الموصل بعد «داعش»... المنازل مقابر لأصحابها

روايات مؤلمة للعائدين إلى المدينة التي تحولت إلى أنقاض بسبب الغارات والقصف والعمليات الانتحارية المريعة

جانب من الدمار الذي حلّ بالموصل (واشنطن بوست)
آية تبكي بجانب أشلاء أختها التي جمعت في كيس
جانب من الدمار الذي حلّ بالموصل (واشنطن بوست) آية تبكي بجانب أشلاء أختها التي جمعت في كيس
TT

الموصل بعد «داعش»... المنازل مقابر لأصحابها

جانب من الدمار الذي حلّ بالموصل (واشنطن بوست)
آية تبكي بجانب أشلاء أختها التي جمعت في كيس
جانب من الدمار الذي حلّ بالموصل (واشنطن بوست) آية تبكي بجانب أشلاء أختها التي جمعت في كيس

عثرت آية أبوش على شقيقتها في المنزل الذي قضت فيه لحظات عمرها الأخيرة، محاصرة برفقة صغارها أثناء سقوط القذائف من السماء ونفاذها عبر السقف.
كانوا يرقدون هناك، وسط بقايا البطانيات والقضبان الحديدية الملتوية. وتعرف حمودي، كما قالت، بطريقة ما على ابن شقيقه محمود البالغ من العمر 6 سنوات. وتجمع عمال الإنقاذ حولها محاولين العثور على مفتاح لحقيبة الجسد لجمع البقايا البشرية التي شوهتها الصدمات والشمس والزمن.
كانت ساجدة، شقيقة آية، تبلغ من العمر 28 عاما وملتزمة دينيا، كما قالت أختها. وكان ابنها الآخر يدعى بكر ويبلغ من العمر 9 سنوات. وفي خضم الحرارة العالية والرائحة المقيتة والغبار الكثيف، نظرت آية بهدوء إلى الجثث قبل أن ينتقل عمال الإنقاذ بهم إلى مكان بعيد. كان الوقت لا يزال مبكرا، وكانت هناك المزيد من الجثث لم يُكشف عنها بعد في المدينة القديمة بالموصل العراقية.
كان ذلك هو موقع الانتصار العراقي الكبير المعلن عنه إعلاميا منذ أسابيع قليلة الذي أنهى احتلال تنظيم داعش الإرهابي لمدينة الموصل وأدى إلى انهيار تام لطموحات التنظيم في منطقة الشرق الأوسط، كما قال حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي من قبل. وكانت هناك احتفالات صاخبة رافقها التلويح بالأعلام العراقية، حتى مع تذكير رئيس الوزراء بلاده بحجم الدماء والتضحيات التي بُذلت هناك حتى تحقيق الانتصار.
لم تظهر التكاليف الحقيقية للانتصار العراقي إلا الآن، في الأحياء المدمرة من المدينة القديمة التي تحولت مساكنها إلى أنقاض بسبب الغارات الجوية والقصف الشديد والعمليات الانتحارية المريعة. وتحت وابل القصف والنيران تحطمت الآلاف من المنازل والمساكن التي كانت مليئة بالأسر والسكان، ثم تحولت مئات المنازل إلى قبور للأحياء والأموات على حد سواء.
ووفق التقديرات التقريبية لأعداد القتلى داخل ذلك الحي التي تبلغ الآلاف من السكان، تساءل الأقارب عن الطريقة الوحشية التي أديرت بها المعارك من قبل القوات العراقية وشركائهم في التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية التي نفذت الغارات الجوية المساندة للعمليات العسكرية على الأرض. وأصبحت المخاوف بشأن الخسائر البشرية بين صفوف المدنيين أكثر إلحاحا مع مضاعفة القوات المدعومة من الولايات المتحدة جهودها لهزيمة تنظيم داعش في المعاقل الأخيرة التي تحصن بها المتطرفون في العراق وسوريا.
