لماذا تأجل الانتعاش الاقتصادي في تونس؟

ما تحقق دون المأمول

وعدت الحكومة التونسية المواطنين بالانتعاش الاقتصادي خلال السنة الحالية وتوفير فرص العمل أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل (غيتي)
وعدت الحكومة التونسية المواطنين بالانتعاش الاقتصادي خلال السنة الحالية وتوفير فرص العمل أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل (غيتي)
TT

لماذا تأجل الانتعاش الاقتصادي في تونس؟

وعدت الحكومة التونسية المواطنين بالانتعاش الاقتصادي خلال السنة الحالية وتوفير فرص العمل أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل (غيتي)
وعدت الحكومة التونسية المواطنين بالانتعاش الاقتصادي خلال السنة الحالية وتوفير فرص العمل أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل (غيتي)

وعدت الحكومة التي يقودها يوسف الشاهد، التونسيين بالانتعاش الاقتصادي خلال السنة الحالية، وأكدت أن اهتمامها سينصب خلال هذه الفترة على الملفات الاقتصادية والاجتماعية وتوفير فرص العمل أمام مئات الآلاف من العاطلين عن العمل، بيد أن ما تحقق حتى الآن ما زال دون المأمول؛ وهو ما طرح عدة أسئلة عن الأسباب التي أعاقت الانتعاش الاقتصادي في تونس بعد نجاحها النسبي في المرور من زوابع ثورة 2011 على المستوى السياسي، فما الذي أعاق الإقلاع الاقتصادي، ولماذا بقيت معظم محركات الاقتصاد معطلة «تسمع منها جعجعة دون أن ترى طحينا»؟
أكثر من خبير في المجال الاقتصادي والمالي أكدوا صعوبة تحقيق الحكومة التونسية ما وعدت به خلال هذه السنة، فالاحتجاجات الاجتماعية أعاقت تدفق النفط والغاز من حقول الجنوب، وهو ما أعاق التطور الاقتصادي المحلي، ومعظم المؤشرات الاقتصادية على مستوى التصدير، وكذلك الإنتاج، بالنسبة لمادة الفوسفات وغيرها من القطاعات، باتت تتوق لبلوغ مؤشرات 2010، وهو ما يجعل الإقلاع لن يحدث في القريب العاجل وسيبقى مؤجلا إلى فترات زمنية مقبلة.
- النتائج الاقتصادية
على مستوى النتائج الاقتصادية المسجلة خلال الأشهر الماضية من السنة الحالية، حققت تونس نسبة نمو في حدود 1.9 في المائة خلال النصف الأول من 2017، مقابل واحد في المائة فقط خلال الفترة ذاتها من سنة 2016.
أما نسبة النمو الاقتصادي خلال الثلاثي الثاني من هذه السنة فقد بلغت 1.8 في المائة، ويعود هذا النمو المسجل بالأساس إلى نمو القطاع الفلاحي بنسبة 3.8 في المائة (وهذا مرتبط بالعوامل المناخية) والخدمات المسوقة بنسبة 4.2 في المائة، والخدمات غير المسوقة بنسبة 0.2 في المائة. وبقيت مساهمة القطاع السياحي وعمليات التصدير، وهما قطاعان مدران للعملة الصعبة، دون تطور فعلي مؤثر على مستوى النتائج الاقتصادية التي عرفتها تونس خلال الأشهر الماضية من هذه السنة.
- تفويت الفرصة
الحصاد العملي للشاهد وحكومته بقي يراوح مكانه في حدود تناول المشكلات والحديث عن الرغبة في حلّها، فيما لم توضع خطّة عمليّة لحلحلتها ولو جزئيا؛ بل إنّ نقطة ضعف الحكومة كانت واضحة جدّا من خلال تفويتها فرصة تاريخية؛ هي المؤتمر الدولي للاستثمار الذي نظّمته تونس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 والذي حظي بدعاية إعلامية فاقت المعهود، ولكنه لم يحقّق شيئا يذكر على أرض الواقع.
لقد تلقّت حكومة الشاهد في هذا المؤتمر تعهدات ودعما وهبات كفيلة بتحقيق نسبة نموّ في حدود 4 في المائة سنة 2017 لو تمّ الاشتغال برصانة واحتراف لتفعيلها مع احتمال قوي ببلوغ نسبة 7 في المائة في أفق 3 سنوات.
وقد شارك في المؤتمر أكثر من ألفي فاعل اقتصادي تونسي وأجنبي، وكان من المفترض أن تنطلق تونس بمعيّة شركائها في إنجاز 64 مشروعا عموميا، و34 مشروعا مشتركا بين القطاعين العام والخاص، و44 مشروعا خاصّا، تشمل 20 قطاعا حيويّا في البلاد.
