تقرير اقتصادي: النفط الصخري سيحد من تذبذب الأسعار وتراجعها لما دون 100 دولار

مركز «السياسات البترولية» يؤكد أن دوره سيكون معززا لاستقرار السوق أكثر من منافس

تقرير اقتصادي: النفط الصخري سيحد من تذبذب الأسعار وتراجعها لما دون 100 دولار
TT

تقرير اقتصادي: النفط الصخري سيحد من تذبذب الأسعار وتراجعها لما دون 100 دولار

تقرير اقتصادي: النفط الصخري سيحد من تذبذب الأسعار وتراجعها لما دون 100 دولار

وصف التقرير السنوي الذي يصدره مركز السياسات البترولية والتوقعات الاستراتيجية (CPSS)، وهو مركز سعودي متخصص في المجال النفطي، تأثيرات النفط الصخري على أسواق الطاقة العالمية بالمحدودة على المدى البعيد، وخلص إلى أن تأثيراته الإيجابية أكثر من سلبياته في المجمل. وتناول المركز الذي يديره الدكتور راشد أبانمي، الخبير النفطي السعودي، في تقريره السنوي، موضوع النفط والغاز الصخري وطفرة إنتاجه في أميركا الشمالية لعام 2013. نظرا لتبوؤ هذا الموضوع صدارة الأحداث العالمية، خصوصا شؤون الطاقة لهذا العام. واعتبر التقرير أن النفط الصخري سيكون عامل ضبط للأسعار وصانعا لاستقرار الأسعار في السوق النفطية أكثر من تهديده للنفط التقليدي على المدى المتوسط على الأقل. واعتمد المركز في هذه الفرضية على كلفة استخراج النفط الصخري التي تتراوح بين 80 و85 دولارا للبرميل، في حين تتراوح تكلفة إنتاج البرميل في السعودية؛ أكبر بلد منتج للنفط، بين ثلاثة وستة دولارات، هذا من ناحية التكلفة فقط، بينما من الناحية الفنية والإنتاجية يؤكد التقرير أنها ترجح لصالح النفط التقليدي. ويقارن التقرير حجم الاستخراج الفعلي من النفط الصخري، الذي لا يتجاوز في الفترة الراهنة 5% من مجمل الاحتياطي، بينما تصل نسبة الاستخراج الفعلي من الخام العربي «الخام السعودي» 75% من حجم الاحتياطي الفعلي. وتوصل التقرير الذي صدر في 200 صفحة، وخص المركز «الشرق الأوسط» بملخص عنه، إلى أنه من المستبعد جدا مقارعة البترول الخام الذي يبلغ تكلفة إنتاجه في السعودية مثلا ثلاثة إلى ستة دولارات لإنتاج البرميل الواحد، مما يعني أن انخفاض سعر البترول إلى سبعين دولارا للبرميل الواحد في الأسواق العالمية مثلا، سيؤثر حتما في إنتاج الزيت الصخري بل ربما يلغي جدواه الاقتصادية. ويقول التقرير إن أسعار السوق تضع الجميع أمام حقيقة مهمة، يجب الانتباه إليها وهي أن إنتاج الزيت الصخري وتسويقه في الأسواق العالمية سينعكس إيجابا على أسعار البترول التقليدي، على اعتبار أن تسويق الزيت غير التقليدي سيعتبر رافدا إيجابيا لمستوى أسعار البترول للدول المصدرة للنفط بشكل عام، وبخاصة لمنظمة أوبك، ويصب في مصلحتها نظرا لتكلفة إنتاج الزيت الصخري العالية، التي ستجعل منه، عند اقتحامه للأسواق النفطية، عامل استقرار لأسعار النفط، حيث إنه سيشكل حدا أدنى لأسعار البترول لا يقل عن تكلفة إنتاج الزيت الصخري. ويضيف التقرير، أي أنه سيكون عاملا مساعدا على استقرار أسعار السوق النفطية فوق حاجز 80 دولارا، وهي تكلفة إنتاج النفط الصخري التي بطبيعة الحال لن تنخفض أسعار البترول عنها، على أقل تقدير، إذا ما قدّر للنفط الصخري الاستمرارية في الإنتاج. ويخلص التقرير إلى أن إنتاج النفط الصخري وتسويقه في الأسواق العالمية لن يشكل تحديا على أوبك أو على سياسات المملكة العربية