبهة النصرة واستطاع تأمين إطلاقهم»، والأمر نفسه في ملف العسكريين الذين اختطفتهم «النصرة»، ويشير إلى أن «الحنكة بالتفاوض والصبر ومعرفة كيف يفكر الطرف الآخر والثقة والمصداقية والعلاقات المباشرة أسست لنجاحه، والأكثر أهمية أن هذه ملفات نظيفة، أي أنك لا تفاوض على تجار مخدرات أو مجرمين».
أما عن عمليات التفاوض مع «الإرهابيين»، فيقول عقيقي «عبر وسطاء ولم يكن بالمباشر، ولا أعتقد أن المدير يمكن أن يقبل بتفاوض مباشر، بل كان هناك وسيط مكلف بنقل الشروط أو المطالب ويأخذ مطالبنا وشروطنا».

الطموح المستقبلي
وفي المقابل، ثمة من يقول: إن إبراهيم يرغب في العمل السياسي مستقبلاً، ولهذا يخطط في حركته الحالية من أجل طموحاته المستقبلية. ومن خلال حركته الوسطية، يبدو إبراهيم مرشحاً في هذه الحال للعب دور مشابه لدور رئيس مجلس النواب نبيه برّي، الذي يحتفظ بعلاقات مميزة مع الكثير من الأطراف أساسية، خلافا لـ«حزب لله» المحدود الحلفاء والكثير الخصوم داخلياً. ويجيب عقيقي ردا على هذه التساؤلات «نريد أن ننتظر 5 سنوات (نهاية خدمته الرسمية) لنرى. هو يقول: إنه يكون في المكان الذي يمكن أن يخدم به أكثرـ وهو الآن يعتبر أنه يخدم أكثر في موقعه هذا. ورغم التعب والجهد لصون الحالة الأمنية والسياسية يشعر بأنه ينتج ويقدم للبلد، وبعدها إذا كان له دور سياسي سيقوم به بالنهاية، وهو يلعب هذا الدور الآن دون أن يكون فيه».
من جهة أخرى، انسحب نهج «الوساطة» الذي اعتمده إبراهيم على الداخل اللبناني، حيث تحول في بعض الأحيان إلى وسيط بين أطراف السلطة يعمل على تقريب وجهات النظر وتقليص مساحة الخلاف والاختلاف، كما حين تدخل لتخفيف التوتر بين «التيار الوطني الحر» الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون، و«حركة أمل» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه برّي.
وهنا، يوضح عقيقي «هناك قضايا يعمل بها المدير العام ولا يضيء عليها الإعلام، منها قضايا سياسية ممكن أن يتدخل فيها لتحسين الواقع السياسي ومنع مشاكل سياسية من أن تحدث بالبلد. وهو يقوم بذلك من خلال التعاطي المباشر مع السلطات المعنية ويقرب وجهات النظر بملفات داخل السلطة بحد ذاتها أو بين السلطة السياسية والذين هم خارج السلطة من أحزاب وزعامات أو دول». ويضيف «عندما تحصل أزمة من الطبيعي الذي سيتكفل بها الذي لديه صلات تواصل. وخلال فترة وجود اللواء ومن خبرته في الماضي على مستوى مديرية المخابرات أو عندما كان مرافقا شخصي لرفيق الحريري، قدر أن ينسج علاقات مع أجهزة ورؤساء أجهزة وشخصيات بالخارج من خلال التعاطي الرسمي وزيارات هؤلاء إلى لبنان، ومن بينهم المعنيون بالملف الفلسطيني بلبنان... وهذا اكتمل مع مديرية المخابرات عندما كان فيها ثُم بعد أن أصبح بمديرية الأمن العام».

