«عائلة جادو»... عنف العالم

أحمد الفخراني يمزج بين الأساطير القديمة وغرائبية التكنولوجيا

«عائلة جادو»... عنف العالم
TT

«عائلة جادو»... عنف العالم

«عائلة جادو»... عنف العالم

أخشى الروايات كبيرة الحجم، وأخشى على مؤلفيها. بمجرد أن أمسك برواية طويلة تحاصرني أسئلة من قبيل: هل هناك حكاية لا تمكن روايتها إلا في هذا العدد من الصفحات؟ هل هناك فكرة لا يمكن الإمساك بها في كتاب رحيم بمعاصم الضعفاء والمسنين؟ ألم يكن من الممكن قسمة الحكاية أو الفكرة على كتابين أو أكثر؟
ربما تنبع هذه الأسئلة من انحياز مضمر لرف من الروايات القصيرة الفاتنة، مثل «الجميلات النائمات» لكاواباتا: «المسخ» لكافكا: «الموت في فينيسيا» لتوماس مان: «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» لماركيز، و«امتداح الخالة» لماريو فارغاس يوسا، ومن روايات العرب يمكن أن نضع على الرف نفسه عدداً لا بأس به من الروايات، بينها «صخب البحيرة» لمحمد البساطي، و«عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، و«تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم، ويمكن لقراء آخرين بالطبع أن ينحازوا إلى روايات أخرى من تلك الصغيرة المحكمة التي تتمتع بما يسميه يوسا: «فتنة الحبكة».
ربما، هذا ما يجعل كاتب الرواية الطويلة محل إشفاقي. ينزل إلى الميدان، متنازلا عن «فتنة الحبكة» قبل أن يبدأ؛ فحتى لو نجح في تحقيق هذه الفتنة، ستكون غير مرئية، مثلما لا يمكننا أن نرى كروية الأرض عندما نقطعها في سيارة من أدناها إلى أقصاها، لهذا فإن تقديري لدأب وجدية أحمد الفخراني، الذي عرفت خطواته المبكرة جداً، لم يمنعني من البدء في قراءة روايته الجديدة «عائلة جادو» بالإشفاق والشكوك والأسئلة ذاتها، خاصة أن الكتاب الذي يقع في 440 صفحة يحمل عنواناً فرعياً «نص النصوص» وسيعرف القارئ، عندما يتوغل في النص، أن هذا الوصف التقريظي سيرد في المتن، كأمنية للراوي البطل.
- الفكرة وضدها
أول ما يواجهه القارئ، في نص النصوص، مفتتح: «بدأ كل شيء سريعاً كطيف، ثقيلاً وضاغطاً ككابوس، تحررت من بطء الوقت، لأسير وفي يدي رسالة: فلتجد كارل ماركس، وفي قلبي مهمة: اقتله». يبدو هذا الاستهلال كما لو كان صوت الكاتب، ولن يتركنا نعرف بدقة هل هو مع ماركس والماركسية أم ضدهما، ولن يتركنا للتخمين، إذ يصرح في المفتتح نفسه بهذا المعنى: «تعلمت شيئا أو شيئين من رحلة العثور على ماركس، أن الاتجاهات كالموت محض خدعة؛ فكل شيء يحيط بكل شيء». وهذه العبارة تقريباً هي سر الرواية، الآيديولوجيا محض خدعة، الديمقراطية محض خدعة. الخوف هو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم!
مع بداية الفصل الأول يستمر ضمير المتكلم، ولكن على لسان راو بطل مما يضع احتمال أن يكون ضمير المتكلم في المفتتح هو صوت البطل نفسه؛ «رزق» الذي أكلت القراءة عينيه فاستخدم النظارة الطبية، ومع ذلك فهو بلطجي، ابن غير شرعي لزعيم العصابة «نخنوخ الهواري» يعمل قواداً لديه على أمل أن يرضى عنه ويعترف يوماً بنسبه.
يشير الراوي إلى الأب نخنوخ بلقب «مولانا» وهو مثل قادة المافيا، لا يظهر إلا مروياً عنه، وعن قصره الأسطوري، عن عشقه للقاصرات، وعن علاقاته الوثيقة بالسلطة.
عالم عنيف، وحشي ولا يخلو من نسمات حنان، من شأنه أن يعجب جان جينيه لو كان حياً. وربما لن يكون العنف وحده محل إعجابه؛ لأن الرواية تلبي شرطاً فنياً يحبه جينيه، وهو أن تضرب كل فكرة سابقتها وتمحوها.
وتقوم السخرية بدور كبير في المسعى الهدام الذي تنتهجه الرواية، جنباً إلى جنب مع تطور السرد الذي يتسع لكل شيء ونقيضه، وحيث يتجاور الشعر مع سوقية العالم التحتي. كل شيء يحيط بكل شيء، والاتجاهات محض خدعة. البحث عن كارل ماركس وأفكاره خدعة وسخرية أخرى، لا يخلو أتباعه المجانين من العنف، وهم ينشدون الخير مخلصين، وغير أكفاء.
عالم محكوم باللاجدوى، تسخر فيه الرأسمالية المتمكنة من البشر والأفكار، بينما تنفتح سراديب التعذيب الشرطية على مثيلتها لدى مولانا نخنوخ، حيث القهر سلعة متداولة ورائجة لا يسلم منه حتى رزق البلطجي، الذي يدير دفة السرد، وابن المافياوي المخيف؛ إذ يعاني آلام حب مجهض مع زوجته ابنة عائلة جادو التي انتزعها منه حماه وأجبرها على فراقه، حتى بعد أن يموت جادو يظل حكمه بالتفريق بين الزوجين الحبيبين قائماً.
- إقناع المباغتة