ومرة تلو الأخرى في الموصل، يتعرض المدنيون للقتل بطريقة مماثلة وباعثة على الإزعاج: اختطاف العائلات واستخدامهم دروعا بشرية من قبل عناصر «داعش» المتطرفين داخل المنازل التي تحولت أثناء القتال إلى حاميات لعناصر التنظيم. واتخاذ قناصة التنظيم مواقعهم أعلى المنازل وإطلاقهم النار على القوات العراقية أو على طائرات قوات التحالف. ثم يأتي الرد بقصف تلك المنازل، وفي بعض الأحيان بواسطة وحدات المدفعية أو بالغارات الجوية ومع القليل من الاعتبار للسكان العزل في الداخل، كما قال الناجون وأقارب الضحايا. وكانت أقبية المنازل تستخدم كملاجئ من القصف والقنابل.
لم يخبرنا أحد حتى الآن عن أعداد القتلى في العمليات. حتى إن التقديرات لا تزال سرية، وتحتفظ بها الحكومة بشكل وثيق بسبب حساسية الاتهامات بأنها هاجمت الأحياء السكنية بقوة غاشمة ومرعبة وبالحد الأدنى من الاعتبار والاهتمام. ولكن هناك أدلة شديدة القتامة على الأوضاع هناك.
ففي المشرحة المحلية، يقول أحد المسؤولين، إن نحو 900 اسم مذكورين في سجل أسماء الجثث التي خرج معظمها من تحت أنقاض المدينة القديمة حتى تاريخ 24 يونيو (حزيران) الماضي. ويملك العاملون في الدفاع المدني قائمة تضم 300 موقع تنتظر سحب جثث الضحايا منها، ولقد تمكنوا من الوصول إلى ما يزيد بقليل على ثلث هذه المواقع حتى الآن.
وفي بعض هذه المنازل، هناك جثة واحدة فقط، وفي البعض الآخر، هناك عشرات الجثث. وقام أقارب الضحايا بدفن جثث ذويهم بأنفسهم أثناء القتال في الحدائق أو المقابر المؤقتة التي حفروها في الأماكن البعيدة الخاوية. وتعتبر ثلاجات حفظ الموتى في المشرحة المحلية بالموصل إلى جانب مقطورات الجرارات المتوقفة في الحدائق مملوءة عن آخرها بالجثث.
جاء محمد علي محمود لزيارة مشرحة الموصل في وقت سابق من الشهر الحالي، مختلطا بالسكان الآخرين الذين يحملون حكاياتهم الخاصة حول المأساة المروعة في المدينة. ولكن قصته كانت مختلفة: فلقد لقي 17 فردا من أسرته الكبيرة مصرعهم فيما وصفها بأنها غارة جوية على المدينة القديمة.
وقال أثناء دخول رجل آخر إلى المشرحة محاولا استخراج شهادات الوفاة لـ15 شخصا من أسرته كانوا ضحايا غارة جوية أخرى: «لا يعرفون الرحمة. يمكن القضاء على القناص برصاصة أو ربما بصاروخ، ولكنهم للقضاء على قناص واحد كانوا يدمرون 7 منازل بمن فيها دفعة واحدة».
وإن كانت معاناة الموصل تحمل في طياتها درسا لأحد، فهو أن الحكومة العراقية لم تكن قادرة على تحمل نتائج خيبة أمل سكان المدينة مرة أخرى وإثارة الشكاوى القديمة نفسها التي استغلها المتطرفون من أفراد «داعش». ولكن في المشرحة، بدا الأمر وكأن القتلى والضحايا منسيين تماما في خضم الحديث عن الانتصار المظفر، ومع عودة مظاهر الحياة التدريجية إلى الأحياء الأكثر حظا من مدينة الموصل المنكوبة. فلقد كان الناجون يكافحون أيضا هناك من أجل استخراج المستندات للحصول على مستحقات الوفاة، وللحصول على الرعاية الطبية للإصابات التي لحقت بهم، ولنزع وصمة الشكوك بالتعاطف مع عناصر «داعش» التي قالوا إنها متعلقة بأهل وسكان المدينة القديمة في الموصل.