بطاقة شخصية
اللواء عباس إبراهيم من مواليد 2 مارس (آذار) 1959، وهو من بلدة كوثرية السيّاد في جنوب لبنان، كما أنه متأهل من السيدة غادة الزين ولهما ثلاثة أولاد هم محمد، علي، وبلال.
دخل إبراهيم المدرسة الحربية بعمر 19 سنة، وتخرّج بعد ثلاث سنوات برتبة ملازم – اختصاص مشاة في الأول من أغسطس (آب) (1982). وخضع بعدها لدورات تخصص عدة في التزلج، ثم دورة عمليات مجوقلة (للقوى المحمولة جواً) (1983) فدورة آمر سريّة (1987)، ثم دورة لغة إنجليزية (1988)، فدورة تدريبية متقدمة في اختصاص المشاة في الولايات المتحدة الأميركية (1989)، فدورة كومبيوتر في العام 1996 لمواكبة النهضة الإلكترونية. أما اختصاصاته الأمنية فبدأت في العام 1998 مع تلقيه دورة تدريبية أمنية متقدمة في المملكة المتحدة.
في العام 1987 تولى اللواء إبراهيم الأمن الشخصي لمبعوث الجامعة العربية إلى لبنان السيد الأخضر الإبراهيمي، ورافقه في جولاته الحوارية – الوساطية بين الأطراف اللبنانية، وشهد عن كثب مسعاه لحل الأزمة اللبنانية، الذي توّج في العام 1989 بـ«اتفاق الطائف» الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، ووضع أسس الجمهورية الثانية في لبنان.
بعدها تولى إبراهيم الأمن الشخصي للرئيس اللبناني المنتخب إلياس الهراوي، وبقي معه حتى العام 1992، حين انتقل لتولي مهمة الأمن الشخصي لرئيس الحكومة الجديد رفيق الحريري. ثم انتقل عام 1993 إلى العمل الأمني بتوليه قيادة القوة الضاربة في الجيش. ثم في العام 1994 لرئاسة قسم مكافحة الإرهاب والتجسس في فرع المكافحة – مديرية المخابرات ليصبح في العام 1998 رئيسا لفرع المكافحة في مديرية المخابرات.
شغل إبراهيم بين العامين 2005 و2008 منصب رئيس فرع مخابرات الجنوب، حيث كان على تماس مباشر مع وضع مخيم عين الحلوة الفلسطيني بكل تعقيداته وصعوباته. ويسجل له نجاحه في إدارة هذا الملف، حيث بات على معرفة بكل تفاصيله، كما أنه بنى علاقات مميزة مع القيادات الفلسطينية داخل المخيم، استثمرها آنذاك، وهو يستثمرها اليوم من منصبه الجديد من خلال المساعدة في ضبط علاقة المخيم بخارجه وتسليم بعض المطلوبين.
ويقول قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان اللواء صبحي أبو عرب لـ«الشرق الأوسط»، إن إبراهيم «كان المسؤول اللبناني الأول الذي دخل المخيمات، واجتمع مع كل الأطراف، من لجان شعبية وفصائل منظمة وقوى إسلامية، ويحسب له أنه كان أول المبادرين؛ حرصا على الأمن والاستقرار والحفاظ على أمن الجوار وعدم التدخل في شؤون لبنان الداخلية». ويشير أبو عرب إلى أن الارتياح الفلسطيني الذي تركه التواصل معه: «كان ناتجا من قدرته التفاوضية والدبلوماسية»، لافتا إلى أن طريقة تعاطيه «لم تكن أمنية حصرا، بل ناتجة من انتهاجه مبدأ الهدوء والتواصل الدبلوماسي، فضلا عن ميزاته المتمثلة في القدرة على إقناع الطرف الآخر، وحنكته في التفاوض للوصول إلى التهدئة في عدة محطات».
أما ما تردد عن وساطة أخرى أجراها في الملف الفلسطيني، في محاولة مصالحة الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع القيادي محمد دحلان، فهي تؤشر أيضاً إلى عمق اطلاعه واهتمامه بالملف الفلسطيني.
هذا، ويدرك اللواء إبراهيم أهمية ملف عين الحلوة بأبعاده الثلاثة، الأمنية والسياسية والاجتماعية؛ ولذا كان يتعامل معه بدقة لافتة، مشيرا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الوضع في المخيم سيكون موضع متابعة دقيقة وحثيثة لتنفيذ قرار السلطة السياسية. ويتابع: «نحن قادرون على ضرب أي تحرك يستهدف أمن لبنان واللبنانيين، ومن دون أي تردد، فالجيش اللبناني اثبت وعلى الدوام براعته ومهارته كجيش محترف، وكذلك الأمر بالنسبة لسائر الأجهزة الأمنية. الأمن والدم اللبنانيان لن يكونا نهبا لأحد، وأيا كان اسمه وموقعه».
وفي العام 2008، تولى اللواء إبراهيم، منصب نائب مدير المخابرات، وهو أعلى منصب يسند لشيعي في الاستخبارات اللبنانية، قبل أن ينتقل منه في العام 2011 إلى أعلى المناصب المنية للطائفة (منذ اتفاق الطائف) ليصبح المدير العام الجديد للأمن العام. ويقول تعميم صدر عن الأمن العام اللبناني بعد توليه منصبه بسنتين، إن إبراهيم أكد منذ وصوله إلى المديرية العامة للأمن العام أنه «على مسافة واحدة من الجميع، وعمم نهج خدمة المواطنين كافة والابتعاد عن التجاذبات والمهاترات والطائفية... فكان على علاقة جيدة مع كل المكونات السياسية اللبنانية ونقطة وسط للصالح العام فحاز ثقة الجميع وأسنِدت إليه أصعب الملفات وأكثرها تعقيداً».
يقول عارفون، إن إبراهيم شخص صبور، ولولا ذلك لما كان عالج الكثير من الأمور، وبخاصة تلك التي لها علاقة بالمفاوضات والمعالجات، وهو يرغب في التواصل المباشر؛ فإذا كان يريد شيئا من شخص ما يحاول أن يتواصل معه».

- تواريخ في مسار الأمن العام
بتاريخ 5-1-1921 صدر القرار رقم 1061، وبموجبه أنشئ الأمن العام وسمي آنذاك بالمكتب الأول.
> بتاريخ 19-2-1923 صدر القرار رقم 1768، وبموجبه أعيد تأليف البوليس في لبنان ومن ضمنه دائرة البوليس العدلي والأمن العام.
> بتاريخ 19-5-1928 صدر المرسوم رقم 3308، وبموجبه نظم عمل الأمن العام.
> بتاريخ 27-8-1945 صدر المرسوم رقم 3845، وبموجبه أُنشأت وزارة الداخلية مديرية للأمن العام، مركزها بيروت، ترتبط بوزير الداخلية ويرأسها مدير.
> بتاريخ 28-4-1950 صدر المرسوم رقم 1736، وبموجبه استحدثت مصلحة للأمن العام.
> بتاريخ 26-7-1951 صدر المرسوم رقم 5516، وبموجبه تم توسيع صلاحيات الأمن العام.
> بتاريخ 4-4-1953 و15-1-1955، صدر المرسومان الاشتراعيان رقم 61 و19، وبموجبهما أعيد تنظيم الأمن العام عبر إلغاء دوائر واستحداث دوائر أخرى.
> بتاريخ 12-6-1959 صدر المرسوم الاشتراعي رقم 139، الذي لا يزال ساري المفعول لغاية الآن، وبموجبه أصبح الأمن العام مديرية عامة ترتبط بوزير الداخلية مباشرة ويرأسها مدير عام.
> بتاريخ 16-12-1959 صدر المرسوم التنظيمي رقم 2873، وبموجبه أصبحت المديرية العامة للأمن العام تضم، إضافة إلى الإدارة المركزية، دوائر مناطقية وحدودية برية وبحرية.