في عالم مخيف وقاتم يمكن لجريجور سامسا أن يستيقظ فيجد نفسه صرصاراً. هذه المباغتة التي أقدم عليها فرانز كافكا وصدقها القارئ في واحدة من الروايات الصغيرة «فاتنة الحبكة» نجدها كذلك في النص الطويل «ألف ليلة وليلة» ولم نتوقف أمام سؤال المعقولية في مواجهة مسخ كافكا أو عفاريت ومسوخ ألف ليلة، وكذلك ليس لنا أن نسائل «عائلة جادو»؟
يباغت الفخراني قارئه بعالمه المخيف القاتم والعجيب في الوقت ذاته. نرى صخب الجماهير التي تهتف «هركليز... هركليز» حماسة لعبد المولى؛ المصارع المعجزة الذي يقول رزق إنه أوجده من العدم، ويدعي أنه جلبه من موريتانيا عبر رحلة شاقة إلى مدينة مسحورة، بينما هو في الحقيقة جلبه من المطرية (حي عشوائي شمال شرقي القاهرة). ليس من الضروري الذهاب بعيداً من أجل اختراع أسطورة، وليس لدى القارئ الوقت ليسأل عن سر تميز عبد المولى، فالمصارعة مثيرة ووحشية لا تنتهي بهزيمة المنافس بل بموته الذي يطلق نشوة الجمهور، النشوة التي رفعت القاتل غرونوي بطل العطر إلى مستوى القداسة، هي نفسها التي تجعل بطولات هركليز حقيقية.
المخيف هو المسلي، هذه هي حقيقتنا قبل أن يلبسنا العيش في المجتمعات قشرة الحضارة التي يبدو التخلي عنها أسهل مما نتصور. غريزة الموت تسيطر في «عائلة جادو» بما يلائم ما يجري في الواقع العربي الآن، حيث تنهزم الأفكار والأشعار، ولا شيء يردع أو يكبح جماح عنف الفاعلين والمتفرجين على السواء. حياة عبد المولى هي جائزته التي يحصل عليها كل مباراة، وهو مجبر على ذلك مثل الكثيرين من المنخرطين في لعبة العنف الدائرية: عليه أن يقتل أحدهم كل ليلة لكي يعيش، أما رزق الابن غير المعترف به والحبيب المحروم من حبيبته لأسباب واهية، فجائزته هي العثور على ماركس، وسيمضي في حضرته كمريد في حضرة شيخه، يجتازان معاً مدناً وقلاعاً مسحورة، ونطلع على ماركس آخر، يصف البروليتاريا بالقذارة، يؤدي التحية النازية، ويهتف مستنهضاً عديمي الموهبة: يا مديوكرز العالم اتحدوا!
- تواريخ ليست أقل دموية
تخترع الرواية تواريخ بديلة لما عاشه العالم. في تاريخ مختلف فر ستالين، واستطاع التسلط على غابة يقطنها جهاديون إسلاميون، وعاونه تروتسكي، ثم سرعان ما انقلب عليه وذبحه، وعلق رأسه في الغابة كي يصير عبرة، وأعلن نفسه خليفة!
لكن الفنتازيا لا تخلو من علامات طريق واقعية. الأب الغامض «نخنوخ» يحيل إلى اسم يعرفه المصريون جيداً، فلم تزل قضية «صبري نخنوخ» ماثلة في الأذهان، الذي نسبت الصحف إليه بعد سقوطه فظاعات ترقى لمستوى الفنتازيا، كما كتبت عن علاقاته بالأمن على مدى سنوات طويلة، كما تأتي إشارة إلى باحث أجنبي يموت في صندوق عربة القواد ويلقى به على جانب الطريق، كإحالة واضحة إلى مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.
علامات الطريق الواقعية تجعل فنتازيا الرواية مقبولة ومقنعة، ليتفرغ الكاتب لاقتراف مكره الفني في المزاوجة بين غرائبية الأساطير القديمة وغرائبية التكنولوجيا، بعد أن صارت المسافة بين الخرافة والعلم الحديث متناهية القصر، وكلاهما: الأسطورة والعلم في خمة العنف والتفنن في اقترافه. عنف له تاريخ، في الأحداث التي تصفها الرواية، والأفكار العنيفة، حيث تلتقي أفكار النازية والمستقبلية والداعشية مع أشعار الكتائب المسلحة.
ثقل المصير تقابله خفة فنتازية تذكرنا بالحيل اللطيفة في ألف ليلة: العفريتة تتطوع بنقل الحبيب من بغداد إلى القاهرة، وحبة الرمان تتحول إلى وحش. في «عائلة جادو» سنرى كيف تتحول «زاوية النجار» إلى روما، ونرى تروتسكي جالساً على عرش من ذهب، يرتدي جلباباً أسود وعمامة مزينة بريشة ذهبية، وسيشترك عبد المولى في قتال تروتسكي، ويصعد ماركس ورزق إلى قلعة الحشاشين، وعندما يهم بعناق حسن الصباح، يكتشف أنه ليس سوى صديقه إنجلز، وقد بنى قلعة تحاكي قلعة الحشاشين.
وعبر رحلة يكابدان فيها الأخطار ومصارعة أعداء يتحولون في لحظة إلى وحوش تنبت أطرافها المبتورة في لحظة، يصلان أخيراً إلى الفردوس، وعند اجتياز البوابة يدرك رزق أنه لم يذهب إلى أي مكان، ولم يكن ما عبره إلا حديقة قصر مولانا «نخنوخ».
يمكن أن تكون «عائلة جادو» حلماً طويلاً، كابوسا إن شئنا الدقة؛ فالرعب هو الشعور الذي يمكن أن يخرج منه قارئ الرواية، وبرغبة في إيذاء الذات، أو بأمل في ألا يكون الواقع هكذا، يمكن أن يعاود القراءة مجدداً.



دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
TT

دواء للكلى يمنح أملاً في استعادة خصوبة النساء

الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)
الدواء يمنح أملاً جديداً للنساء في تحقيق حلم الإنجاب (جامعة سينسيناتي)

توصلت دراسة أجراها باحثون في جامعة هونغ كونغ، إلى أن دواءً شائع الاستخدام لعلاج أمراض الكلى، قد يمثل حلاً واعداً لعلاج العقم لدى النساء المصابات بقصور المبايض المبكر.

وأوضح الباحثون أن هذه النتائج تشكِّل تحولاً مهماً في فهم آليات العقم المرتبط بهذه الحالة وسبل علاجه. ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Science».

وقصور المبايض المبكر هو حالة طبية تتوقف فيها المبايض عن أداء وظائفها الطبيعية قبل سن الأربعين، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات هرمون الإستروجين، وتأخر أو توقف نمو الجريبات التي تحتوي على البويضات. ونتيجة لذلك تبقى البويضات في حالة خمول، وهو ما يعيق الخصوبة ويجعل العلاجات التقليدية لتحفيز الحمل أقل فعالية. وتشمل الأعراض الشائعة لهذه الحالة الهبَّات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات الدورة الشهرية، بينما تقتصر العلاجات المتاحة حالياً على تخفيف هذه الأعراض دون معالجة السبب الجذري للمشكلة.

وخلافاً للنهج التقليدي الذي يركز على البويضات نفسها، وجَّه الفريق اهتمامه إلى البيئة المحيطة بالبويضات داخل المبيض، والمعروفة باسم السدى المبيضي.