وقال الجيش العراقي إنه وضع حماية المدنيين على رأس الأولويات في كل مرحلة من مراحل المعركة الشاقة والصعبة التي استمرت قرابة تسعة أشهر لتحرير الموصل التي كانت تضم نحو مليونين من السكان مما تسبب في تأخير شن الهجمات تحت دواعي الحرص الزائد على أرواح المدنيين. كان شعار القوات هو «تحرير الشعب قبل تحرير الأرض».
ولكن كانت هناك إشارات تحذيرية بأن تكون القوات العراقية والأميركية أقل تقييدا بتلك المعايير مع وصولهم إلى الجيوب الضيقة من غرب الموصل التي شكلت المعقل الأخير لعناصر تنظيم داعش، حتى بعد أن أصبح من الواضح أن المتطرفين يحتمون خلف المدنيين العزل من سكان المدينة.
وفي أواخر مارس (آذار) الماضي، شنت قوات التحالف غارة جوية ضد تنظيم داعش على حي الموصل الجديد بغرب المدينة التي أسفرت عن مصرع ما لا يقل عن مائة مواطن. وقال السكان إنهم تجمعوا في أحد المنازل التي تعرضت للهجوم بسبب أنه أحد المنازل القليلة في المنطقة الذي يوجد به قبو سفلي.
ويبدو أن المخاوف المتزايدة بشأن أعداد القتلى في صفوف المدنيين غير مقتصرة على مدينة الموصل وحدها. فلقد كانت أعداد الضحايا المدنيين في ارتفاع مستمر عبر المعارك الدائرة ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا بسبب غارات قوات التحالف الجوية، وذلك وفقا لشبكة «الحروب الجوية - إير وارز» المعنية بمتابعة أعداد الضحايا، حيث قالت إن أعداد الضحايا المدنيين قد تضاعف تقريبا منذ تولي الرئيس دونالد ترمب مهام منصبه.
وصرح العقيد ريان ديلون المتحدث الرسمي باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق وسوريا بأن «هدف قوات التحالف دائما هو عدم سقوط الخسائر البشرية. وإننا نطبق المعايير الصارمة على عمليات الاستهداف العسكري لدينا».
وعزا العقيد ديلون المزاعم المتعلقة بارتفاع أعداد الضحايا في صفوف المدنيين في العراق إلى تحول العمليات من شرق الموصل إلى المناطق المكتظة بالسكان في غرب المدينة، بدلا من أي تغيير حقيقي في الاستراتيجية. وأردف العقيد الأميركي يقول: «لم يكن هناك هجوم عسكري على مدينة حضرية مثل الموصل منذ الحرب العالمية الثانية، والطريقة الوحيدة لتحرير المدينة كانت عبر القتال منزلا بمنزل وشارعا بشارع».
وكانت مسؤولية جنود الجيش العراقي إنقاذ المدنيين هناك، الذين كان أملهم الوحيد هو وصول تلك القوات إليهم في أي وقت، واستطرد العقيد الأميركي يقول: «بسرعة كافية قبل سقوطهم صرعى بسبب الجوع الشديد أو تعرضهم للقتل على أيدي عناصر (داعش) أثناء محاولتهم الهرب».
وفي أواخر يوليو (تموز) الماضي، وردا على ما قيل وقتها بأنه «التكهنات الخاطئة بشأن ارتفاع أعداد الضحايا»، أصدر الجيش العراقي بيانا جزئيا بأعداد القتلى في غرب الموصل بأنها تبلغ نحو 1429 قتيلا. ومن غير الواضح ما إذا كان ذلك الرقم يضم ضحايا المدينة القديمة، كما أنه لم يتم تحديث هذا البيان الموجز منذ ذلك الحين.