- دور الأمن العام: المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
> تشكل جهاز الأمن العام في لبنان بداية ليكون جهازاً لصيقاً برئيس الجمهورية، وجرى عُرفاً شغله من قبل شخصيات مدنية وعسكرية مسيحية قريبة من رئيس الجمهورية. ولهذا؛ كان رئيس الجمهورية يسمي الشخص الذي يشغل هذا المنصب، لكن الأمور اختلفت بعد اتفاق الطائف، حيث أصبح الموقع من نصيب الشيعة.
يختلف دور الأمن العام اللبناني عن المتعارف عليه في الدول الأخرى، فهو بحسب القانون الصادر عام 1962 الذي نظم عمل هيكيلة الأمن العام يتعاطى بكل شيء اسمه إدارة لها علاقة بجوازات السفر والمستندات الرسمية الإقامات للأجانب، أو منح التأشيرات، إضافة إلى أمور كثيرة لها علاقة بالأمن الاجتماعي والاقتصادي.
ومهمّة الأمن العام محددة بموجب المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي رقم 139 الصادر في 12-06-1959 هي «جمع المعلومات لصالح الحكومة، وبنوع خاص المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويساهم الأمن العام في التحقيق العدلي ضمن حدود المخالفات المرتكبة ضد أمن الدولة الداخلي والخارجي، كما يساهم في مراقبة الحدود البرية والجوية والبحرية ومراقبة الأجانب على الأراضي اللبنانية، ويتولى إعطاء إجازات المرور».
إداريا، تم تطوير هيكلية الأمن العام، فازداد عدد المكاتب، الهيكلية تبدأ من المدير العام، المجلس القيادي بالأمن العام، ثم المكاتب والدوائر والمراكز والمراكز الحدودية إن كانت برية أو جوية أو بحرية.
ويقول رئيس تحرير مجلة «الأمن العام» العميد منير عقيقي «عدد الأمن العام كان نحو 4 آلاف، فأصبح أكثر من 7 آلاف، وما زلنا نعمل بخطة المواكبة بالتدريب. وكان لدينا نحو 30 مركزا بلبنان وأصبح لدينا نحو 50؛ لأنه في كل قضاء أنشأنا أكثر من مركز، أولاً لأن عدد الناس ازداد وعدد العمال والعاملات وبخاصة الأجنبيات بالخدمة المنزلية زاد كثيرا، وثانياً، لأن ملف النزوح السوري شكّل عبئا كبيرا، ولو لم يكن هناك خطة موضوعة لكان سبّب مشاكل كبيرة إن لم يكن لدينا قدرة استيعابة لتتلقى هذا الكم الهائل من المعاملات مثل الإقامات والمتابعة. وأسسنا مراكز خاصة لمعاملات السوريين بلبنان بسبب الأعداد الكبيرة، هي 4 مراكز، وهناك مراكز ضمن الدوائر وسوف يرتفع هذا العدد إلى 10 لمواجهة هذا الضغط.



إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
TT

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من الخريطة، منازل تُسوّى بالأرض، وجسور ومدارس ومستشفيات تُستهدف بشكل متكرر، فيما يُمنع السكان من العودة إلى أراضيهم. وفي حين «يبرّر» المسؤولون الإسرائيليون ما يقومون به - في هدنة مفترضة مع «حزب الله» - بالسعي لتوسيع «المنطقة العازلة» جنوباً بهدف حماية المستوطنات الشمالية من خطر «حزب الله»، تؤكد الوقائع أن التدمير - الذي يتم بالجرافات والمتفجرات - تحوّل حقاً إلى أداة استراتيجية إسرائيلية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية. وتُلقى تبعاتها الثقيلة على المدنيين اللبنانيين الذين يشاهدون من بعيد منازلهم وذكرياتهم ومستقبلهم يدمّر أمام أعينهم، وهم ودولتهم عاجزون عن التصدّي لواقع مرير، يرى البعض أن الذي جرّهم إليه «حزب الله»... تنفيذاً لأجندة إيرانية تتحكم بقراره.

حتى الساعة، يبدو من الصعب جداً الوصول إلى معطيات دقيقة حول حجم الدمار ووضعية القرى الحدودية في جنوب لبنان، التي بات من المستحيل الوصول إليها بعدما صارت خاضعة تماماً للاحتلال الإسرائيلي الذي تمدّد إلى بلدات ومناطق جديدة خلال فترة الهدنة.

دخان القصف الإسرائيلي يغلف إحدى البلدات الحدودية في جنوب لبنان (أ ف ب)

عدد القرى المدمّرة

وفق تحليل أجرته «هيئة الإذاعة البريطانية» (البي بي سي) فقد جرى تدمير أكثر من 1400 مبنى في جنوب لبنان منذ يوم 2 مارس (آذار) الماضي، استناداً إلى أدلة بصرية موثّقة.

ومن ناحية ثانية، وفق معطيات أولية ومصادر متقاطعة، تأكد تدمير أكثر من 25 ألف منزل في المنطقة الحدودية خلال جولة الحرب الحالية وحدها، بينها 56 مدرسة دمّرت بالكامل، بينما تضرّرت 120 مدرسة أخرى. كذلك طال التدمير 15 مستشفى، خرج 8 منها عن الخدمة تماماً، وهذا بالإضافة إلى 10 جسور حيوية، من بينها 4 جسور رئيسة على نهر الليطاني.

العميد المتقاعد منير شحادة يوضح خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «حتى الآن لا توجد لائحة رسمية مكتملة تحدد القرى التي دُمّرت كلياً - أي بنسبة 100 في المائة - لكن المعطيات الميدانية المتقاطعة تشير إلى أن نحو 24 قرية حدودية باتت مفرغة بالكامل أو بشكل شبه كامل من سكانها. وثمة عشرات آلاف الوحدات السكنية دُمّرت أو تضرّرت، وآلاف المنشآت (منازل، مؤسسات، بنى تحتية) خرجت من الخدمة، كما أنه في بعض المناطق الحدودية، تم تجريف شريط بعرض مئات الأمتار بشكل كامل»، قبل أن يعلّق قائلاً: «ما حصل تدمير واسع ومنهجي لشريط القرى الأمامية يصل في بعض البلدات إلى شبه إبادة عمرانية».