وأظهرت الدراسة أن تنشيط البويضات الخاملة يتطلب وجود بروتين محدد يُعرف باسم «Kit ligand»، وأن نقص هذا البروتين، نتيجة تراكم التليُّف والكولاجين داخل المبيض، يعيق نمو الجريبات ويمنع تطورها.

وفي هذا الإطار، فحص الباحثون نحو 1300 دواء معتمد من إدارة الغذاء والدواء الأميركية على خلايا مبيضية، صُممت لتصدر إشارة ضوئية عند إنتاج بروتين «Kit ligand».

وأسفر الفحص عن تحديد دواء «فينيرينون»، المستخدم في علاج أمراض الكلى المزمنة المرتبطة بالسكري من النوع الثاني، بوصفه أحد أكثر الأدوية قدرة على تحفيز إنتاج هذا البروتين، وتحسين البيئة المحيطة بالبويضات.

وأظهرت التحاليل أن النساء المصابات بقصور المبايض المبكر يعانين من تراكم مفرط للكولاجين داخل المبيض، ما يؤدي إلى تصلُّب الأنسجة وفقدانها مرونتها الطبيعية، على نحو يشبه التليُّف أو الندبات.

ويعمل «فينيرينون» على تثبيط مستقبلات تسهم في هذا التليُّف، مما يقلل تراكم الكولاجين ويعيد للمبيض ليونته وتوازنه الكيميائي.

وللتأكد من الدور الحاسم للبيئة المحيطة بالبويضات، قام الباحثون بزرع جريبات خاملة في مبايض متصلبة ومليئة بالندبات، فلم تُظهر أي نشاط يُذكر. في المقابل، عندما زُرعت الجريبات نفسها في مبايض عولجت بدواء «فينيرينون»، بدأت الجريبات في النمو والتطور.

وانتقل الفريق لاحقاً إلى تجربة سريرية أولية شملت 14 امرأة شُخِّصن بقصور المبايض المبكر. وتلقت المشاركات جرعة مقدارها 20 ملِّيغراماً من الدواء مرتين أسبوعياً. وأظهرت النتائج أن عدداً من المتطوعات شهدن تطور الجريبات الخاملة إلى بويضات ناضجة، جرى سحبها وتلقيحها بنجاح في المختبر.

وخلص الباحثون إلى أن «تخفيف التليُّف في أنسجة المبيض باستخدام أدوية مضادة للتليُّف أُعيد توظيفها يفتح آفاقاً واعدة لاستعادة الخصوبة، لدى المريضات المصابات بقصور المبايض المبكر».

وأكدوا أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء تجارب سريرية أوسع نطاقاً، للتحقق من فاعلية العلاج وسلامته، قبل اعتماده على نطاق واسع، ما قد يمنح أملاً جديداً لآلاف النساء حول العالم في تحقيق حلم الإنجاب.


تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
TT

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة سريرية برازيلية أن ممارسة تمارين رياضية قصيرة ومتقطعة عالية الشدة يمكن أن تُعد علاجاً فعالاً لنوبات الهلع، دون الحاجة إلى أدوية.

وأوضح الباحثون من جامعة ساو باولو، أن هذه التمارين تتفوق في نتائجها على بعض الأساليب التقليدية المستخدمة في العلاج النفسي، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Frontiers in Psychiatry».

ونوبات الهلع هي نوبات مفاجئة من خوف شديد وحاد، تظهر دون إنذار واضح، وتبلغ ذروتها خلال دقائق قليلة، وتترافق مع أعراض جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرُّق، والدوار، وألم الصدر، إلى جانب إحساس بفقدان السيطرة أو قرب الموت.

ويُقدَّر أن نحو 10 في المائة من الأشخاص في العالم يمرون بنوبة هلع واحدة على الأقل خلال حياتهم، بينما يعاني ما بين 2 و3 في المائة من السكان من نوبات متكررة وشديدة، تصل إلى حد اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية مُنهِكة.

ويعتمد العلاج القياسي لاضطراب الهلع على العلاج السلوكي المعرفي، وقد يرافقه أيضاً مضادات الاكتئاب.

أُجريت الدراسة على 102 رجل وامرأة بالغين تم تشخيصهم باضطراب الهلع، في تجربة سريرية محكومة استمرت 12 أسبوعاً. وقُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، خضعت كل منهما لثلاث جلسات أسبوعياً، دون استخدام أي أدوية طوال فترة التجربة.

ومارست المجموعة التجريبية تمارين تضمنت إطالة عضلية، ثم 15 دقيقة مشياً، ثم من 1 إلى 6 فترات للجري عالي الشدة لمدة 30 ثانية، تتخللها فترات تعافٍ نشط، مع إنهاء الجلسة بالمشي.