أما بالنسبة للأقارب الناجين، فقد كانت مشاعر الغضب والألم الشديدة قد أعقبتها محاولات شاقة وموجعة لاستخراج الجثث من تحت الأنقاض. وطالب الأقارب عمال الإنقاذ المنهكين الذين يتقاضون أجورا متدنية للمساعدة أو إرشادهم عبر شوارع المدينة. وليست هناك شبكة بحث موحدة في المكان كما لا توجد فرق إنقاذ من الكلاب المدربة كذلك. بدلا من ذلك، وعندما يتوفر الوقت لعمال الدفاع المدني، فإنهم ينتقلون برفقة الأقارب إلى منازلهم، ويقفون معهم فوق الأنقاض، وبين صناديق الذخيرة وجثث عناصر «داعش» المضمخة بالمتفجرات.
وذات يوم من الشهر الحالي، اضطر الأقارب للمساعدة في أعمال الحفر بأنفسهم. إذ لم يدفع أحد أجرة سائق الحفار، ونتيجة لذلك تغيب عن العمل لمدة أربعة أيام، وفقا للعقيد ربيع حسن رئيس فريق الدفاع المدني في غرب الموصل. ولم يكن الخطأ من سائق الحفار، الذي كان يدفع ثمن أغلب عمليات استعادة الجثث من جيبه الخاص، كما قال العقيد حسن الذي أضاف: «لم يكن أحد يهتم، ولم يكن أحد يسأل». كان عمل الأقارب بأنفسهم شاقا ومضنيا وخطيرا. ففي إحدى المراحل، ارتفعت الأدخنة من أحد الانفجارات في الجوار، ثم واصل الجميع الحفر رغم كل شيء.
جلست آية أبوش بجوار سيارات الإنقاذ، وكانت أكياس الجثث عند قدمها، وكانت تبكي بمرارة أثناء وقوف الأقارب الآخرين وانتظارهم لدورهم. وكان منزل محمد طه يقع قريبا من هناك، وفي داخل المنزل كانت جثث ابنه البالغ من العمر عامين اثنين وزوجته ووالدته. وكانت المرة الأخيرة التي شاهدهم فيها قبل بضعة شهور، حينما غادر المدينة القديمة لمتابعة قطيع الماشية الذي يملكه. ثم تحولت خطوط المعركة نحو غرب الموصل، ولم يتمكن من العودة إلى منزله مرة أخرى.
وعلى مدى أسابيع، حاول يونس صلوح استخراج جثة عمه وثلاثة من أبناء عمه، الذين كانوا قابعين داخل منزل أجداده. ومع الحفر في الصخور بيديه وبالمعاول الصغيرة في الأسبوع الماضي، كانت رائحة الجثث تنبعث من مكان ما بعيد للغاية لا يمكنه الوصول إليه.
وكانت حلا خميس قد نجحت في الفرار من إحدى الغارات الجوية بأكثر من شهر مضى برفقة ثلاث من بناتها ولكن من دون ولدها جاسم البالغ من العمر 10 سنوات الذي كان موجودا في غرفة مجاورة وقت القصف. ثم عادت حلا إلى المنزل بصحبة عمال الإنقاذ الأسبوع الماضي وهي تحمل صورة لولدها وعلبة من مزيل الروائح لتفادي الرائحة الكريهة المنبعثة من المنزل.
وقالت السيدة حلا وهي ترش مزيل الروائح على ملابس عمال الإنقاذ لعل ذلك يساعد في الإسراع من عملهم: «بكل صراحة، لست متأكدة من أنه هنا. ربما تمكن من الفرار مثلنا». ولكن تم العثور على جثة ما، ولكنها كانت لإرهابي انتحاري متمنطق بحزام ناسف حول خصره. ووقفت السيدة حلا بجوار المنزل داعية عمال الإنقاذ لمواصلة العمل والمحاولة. ولكن كانت هناك كثير من الصخور ومن دون ماكينات لرفعها وإزاحتها. وكان لزاما عليهم العودة في وقت آخر».
كانت الغارة الجوية التي قتلت 17 فردا قد استثنت ثلاثة أفراد فقط من العائلة نفسها. وأحدهم، وهو علي حسين علي (23 عاما)، كان خارج الغرفة التي تجلس فيها العائلة عندما هوى على رؤوسهم السقف. وأمضى علي حسين 22 ساعة تحت الأنقاض وهو يسمع أصوات أنين أقاربه، ثم توقفت الأصوات تماما قبل نصف ساعة فقط من إنقاذه.
*خدمة {واشنطن بوست}