أبرز المدن والقرى التي تعرّضت لدمار كبير أو شبه كامل في قضاء مرجعيون (القطاع الشرقي من الحدود اللبنانية - الإسرائيلية) فهي: كفركِلا، والعُدَيسة، ومَركَبا، الطَّيّبة والخِيام.

أما تلك الواقعة في قضاء بنت جبيل (القطاع الأوسط) فهي عَيتا الشعب، ورامية، يارون، ومارون الراس، بليدا، ومَيس الجبل.

وأما تلك الواقعة في قضاء صور (القطاع الغربي) فهي: الضُّهَيرة، ومَروَحين، وأم التوت، وعلما الشعب، والناقورة. وهذا إضافة إلى بلدات أخرى متضرّرة بشدة هي من الشرق إلى الغرب: حُولا ودير سريان وعَيترون وبيت ليف وكَفرا ومجدل زون.

«التبريرات» الإسرائيلية

في الحقيقة، لم يعد خافياً أن إسرائيل تنتهج سياسة «الأرض المحروقة» في مسعى واضح منها لإفراغ المنطقة وفرض واقع جديد بالقوة. وبالفعل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، صراحةً، نية الجيش الإسرائيلي هدم المنازل في القرى الحدودية جنوب لبنان، «على غرار ما جرى في مدينتي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة»، بزعم استخدامها من جانب «حزب الله».

وتتقاطع تصريحات كاتس هذه مع مواقف سابقة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي كان أعلن اعتزامه توسيع «المنطقة العازلة»، ومنع عودة آلاف النازحين اللبنانيين إلى مناطقهم جنوبي نهر الليطاني.

وفي منتصف الشهر الماضي، تكلّم الجيش الإسرائيلي لأول مرة عن «خط أصفر» في لبنان، على غرار الخط الذي «رسمته» إسرائيل في قطاع غزة، وأقرّ بالاستهداف المتعمد لأشخاص بزعم اقترابهم من المنطقة، مشيراً إلى أن السكان اللبنانيين «لن يُسمح لهم بالعودة إلى 55 قرية لبنانية تقع داخل هذه المنطقة».

إسرائيل تعتبر أنها مخوّلة بـ«مواصلة تدمير» ما تصفه بـ«البنى التحتية لـ(حزب الله)»، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار. وبالتالي، يعتمد «المشروع» الإسرائيلي الساري على استراتيجية تدمير شامل للمرافق الحيوية ومقوّمات الحياة تحت مسمى «عمليات تطهير وتنظيف»، باستخدام معدّات وشركات مقاولات سبق لها أن شاركت في عمليات هدم وتجريف مشابهة بقطاع غزة، وفق ما ورد في تقرير لصحيفة «هآرتس» Haaretz الإسرائيلية. كذلك كشفت الصحيفة الإسرائيلية، نقلاً عن شهادات ميدانية لضباط وجنود يعملون في جنوب لبنان، عن أن جزءاً محورياً من النشاط العسكري الإسرائيلي هناك «لا يتركز على القتال المباشر»، بل على «عمليات هدم واسعة و«ممنهجة» تطال المباني والمنشآت في القرى والبلدات اللبنانية». وبحسب الشهادات ذاتها، فإن هذه العمليات تشمل تدمير كل ما يمكن الوصول إليه داخل مناطق الانتشار الإسرائيلي «من دون استثناء يُذكر».

ويوم الثلاثاء الماضي، في تصعيد ميداني لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير ما وصفه بأكبر نفق تابع لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، في عملية وُصفت بأنها من الأضخم من حيث حجم التفجير والرسائل العسكرية المرافقة لها. وسبق هذه العملية تحذير استثنائي وُجّه إلى سكان المستوطنات الشمالية، الممتدة من رأس الناقورة غرباً حتى هضبة الجولان شرقاً، طُلب فيه منهم الابتعاد عن النوافذ والشرفات، «تحسباً لقوة الانفجار».

وبالتوازي، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن العملية نُفذت باستخدام نحو 570 طناً من المتفجّرات، مستهدفة نفقاً وبنىً تحتية على عمق يقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة اعتُبرت من بين الأكبر في سياق العمليات الميدانية الأخيرة.

يُجمع الخبراء على أن الهدف الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع من دون إعلان رسمي عبر التدمير

الأهداف ليست عسكرية حصراً

ومما يؤكد أن الكثير من عمليات التدمير الحاصلة جنوباً لا تلحظ حصراً أهدافاً عسكرية، بل لها أبعاد أخرى، أقدم الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع على تفجير «ملعب بنت جبيل» بمدينة بنت جبيل الذي كان قد ألقى فيه أمين عام «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله خطابه الشهير قبل 26 سنة. ويُذكَر أن نصر الله قال في ذلك الخطاب - الذي أُلقي بعد إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 - إن إسرائيل «أوهن من بيت العنكبوت». ولقد حرصت وسائل إعلام إسرائيلية على بث عملية التفجير التي ترافقت مع هتافات لجنود إسرائيليين يعبّرون عن فرحهم وغبطتهم.

الأهداف الإسرائيلية الحقيقية

وهنا يوضح العميد المتقاعد منير شحادة عن وجود «أكثر من هدف وراء التدمير المنهجي الإسرائيلي»، أبرزها اثنان: الأول، الهدف العسكري المباشر الذي يلحظ إزالة أي غطاء ميداني يمكن استخدامه في القتال، وتحويل المنطقة إلى أرض مكشوفة نارياً، ما يؤدي تلقائياً لمنع نصب الكمائن، وقطع الطريق على التسلل واستخدام المنازل كنقاط قتال. وهنا لفت شحادة إلى أن «هذه سياسة عسكرية معروفة تقوم على تدمير بيئة القتال، وليس فقط استهداف المقاتلين».