أما المجموعة الضابطة فخضعت لتمارين استرخاء عضلي موضعي، تُستخدم عادة في العلاج السلوكي المعرفي. وارتدى جميع المشاركين أجهزة لمراقبة المؤشرات الحيوية في أثناء التمارين.

واعتمد الباحثون على مقياس الهلع (PAS) كمؤشر أساسي لقياس التغير في شدة الأعراض خلال 24 أسبوعاً، إضافة إلى مقاييس القلق والاكتئاب، وتقييم ذاتي لتكرار وشدة نوبات الهلع، مع تقييم مستقل من طبيب نفسي لا يعرف نوع العلاج الذي تلقاه كل مشارك.

وأظهرت النتائج تحسناً في كلتا المجموعتين، ولكن التحسُّن كان أكبر وأسرع لدى مجموعة التمارين المكثفة، سواء من حيث انخفاض شدة الأعراض، أو تقليل عدد نوبات الهلع وحدَّتها. كما استمرت الآثار الإيجابية لمدة لا تقل عن 24 أسبوعاً.

وخلص الباحثون إلى أن التمارين القصيرة عالية الشدة تمثل وسيلة أكثر فاعلية من تمارين الاسترخاء في علاج اضطراب الهلع، مع ميزة إضافية هي ارتفاع تقبُّل المرضى واستمتاعهم بها، ما يعزز الالتزام بالعلاج.

وقال الدكتور ريكاردو ويليام موتري، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة ساو باولو: «تظهر دراستنا أن برنامجاً من التمارين المكثفة القصيرة والمتقطعة لمدة 12 أسبوعاً، يمكن استخدامه كاستراتيجية فعالة للتعرُّض الداخلي في علاج مرضى اضطراب الهلع».

وأضاف موتري عبر موقع الجامعة: «يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام التمارين المكثفة المتقطعة كوسيلة طبيعية ومنخفضة التكلفة للتعرّض الداخلي، ولا يشترط إجراؤها داخل عيادة طبية، ما يجعلها أقرب إلى حياة المريض اليومية، ويمكن دمجها أيضاً ضمن نماذج علاج القلق والاكتئاب».


هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
TT

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية، هذا المنظور تتبناه هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني»، ورئيسة قسمي «الاستعادات السينمائية» و«كلاسيكيات برليناله» في النسخة الـ76 من المهرجان السينمائي الذي ينطلق من 12 إلى 22 فبراير (شباط) الحالي.

وبهذا الصدد تقول هيلين غيريتسن لـ«الشرق الأوسط» إن البرنامجين ينطلقان من منطق مختلف عن فكرة الاحتفاء بالماضي لمجرد كونه ماضياً؛ فالأفلام المختارة لا تُعرض بوصفها وثائق تاريخية جامدة، بل بوصفها أعمالاً حية قادرة على الحوار مع الحاضر، وإثارة أسئلة معاصرة حول السلطة والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأوضحت أن برنامج «كلاسيكيات برليناله» يعتمد على نظام التقديم المفتوح، حيث تستقبل إدارة المهرجان أفلاماً من مؤسسات أرشيفية ودور حفظ التراث السينمائي حول العالم، وهذه الأفلام تكون قد خضعت لعمليات ترميم حديثة، وغالباً ما تُعرض للمرة الأولى عالمياً أو أوروبياً ضمن فعاليات المهرجان، ومن ثم لا يعتمد البرنامج على فكرة واحدة أو موضوع محدد، بل يقوم على عملية مشاهدة دقيقة، واختيار لما تراه مناسباً لجمهور برلين في كل دورة.

وترفض غيريتسن التعامل مع مفهوم الكلاسيكيات بوصفه قائمة مغلقة أو متفقاً عليها مسبقاً، فبرأيها لا ينبغي النظر إلى الكلاسيكيات على أنها أفلام رسخت مكانتها، وانتهى النقاش حولها، بل ترى أن المهرجانات تلعب دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يمكن عده فيلماً كلاسيكيا اليوم، عبر تسليط الضوء على أعمال مهمشة أو منسية، أو لم تحصل في وقتها على التقدير الذي تستحقه.