السعودية البترولية، بل على العكس فإن التحدي الحقيقي هو في ذاته الذي يواجهه النفط الصخري حتى لو تطورت الإمكانات لإنتاجه وتخفيض تكلفته، لأن أضرار استخراجه وتكلفته البيئية على المياه الجوفية والزراعة وعلى صحة الإنسان والحيوان على المديين المتوسط والبعيد كبيرة جدا، وربما أكبر من المخاطر التي تسببها المفاعلات النووية، التي كانت في فترة من الفترات ثورة في عالم الطاقة، وتوهم العالم حينها أنها البديل الأرخص للبترول. على هذه البيانات والحقائق والتحليلات أسس مركز السياسات البترولية والتوقعات الاستراتيجية لعام 2013 نظرته بأن إنتاج النفط والغاز الصخري والتحول السريع المفاجئ في مجال الطاقة هو في حقيقته طفرة أكثر من كونها ثورة، وسيكون تأثيرها على أسواق النفط محدودا في بعض النواحي، وربما إيجابيا في نواح أخرى كرافد وداعم لمستوى الأسعار في السوق النفطية. وبيّن التقرير أن حزمة من التطورات والتحولات شهدها العالم خلال عام 2013، ‬شكلت في مجملها - ‬على نحو لافت‮ - ‬منعطفات مفصلية في القضايا والملفات المتعلقة بها، وبيّن أن هذه التحولات كانت نتائج حتمية لتأثيرات وارتدادات الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وعلى وجه الخصوص الزيادة الهائلة والمتصاعدة في الين الأميركي والعجز في ميزان المدفوعات، خصوصا تكلفة الطاقة.‬‬‬ ويشير التقرير إلى كون الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط في العالم، حيث يبلغ استهلاك الطاقة للفرد الواحد نحو ثمانية أطنان (7.8 طن) مكافئ نفطي في السنة، مقارنة - على سبيل المثال - بنحو أربعة أطنان (4.2 طن) فقط في ألمانيا، في حين يأتي أكثر من 62% من هذه الطاقة من النفط والغاز الطبيعي الذي يُستورد جزء كبير منه، بينما يشكل الفحم والطاقة النووية والطاقة المتجددة الجزء المتبقي، فإن هذه المعطيات شكلت بمجموعها نوعا من الضغوط على صناع القرار الأميركيين للعمل على إيجاد مخرج من تلك الأزمات المالية المتراكمة، ومحاولة تخفيض فاتورة واردات الطاقة، التي تشكل الطريق الأمثل لتخفيض أو حتى التخلص من العجز المالي الأميركي. ويشير التقرير إلى سعي صناع القرار الأميركيين في هذا الاتجاه من خلال المرونة والتساهل تجاه حماية البيئة وقوانينها الصارمة، وذلك بإبطال أو رفع بعض القيود والقوانين الصارمة لحماية البيئة التي كانت بلا شك عائقا للاستكشافات في سواحل وأعماق البحار الأميركية، وسعى المشرعون إلى توفير مناخ تنظيمي في أميركا لأول مرة، عبر تسهيلات ضريبية لتشجيع الاستثمارات في التنقيب عن البترول في تلك المناطق، وانتشرت شركات التنقيب عن النفط في السواحل وفي أعماق البحار، إلا أن حادثة التسرب النفطي في خليج المكسيك عام 2010 حدّت من هذا التوجه، مما دفع المشرعين الأميركيين للتنصل منها، لكن وبحسب التقرير فإن التوجه إلى طريقة غير تقليدية للحصول على الطاقة. على هذا الأساس يرى تقرير مركز السياسات البترولية والتوقعات الاستراتيجية، أن المشرعين الأميركيين قدموا التسهيلات والمزيد من الدعم التنظيمي تجاه التنقيب عن النفط والغاز الصخريين الذي رأوا منه أنه قد يحقق نهضة أميركية في مجال الطاقة خلال زمن وجيز، خصوصا من خلال تطبيقات تكنولوجيات الحفر الجديدة، مثل الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي وتسارع وتيراتها