أما الهدف الثاني، بحسب شحادة، فهو «تكتيكي قصير المدى، ويقوم على إنشاء ما يشبه حزاماً أمنياً بالنار؛ وهو إبعاد السكان ومنع عودتهم وتقليل الاحتكاك المباشر مع المقاومة».

ومن ثم يتابع شحادة شارحاً الهدف النفسي والاجتماعي «للضغط على البيئة الحاضنة ومنعها من العودة لإحداث خلل ديموغرافي في الجنوب، ورفع كلفة الحرب على المجتمع المحلي، وأيضاً ضرب الاقتصاد الحدودي، وخصوصاً قطاع الزراعة».

وفي هذا السياق، يُجمع الخبراء على أن الهدف و«السيناريو» الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع (de facto) أي من دون إعلان رسمي عبر التدمير، ومنع العودة والسيطرة النارية. وهذه المنطقة قد تمتد بعمق يتراوح بين مئات الأمتار وعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

أما على المدى المتوسط، فيبدو أن الهدف الإسرائيلي هو تثبيت هذا الواقع كـ«أمر دائم» شبيه بتجارب سابقة، وبخاصة «الشريط الحدودي» قبل عام 2000.

مشهد مأساوي صادم

من جهته، يرى عباس ضاهر، مدير «مركز الاستشراف للمعلومات»، أن «التدمير الممنهج الذي تمارسه إسرائيل في جنوب لبنان يهدف إلى فرض أمر واقع، لا يقتصر على ما يُعلن عن تدمير أنفاق لـ(حزب الله)؛ فمتابعة مسار العمليات تُظهر سعياً لخلق واقع جديد في الجنوب، وبالأخص في القرى الأمامية المصنّفة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»... إذ إن هذا التدمير يطال منازل وقرى وأحياء بكاملها، بما فيها مناطق لا صلة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بالحزب؛ أي بيوت المدنيين اللبنانيين».

وبحسب ضاهر، تُظهر المعطيات أن «الرغبة الإسرائيلية تتّجه نحو واحد من ثلاثة سيناريوهات، هي: أولاً، احتلال دائم لهذه المنطقة، وهو احتمال وارد. ثانياً، إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، وهو ما يعزّزه التدمير الممنهج. وثالثاً، سيناريو يرتبط بفرض واقع معيّن حيث لا يكون هناك سيادة كاملة للدولة اللبنانية على أراضيها في الجنوب».

ويصف ضاهر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، المشهد الحالي جنوباً بـ«المأساوي الذي قد يُدخل اللبنانيين في حالة صدمة، وسيزيد إرباك النازحين، مع اتساع حجم الدمار الذي طال المنشآت والمباني والمدارس والبنى التحتية والآبار. وذلك لأن كل ما أُنجِز خلال عقود، لا سيما عبر مجلس الجنوب، يتعرّض اليوم للتدمير».

ومن ثم، يشدد على أن «ما يجري راهناً جريمة حرب، لاعتبارات أساسية عدّة أهمها: أولاً، استهداف بيوت ومنازل اللبنانيين الآمنين. وثانياً، تدمير مراكز الخدمات العامة التابعة للدولة اللبنانية، بما فيها مراكز التعليم والمؤسسات التربوية، ومرافق الري والآبار، إضافة إلى مباني البلديات، وهي جميعها مرافق مدنية. كما يشمل ذلك تدمير وسائل العيش في المنطقة الجنوبية، من اقتلاع الأشجار إلى سرقة الممتلكات، فضلاً عن تهجير السكان من أرضهم».

ويختتم عباس ضاهر قراءته للوضع بالقول: «كل هذه الممارسات يُفترض أن يُحاسَب عليها وفق القانون الدولي، في حال قرر لبنان المضي في ملاحقتها. لكن الشرط الأساسي لذلك هو وحدة الموقف الداخلي اللبناني. فإذا لم تتحقق هذه الوحدة، ولم يحصل تقدّم رسمي في اتخاذ خطوات قانونية لمتابعة الملف دولياً، وبقي السجال الداخلي قائماً بين أكثر من خط، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من الارتباك والضياع والتعقيد السياسي، وهو ما لا يفيد اللبنانيين إطلاقًاً.

تدمير القرى: انتهاك للقانون الدولي

وفعلاً، ثمة المفاعيل القانونية للتدمير الإسرائيلي الممنهج، يتطرق إليها المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين قائلاً إن «القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً صارمة على كيفية إدارة العمليات العسكرية، وتُعتبر مخالفتها جرائم حرب في حال ثبوت القصد أو الإهمال الجسيم».

ويتابع يمين شارحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «المادة الـ53 من اتفاقية جنيف الرابعة، تحظر على دولة الاحتلال أو القوة المهاجمة تدمير الممتلكات الثابتة أو المنقولة الخاصة بالأفراد أو الجماعات. وفوق ذلك، فإنّ تحويل قرى كاملة إلى (مناطق عازلة) عبر التدمير الشامل يمثل انتهاكاً جسيماً؛ لأنه يؤدي إلى تهجير قسري طويل الأمد، وهو ما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي أو النقل القسري للسكان».

ثم يضيف أنه على مستوى القانون البيئي الدولي، تنتهك إسرائيل في جنوبيّ لبنان «بروتوكولات الأسلحة التقليدية» التي تحظّر استخدام الأسلحة القاتلة للبيئة. وفيما خصّ التراث، فـ«إن حماية المواقع التاريخية في الجنوب (مثل صور أو القلاع التاريخية) مكفولة بموجب «اتفاقية لاهاي لعام 1954»، وأي تدمير يلحق بها يُعدّ جريمة ضد التراث الإنساني».