وتمّ توقيع اتفاقيات بنحو 10 مليارات دينار، وهو ثلث ميزانية الدولة التونسية، وتعهدت قطر بمنح تونس مليارا و250 مليون دولار، وتعهدت باريس بضخّ 250 مليون يورو كلّ سنة على مدى 5 سنوات، وتعهدت تركيا بدعم تونس بـ600 مليون دولار؛ منها ثلث منحة، وثلث في الاستثمار، وثلث على شكل قروض، عدا المساعدات العينية بالتجهيزات والآليات. كما تعهدت الكويت بمنح تونس قرضا ميسّرا بـ500 مليون دولار، فيما دعمت كندا بلادنا بـ24 مليون دولار، وتعهدت السعودية بدعم قدره 800 مليون دولار؛ من ضمنها هبة بـ100 مليون دولار.
هذا؛ وقّدمت سويسرا اعتمادات بـ250 مليون دينار لتشغيل الشباب على مدى 5 سنوات، وأعلن البنك الأوروبي للاستثمار توفير تمويلات بقيمة 2.5 مليار دولار على مدى 5 سنوات، ومنح البنك العالمي تونس مليار دولار على مدى 5 سنوات، وأعلنت الشركة المالية العالمية (تابعة للبنك العالمي) عن توفير 300 مليون دولار لدعم القطاع الخاص في بلادنا، وأعلن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي عن تمويل مشاريع عمومية في تونس بقيمة 3.3 مليار دينار... وغير ذلك من التعهدات والمنح.
الخبير الاقتصادي، عز الدين سعيدان، يقول إن «الوضع الاقتصادي والمالي لتونس يزداد صعوبة، وأي تأخير لصندوق النقد الدولي في صرف القسط الثالث من القرض قد يعرض تونس لمخاطر أزمة مالية خانقة».
قال الوزير السابق ونائب رئيس جامعة دوفين بباريس (فرنسا) إلياس الجويني: «تونس توجد اليوم وسط إعصار مدمر ينعكس جليا في انخرام (عجز) ميزانية الدولة وما يتطلبه ذلك من اللجوء إلى اقتراض تزداد تكلفته باستمرار».
كشفت وثيقة حول تنفيذ ميزانية الدولة للنصف الأول من سنة 2017، عن تطور موارد الاقتراض في ميزانية الدولة بنسبة 62.4 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2016؛ إذ تمكنت البلاد من تعبئة قروض بقيمة 5273 مليون دينار.
وتونس اليوم تعد غارقة في حزمة من الأزمات المالية والاقتصادية، وحين تطرح الحلول الوطنية الممكنة والواقعية، تتجاهلها الحكومات المتعاقبة ما بعد سقوط النظام السابق، ولم تشكل حكومة الشاهد استثناءً في ذلك، بل أكدت مرّة أخرى أنها امتداد للفشل نفسه في حكومة الصيد، من خلال لجوئها إلى صندوق النقد الدولي للاستدانة، وأيضاً من خلال إقرارها مشروع قانون المالية الذي هو من صنيع صندوق النقد الدولي.
غير أن النقطة الإيجابية في كل هذا الوضع الاقتصادي المأزوم هي تضاعف حجم التحويلات المالية المتأتية من مداخيل التونسيين المهاجرين ومساهماتهم، بشقيها النقدي والعيني، في ما بين سنتي 2006 و2016، ليتحول من 2010 ملايين دينار إلى 3913 مليون دينار سنة 2016 (أكثر من 70 في المائة منها تحويلات نقدية)، أي ما يعادل 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام كمعدل سنوي. وتساهم هذه التحويلات بنحو 20 في المائة من الادخار الوطني. وقد لعبت هذه التحويلات دوراً مهماً في تعديل ميزان المدفوعات، من خلال امتصاصها قرابة 37 في المائة من عجز الميزان التجاري، كما مثلت مصدرا مهما للعملة الصعبة بمقدار 32 في المائة من «المقابيض» الصافية منها. وحققت تونس نسبة نمو في حدود 1.9 في المائة خلال النصف الأول من سنة 2017، مقابل واحد في المائة خلال الفترة ذاتها من سنة 2016؛ حسب ما أعلن عنه الرئيس المدير العام للمعهد الوطني للإحصاء، الهادي السعيدي.
وأفاد، خلال ندوة صحافية عقدها بقصر الحكومة بالقصبة، بأن نسبة النمو بلغت خلال الثلاثي الثاني من هذه السنة 1.8 في المائة، مشيرا إلى أن «النمو المسجل نتيجة أساسا لنمو القطاع الفلاحي بنسبة 3.8 في المائة، والخدمات المسوقة بنسبة 4.2 في المائة، والخدمات غير المسوقة بنسبة 0.2 في المائة».



مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.