وتأثيراتها في الأسواق العالمية. ويضيف التقرير أن كل تلك السلسلة من الأحداث وردود الأفعال، شكلت فعليا طفرة هائلة في إنتاج النفط والغاز الصخري في أميركا الشمالية، وكانت محور اهتمام شؤون الطاقة العالمية، وبخاصة السياسة البترولية خلال هذا العام، مع أن الأكثر مدعاة للتأمل هو التصريحات الإعلامية المتضاربة والمبالغ فيها أحيانا، نظرا لارتفاع كلفة استخراج برميل من هذا النوع، التي تزيد على نظيره التقليدي أضعافا مضاعفة ماديا وتكلفة بيئية باهظة، ولكنها غير محسوسة على المدى القريب، وبالتالي تنتفي إمكانية وجود جدوى اقتصادية ومقبولة بيئيا من استخراج النفط والغاز الصخريين على المدى الطويل. ويرى التقرير أنه من المعلومات التي تستحق النظر والتحليل ما قيل عن ثورة الغاز الصخري في الولايات المتحدة، وأنها ليست ظاهرة محلية، حيث يسعى عدد من الدول اليوم من الأرجنتين إلى الصين، مرورا حتى بدول منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك السعودية، إلى التنقيب عن الغاز الصخري، وذلك لأن طبقات صخور الزيت والغاز توجد في معظم أنحاء العالم، ولكن يبقى موضوع التكلفة الاقتصادية والبيئة والتقنية محورا مهما في هذا الشأن. ووفقا لتقرير مركز السياسات البترولية والتوقعات الاستراتيجية فإن تقرير وكالة الطاقة العالمية الذي قال: إنها تمثل مصالح الطاقة في الدول الغنية، الأخير لهذا العام، توقع أن تتبوأ الولايات المتحدة الأميركية المرتبة الأولى عالميا في مجال الإنتاج النفطي بحلول أربعة أعوام، بينما أعلنت الوكالة الأميركية للمعلومات ذلك فعليا، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن الولايات المتحدة ستحتل اعتبارا من هذا العام 2013 المرتبة الأولى عالميا في إنتاج النفط والغاز متخطية في ذلك السعودية وروسيا. وفعليا سجلت الولايات المتحدة أكبر زيادة سنوية في إنتاجها من النفط منذ أن بدأت ذلك في العام 1860. حيث بلغت الزيادة 850 ألف برميل يوميا، وشرعت أميركا فعليا في تعديل وتطوير المرافئ المعدة أصلا لاستيراد الغاز والبترول في لويزيانا إلى محطات للتصدير، حيث سيتم تبريد الغاز لشحنه إلى الخارج في هيئة غاز مسال، ومن المقرر أن تصدر المحطة حال استكمال تجهيزاتها، ما يقرب من 20 مليون طن من الغاز المسال سنويا، على أن تبدأ الشحنات الأولى في عام 2015. بموازاة ذلك بادرت بعض الدول الغربية بالتوجه لاستيراد الغاز «الرخيص» من أميركا كأحد الحلول لمساعدة المستهلكين الذين يعانون من ارتفاع أسعار فواتير الطاقة بسبب تدني الإنتاج المحلي. وأشار التقرير إلى أن شركة الغاز البريطانية «سنتريكا»، أبرمت عقدا بقيمة عشرة مليارات جنيه إسترليني لاستيراد الغاز من أميركا، بمباركة وثناء من الحكومة البريطانية على هذه الصفقة التي ترى أنها تساعد على توفير مصدر جديد للطاقة بأسعار معقولة للمستهلكين البريطانيين. وأضاف التقرير، تأسيسا على ذلك فإن أميركا، بدءا من العام المقبل، ستقود واحدا من أكبر معدلات الارتفاع في نمو إمدادات المنتجين المستقلين، مما يعني وفرة العرض النفطي وتلبية الطلب العالمي على المدى القريب، بينما يرى التقرير أن هناك شكوكا حول جدوى الاستمرار في هذا المجال على المديين المتوسط والبعيد لأسباب بيئية واقتصادية.



العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».