ويشدد يمين على أنه «يترتّب على لبنان توثيق الجرائم الإسرائيلية وجمع الأدلة وحفظها، وتقديم شكاوى متلاحقة إلى مجلس الأمن الدوليّ بها، وعند الاقتضاء للجمعية العمومية للأمم المتحدة، مع طلب إدانة إسرائيل وإلزامها بوقف اعتداءاتها والانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية. وكذلك عليه أن يطلب من مجلس الأمن الدولي تحريك المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب والادعاء ضد إسرائيل، أمام محكمة العدل الدولية، لانتهاكها المعاهدات الدولية المرتبطة بالقانون الإنساني والدولي والقانون الدولي العام والقانون الدولي البيئي، وطلب إلزامها بالتوقف عن جرائمها والتعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة للبنان».


تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
TT

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها، ثم غادرها إلى عالم الدفاع الجنائي الرفيع، عاد إليها من أضيق أبواب السياسة وأوسعها حساسية: بوصفه أحد محامي دونالد ترمب الشخصيين في القضايا الجنائية التي لاحقته قبل عودته إلى البيت الأبيض. لذلك؛ فإن تكليفه مهام وزير العدل بعد خروج بام بوندي لا يختصر فقط قصة رجل قانون صعد بسرعة، بل يكشف أيضاً عن طبيعة المرحلة الثانية من إدارة ترمب، حيث تتداخل مفاهيم العدالة، والولاء، والثأر السياسي، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية الرئيس. إذ تزامن هذا الصعود مع إعادة فتح ملف جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) الأسبق، في قضية بدت في ظاهرها مرتبطة بصورة أصداف على شاطئ حملت عبارة «86 47»، لكنها في جوهرها أعادت إلى الواجهة سؤالاً أوسع، هو: هل ستبقى وزارة العدل في عهد بلانش أداة تنفيذية لرغبات ترمب ضد خصومه، أم يستطيع الرجل الذي يعرف الوزارة من داخلها أن يعيد إليها شيئاً من التوازن المؤسسي؟ هذا الاتهام الجديد لكومي يضع بلانش مباشرة في قلب هذه المعضلة، من خلال دفاعه العلني عن القضية وتجنبه الإجابة بوضوح عن طبيعة الأدلة التي تثبت نية كومي تهديد الرئيس.

وُلد تود والاس بلانش في مدينة دنفر عاصمة ولاية كولورادو وكبرى مدنها عام 1974، لأب كندي كان لاعب هوكي وأم تعمل ممرضة. ونشأ في دنفر قبل أن تنتقل عائلته إلى مدينة غينزفيل بشمال ولاية فلوريدا عام 1987 إثر نزاع قانوني بين والده، الذي كان يدير جماعة دينية في قبو منزله، والسلطات المحلية بسبب مخالفات تقسيم المناطق.

تلقى بلانش تعليمه في معهد نيومكسيكو العسكري، حيث برز رياضياً، ثم تنقّل بين جامعة ولاية لويزيانا وكلية بيلويت (ولاية ويسكونسن)، قبل أن يتخرّج في الجامعة الأميركية بالعاصمة واشنطن، ثم حصل على إجازة في الحقوق كلية بروكلين للحقوق عام 2003. وبعدها التحق بوزارة العدل وعمل فيها نحو 15 سنة، وفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة.

بلانش متزوّج من كريستين، الاختصاصية في علم الأحياء في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، وكان التقاها في أستراليا، وأنجبا طفلين.

ووظيفياً، تنقل بلانش في مناصب إدارية وقانونية. ثم صار مساعداً للمدعي العام الفيدرالي في المنطقة الجنوبية من نيويورك، وهي واحدة من أكثر النيابات الفيدرالية نفوذاً في الولايات المتحدة، قبل أن يصبح مشرفاً فيها. ووفق وزارة العدل، يشرف بلانش الآن، بصفته وزيراً بالوكالة ونائباً للوزير، على أكثر من مئة ألف موظف في الوزارة، بما في ذلك «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، وإدارة مكافحة المخدرات، والمارشالات، ومكاتب المدعين الفيدراليين الـ93.

الشرعية المهنية

هذه الخلفية تمنح الرجل شيئاً من الشرعية المهنية التي لا يملكها كثيرون ممن دخلوا إدارة ترمب من بوابة الولاء السياسي وحده. فهو ليس ناشطاً حزبياً طارئاً على سلك القانون، ولا محامياً تلفزيونياً جاء مباشرة من استوديوهات التعليق السياسي. بيد أنه في الوقت عينه ليس بيروقراطياً محايداً بالمعنى التقليدي. ذلك أنه غادر الوزارة إلى القطاع الخاص، وعمل محامياً للدفاع. ثم مثّل ترمب في ثلاث من القضايا الجنائية التي واجهها في 2023 و2024، حسب السيرة الرسمية نفسها.

وهنا تكمن مفارقة بلانش... إذ إن خبرته القانونية حقيقية، لكنها لم تعد منفصلة عن علاقة شخصية وسياسية مباشرة بالرئيس. وفي واشنطن، لا يُقاس المسؤولون الكبار فقط بما يعرفونه، بل أيضاً إلى مَن يدينون بصعودهم. وبلانش، منذ ترشيحه نائباً لوزير العدل، حمل معه سؤالاً يصعب تجاوزه هو: هل يستطيع محامي ترمب السابق أن يتحوّل حارساً مستقلاً للقانون، أم أن موقعه الجديد هو امتداد لعلاقة الدفاع عن الرئيس، ولكن بأدوات الدولة؟

تثبيت... بصعوبة

في مارس (آذار) 2025، ثبّت مجلس الشيوخ بلانش نائباً لوزير العدل بغالبية 52 صوتاً مقابل 46. ولم يكن ذلك التصويت مجرد انقسام حزبي مألوف، بل عَكَس قلقاً عميقاً من أن يتولّى محامي ترمب السابق موقع «الرجل الثاني» في الوزارة التي يُفترض بها أن تشرف على التحقيقات الفيدرالية، ومكاتب الادعاء، والوكالات الأمنية.