أما برنامج «الاستعادات»، هذا العام، فينطلق من قراءة تاريخية لمدينة برلين نفسها، فالعاصمة الألمانية بالنسبة لغيريتسن ليست مجرد خلفية جغرافية، بل مدينة شكّلتها تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ورغم أن سقوط جدار برلين يظل لحظة مركزية في تاريخها فإن التركيز في البرنامج لا يتوقف عند تلك اللحظة فقط، بل يمتد إلى العقد الذي تلاها، أي تسعينيات القرن الماضي التي تصفها بأنها «فترة مضطربة ومفصلية على مستوى العالم كله.

يشهد المهرجان اختيارات مختلفة ضمن برامجه (إدارة المهرجان)

تؤكد غيريتسن أن تلك المرحلة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على ألمانيا وحدها، بل شملت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك أنظمة سياسية واقتصادية في مناطق واسعة من العالم، مشيرة إلى أن أكثر من 140 مليون إنسان وجدوا أنفسهم فجأة داخل واقع جديد، لكن كل مجموعة عاشت هذه التحولات من زاوية مختلفة وبشروط غير متكافئة.

ففي الغرب، ساد آنذاك اعتقاد واسع بأن الانتقال إلى اقتصاد السوق سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية، وهو تصور تصفه غيريتسن اليوم بـ«الساذج»؛ إذ سرعان ما اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً وأن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يحقق الوعود التي رُوّج لها، وتستحضر في هذا السياق أطروحات مثل تلك التي قدمها فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ والتي افترضت أن انتصار الرأسمالية يمثل نهاية الصراعات الكبرى.

وترى غيريتسن أن السينما كانت أكثر وعياً بهذه التعقيدات من الخطاب السياسي السائد آنذاك، خصوصاً في السينما المستقلة والسينما الأميركية السوداء التي عبّرت بوضوح عن خيبة أمل تجاه الوعود الاقتصادية والسياسية التي لم تنعكس على حياة الجميع، لافتة إلى أن كثيراً من أفلام التسعينيات التقطت هذا التوتر مبكرا، وسجلته بلغة سينمائية صريحة.

تحظى الأفلام الكلاسيكية بإقبال لافت في العروض بمهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولا يركز برنامج «الاستعادات» على اسم مخرج بعينه، ولا على نوع سينمائي محدد، بل على روح المرحلة نفسها، فالأفلام المختارة ليست أعمالاً تجارية أو جماهيرية، بل أفلام لمخرجين تعاملوا مع السينما بوصفها أداة لفهم الواقع وليس للهروب منه، وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها برصد القلق والتحول والانكسار أكثر من الاحتفاء بالانتصارات أو الشعارات الكبرى.

وعن الحضور العربي داخل برنامج «كلاسيكيات برليناله» توضّح غيريتسن أن الأمر يرتبط أساساً بما يُقدَّم للمهرجان من مواد، فاختيارات البرنامج تعتمد بالكامل على أفلام تصل من مؤسسات أرشيفية وشركاء ترميم، مشيرة إلى أن التواصل التاريخي بين المؤسسات العربية و«برليناله» ظل محدوداً مقارنة بمهرجانات أخرى مثل «كان السينمائي»، حيث ارتبطت كثير من أرشيفات المنطقة بالعالم الفرنكوفوني أكثر من ارتباطها ببرلين.

وتلفت غيريتسن إلى أن السينما العربية الحديثة نسبياً ما زالت في طور بناء مؤسسات حفظ وترميم قوية، مع استثناء واضح لمصر التي تمتلك تاريخاً سينمائياً أطول، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تطورات إيجابية في السنوات الأخيرة، من بينها استضافة مدينة الرباط مؤتمر الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية، وهو ما ترى فيه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور السينما العربية مستقبلاً.

تتوقف غيريتسن أيضاً عند العلاقة المتنامية بين الجمهور والسينما الكلاسيكية مشيرة إلى أن مهرجانات متخصصة في هذا المجال تشهد إقبالاً متزايداً، خصوصاً من جمهور شاب يبحث عن بدائل للإنتاجات المتشابهة التي تهيمن على المنصات الرقمية، مؤكدة أن السينما الكلاسيكية تقدم إيقاعاً مختلفاً ومساحة أوسع للتأمل في الزمن والشخصيات، لكنها لا تتجاهل التحديات التي تفرضها بعض الأفلام القديمة، خصوصاً تلك التي تحتوي على صور نمطية أو تمثيلات صادمة وفق معايير اليوم، سواء فيما يتعلق بالنساء أم الأقليات أم الشعوب الأخرى.