وللعلم، ذكرت وكالة «رويترز» أن بلانش، بصفته نائباً للوزير، كان مسؤولاً عن الإشراف على المدّعين الفيدراليين الـ93 وعلى أجهزة مثل «إف بي آي» و«دي إي آيه» (إدارة مكافحة المخدّرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجّرات) والمارشالات (وهي من وكالات إنفاذ القانون الأميركية).

الأهم، أن تثبيت بلانش السابق جاء في سياق أوسع من مجرّد إعادة توجيه وزارة العدل. إذ إن بام بوندي، في يومها الأول كوزيرة للعدل، كلّفت مكتب نائب الوزير إطلاق مجموعة عمل لـ«مراجعة» ما وصفته الإدارة بـ«تسليح» العدالة ضد ترمب، بما يشمل قضايا المحقق الخاص جاك سميث، وقضية الوثائق السرّية، ومحاولة قلب نتائج انتخابات 2020، وقضية نيويورك المتعلقة بمدفوعات إسكات الممثلة ستورمي دانييلز.

كذلك، أشارت «رويترز» إلى أن بلانش تفادى خلال جلسة تثبيته الإجابة بوضوح عما إذا كان سيتنحّى عن مراجعة قضايا شارك سابقاً في الدفاع عن ترمب فيها. ومن هنا، لم يكن وصوله إلى منصب الوزير بالوكالة، بعد بوندي، قفزة مفاجئة تماماً. فهو كان موجوداً في قلب الآلة منذ البداية. لكنه بعد خروج بوندي لم يعد مجرّد منفّذ ثانٍ أو مشرف خلفي، بل صار الوجه العلني للوزارة في لحظة تتّهم فيها المعارضة الديمقراطية الإدارة بأنها حوّلت وزارة العدل ذراعاً لمحاسبة الخصوم لا لمحاسبة المخالفين.

قضية كومي

من جهة ثانية، جاء اتهام جيمس كومي ليمنح بلانش أول اختبار كبير في موقعه الجديد. فالقضية، كما ورد في الصحف الأميركية، تستند إلى صورة نشرها كومي عام 2025 لأصداف مرتبة على هيئة «86 47». وبما أن ترمب هو الرئيس السابع والأربعون، اعتبر مسؤولون جمهوريون العبارة تهديداً مبطناً؛ لأن «86» قد تُستخدم عامياً بمعنى التخلّص من شخص أو قتله. أما كومي فأزال المنشور لاحقاً، مؤكداً أنه لم يكن يدعو إلى العنف، وأنه افترض أنها رسالة سياسية لا أكثر.

المشكلة القانونية هنا ليست في حساسية أي تهديد محتمل ضد رئيس الولايات المتحدة؛ فالقانون الأميركي يتعامل مع ذلك بجدّيّة قصوى. بل تكمن المشكلة في إثبات النية. ذلك أن القضايا المتعلقة بالتهديدات لا تقوم عادة على العبارة وحدها، وإنما على السياق، والقصد، ومدى إدراك المتهم لمعناها، وما إذا كان الشخص العاقل سيفهمها كتعبير جاد عن نية إلحاق الأذى. لذا؛ بدا بلانش، في مؤتمره الصحافي، كأنه يحاول تثبيت معادلة سياسية أكثر منها قانونية، عندما قال: «لا يُسمح لك بتهديد رئيس الولايات المتحدة!».

العبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تجيب عن السؤال الأصعب: هل ما فعله كومي تهديد جنائي... أم تعبير سياسي فجّ، غامض، أم غير موفّق؟

إبستين جُرح أسقط بوندي ويلاحق بلانش

من جانب آخر، إذا كانت قضية كومي تمثّل اختباراً لهوية وزارة العدل تحت قيادة بلانش، فإن ملف جيفري إبستين يمثل اختباراً لصدقيتها. فقد تحوّل هذا الملف عبئاً سياسياً على إدارة ترمب الثانية، ليس فقط بسبب حساسيته الأخلاقية والقانونية، بل أيضاً بسبب اتهامات بالتلاعب بالإفراج عن الوثائق، أو استخدام حجب واسع يمنع الجمهور والصحافيين والضحايا من معرفة الحقيقة الكاملة.

وفق «الغارديان» البريطانية، رفعت الصحافية والمحلّلة القانونية كايتي فانغ دعوى ضد بلانش، متّهمة وزارة العدل بـ«انتهاك قانون الشفافية» المتعلق بملفات إبستين عبر الإحجام عن نشر كل الوثائق المطلوبة، أو الإفراط في حجبها، أو تفويت المهل القانونية. وذكرت الصحيفة أن بلانش، الذي كان نائباً للوزير قبل أن يصبح وزيراً بالوكالة بعد إقالة بوندي، واجه اتهامات بتعطيل العملية وإصدار جزء فقط من الوثائق.

هذا الملف، تحديداً، يفسّر جانباً من معضلة بلانش. فإذا كشف عن الكثير من المعطيات، قد يثير غضب دوائر قريبة من السلطة، أو يفتح أسئلة محرجة عن علاقات قديمة بإبستين. وإذا حجب الكثير فسيعزّز اتهامات التستر. أما إذا حاول الموازنة بين الخيارين فسيبدو في نظر قاعدة ترمب متردّداً، وفي نظر خصومه متواطئاً.

الولاء كمعيار حكم

واقع الأمر، أنه في إدارة ترمب الثانية، لا يبدو الولاء شرطاً جانبياً، بل جزءاً من هندسة الحكم.

بام بوندي، التي جاءت إلى الوزارة وهي محسوبة أصلاً على عالم ترمب السياسي، غادرت أو أُقيلت لأنها، حسب تقارير أميركية، لم تكن فعالة بما يكفي في ملاحقة أعداء الرئيس. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن مقتصرة فقط على اتجاه الوزارة، بل أيضاً في سرعة تنفيذ هذا الاتجاه وحدّته.

بلانش يفهم هذه الرسالة جيداً. فهو لم يأت من خارج تجربة ترمب القضائية، بل من داخلها.

لقد دافع عن الرئيس في لحظة كان فيها الأخير يرى نفسه ضحية «دولة عميقة» وقضاء مسيّس. ومن ثم، فإن ترمب لا ينظر إليه كموظف قانوني فحسب، بل كشاهد سابق على «المظلومية» التي بنى عليها حملته للعودة إلى السلطة. وهذا، وإن منح بلانش ثقة الرئيس، فإنه يضعف، في المقابل، قدرته على إقناع خصوم الإدارة بأنه مستقل عنها.

وهنا يصبح السؤال عن النساء اللواتي غادرن أو تعرّضن للتهميش في إدارة ترمب، جزءاً من نمط أوسع. وذلك ليس لأن المشكلة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وحده، بل لأن إدارة ترمب تُخضع كبار مسؤوليها، رجالاً ونساءً، لاختبار ولاء دائم.

بلانش وتحدي إصلاح ما كسرته السياسة

في أي حال، قدرة بلانش على معالجة أسباب سقوط بوندي تبدو محدودة. فهو يملك خبرة قانونية لا يمكن إنكارها، ويعرف وزارة العدل من الداخل، ويفهم آليات الادعاء الفيدرالي، لكنه وصل إلى المنصب محمولاً على موجة سياسية لا تشجّع «الاستقلالية». وإذا كانت بوندي فشلت لأنها لم تذهب بعيداً بما يكفي لإرضاء ترمب، فإن نجاح بلانش، في قاموس البيت الأبيض، قد يعني الذهاب أبعد لا التراجع.

في قضية كومي، سيُقاس نجاح بلانش بقدرته على تحويل الغضب السياسي إلى قضية قابلة للصمود أمام قاضٍ وهيئة محلفين. وفي ملف إبستين، سيُقاس بقدرته على إقناع الرأي العام بأن الوزارة لا تخفي ما يجب كشفه ولا تكشف ما يضرّ بالضحايا. وفي ملفات خصوم ترمب، من مسؤولي عهد أوباما إلى شخصيات ديمقراطية أخرى، سيُقاس بمدى الفصل بين المساءلة القانونية والانتقام الرئاسي.

المؤشرات الأولى لا تمنح الرجل هامشاً كبيراً. فوزارة العدل، التي يقودها الآن، ليست مؤسسة تدخل مرحلة تهدئة، بل مؤسسة يُطلب منها أن تكون رأس الحربة في معركة سياسية داخلية. وبلانش، مهما بلغت مهارته القانونية، لا يستطيع الهروب من أصل تعيينه: فهو محامي ترمب السابق، الذي صار حارس القانون الاتحادي.

هذه الجملة وحدها تكفي لتفسير قوته وضعفه معاً.


صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)
TT

صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)

وزير العدل الأميركي هو عملياً رأس وزارة العدل وكبير مسؤولي إنفاذ القانون الفيدرالي. وهو يمثّل الحكومة الأميركية في المسائل القانونية، ويقدّم المشورة القانونية للرئيس ورؤساء الوزارات والوكالات، ويشرف على تطبيق القوانين الفيدرالية والتحقيقات والادعاءات الكبرى. كما يدير جهازاً واسعاً يشمل مكاتب المدعين العامين الفيدراليين في الولايات والدوائر القضائية، ويؤثر في أولويات الملاحقة الجنائية، من الإرهاب والفساد والجرائم المالية إلى الحقوق المدنية والهجرة والمخدرات والسلاح.

إريك هولدر (آ ب)

تتبع الوزارة، أو تعمل تحت مظلتها، وكالات ومكاتب بالغة الأهمية، أبرزها «إف بي آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي)، و«دي إي إيه» (إدارة مكافحة المخدرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات) وخدمة المارشالات الأميركية ومكتب السجون الفيدرالي، إضافة إلى أقسام متخصّصة مثل الحقوق المدنية، ومكافحة الاحتكار، والقسم الجنائي، وقسم الأمن القومي، ومكتب المستشار القانوني، ومكتب مكتب المحامي العام للحكومة (السوليسيتور جنرال) الذي يترافع أمام المحكمة العليا. وتقول الوزارة إن لديها أكثر من 40 مكوّناً، بينها 94 مكتباً للمدّعين الفيدراليين.

من أبرز وزراء العدل الأميركيين خلال العقود الأخيرة، جانيت رينو في عهد بيل كلينتون، وكانت أول امرأة تتولى المنصب، وارتبط اسمها بملفات كبرى، مثل حصار واكو عام 1993 في ولاية تكساس، عندما حاصرت السلطات الفيدرالية مجمّع جماعة دينية تُعرف باسم «فرع داود»، وقضية الطفل الكوبي إليان غونزاليس عام 1999 الذي كان في السادسة ونجا من الغرق بعدما أقدمت والدته التي توفيت على تهريبه بقارب من كوبا إلى فلوريدا، وهناك اندلع خلاف بين أقاربه ووالده الذي طالب بإعادته.

جون آشكروفت (غيتي)

أيضاً، برز جون آشكروفت وألبرتو غونزاليس إبان عهد جورج بوش الابن، في مرحلة ما بعد «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، حين توسّعت صلاحيات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. وجاء بعدهما مايكل موكاسي في نهاية عهد بوش.

أما في عهد باراك أوباما، فقد برز إريك هولدر، أول أميركي من أصل أفريقي يتولى المنصب، ثم لوريتا لينش. وفي عهد ترمب الأول تولى المنصب جيف سيشنز ثم وليام بار، الذي صار أشد منتقديه، قبل أن يأتي ميريك غارلاند في عهد جو بايدن، ثم بام بوندي في إدارة ترمب الثانية.