مقالات ذات صلة

أميركا : «إف.بي.آي» يعتقل شخصاً خطط لهجوم باسم تنظيم «داعش»

الولايات المتحدة​ شعار الـ«إف بي آي» (أ.ب)

أميركا : «إف.بي.آي» يعتقل شخصاً خطط لهجوم باسم تنظيم «داعش»

أظهرت وثائق قضائية أن مكتب التحقيقات الاتحادي (إف.بي.آي) ألقى القبض على شاب يبلغ من العمر 18 عاماً كان ​يخطط لتنفيذ إطلاق نار جماعي في (مول أوف أميركا).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

تحذيرات من عودة «داعش» بعد هجمات شمال بغداد

حذر مسؤولون عراقيون، الأربعاء، من استئناف تنظيم «داعش» نشاطه بعد هجمات استهدفت الأمن في مناطق ريفية شمال بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

مالي: الجيش يدخل كيدال دون قتال بدعم من روسيا

مدينة كيدال تبقى عنوان الحرب المشتعلة في مالي منذ أكثر من 15 عاماً. الجيش المالي يدخلها بعد ستة أشهر من سقوطها في يد المتمردين الطوارق

الشيخ محمد ( نواكشوط)
المشرق العربي دورية للشرطة العراقية تنقل معتقلين إلى باحة محكمة الكرخ في العاصمة بغداد يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن هجوم أودى بحياة شرطي قرب كركوك

أعلن تنظيم «داعش»، الثلاثاء، مسؤوليته عن هجوم وقع أمس، وتسبب في مقتل شرطي اتحادي عراقي، وإصابة آخرين جنوب غربي مدينة كركوك الغنية بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي صورة نشرتها وزارة الداخلية السورية تظهر خالد رائد بيروني (أبو حسن دوشكا) القيادي في «داعش» الذي تم القبض عليه (الداخلية السورية)

سوريا تعلن توقيف قيادي «داعشي» متهم بتفجير مسجد في حمص

أعلنت الداخلية السورية توقيف قيادي في «داعش» بريف دمشق، قالت إنه مسؤول عن تفجير مسجد علي بن أبي طالب واعتداءات طائفية في حمص.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الحصار الحوثي لمدينة تعز ينذر بكارثة صحية وشيكة

حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
TT

الحصار الحوثي لمدينة تعز ينذر بكارثة صحية وشيكة

حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)

حذّرت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية من كارثة صحية وشيكة في مدينة تعز، مع استمرار الحصار الذي يفرضه الحوثيون على المدينة، واقتراب نفاد الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والوقود في المرافق الصحية؛ مما يضع حياة آلاف المرضى على المحك.

وقالت الوزارة، في بيان، إن ما تشهده تعز لا يقتصر على أزمة في الإمدادات الطبية، «بل يمثل تهديداً مباشراً لحياة المرضى والجرحى والأطفال والنساء الحوامل وحديثي الولادة، الذين يعتمدون على استمرار الخدمات الصحية لإنقاذ حياتهم وتخفيف معاناتهم».

وأكدت أن «خلف كل سرير في المستشفى إنساناً ينتظر العلاج، وخلف كل نداء استغاثة أسرة تخشى فقدان أحد أفرادها، وأن كل نقص في دواء أو وقود قد يحوّل حالة قابلة للعلاج إلى مأساة لا يمكن تداركها».

ونبّهت الوزارة إلى أن «استمرار الوضع قد يؤدي إلى توقف خدمات الطوارئ والعمليات الجراحية والعناية المركزة وغسل الكلى وحضانات الأطفال حديثي الولادة، بما يعرّض حياة المرضى الأكثر هشاشة لمخاطر جسيمة». كما أن «النقص الحاد في الوقود يهدد بتوقف مولدات الكهرباء، وسيارات الإسعاف، وتعطل سلاسل التبريد اللازمة لحفظ الأدوية واللقاحات، الأمر الذي قد يحرم المرضى من الرعاية المنقذة للحياة، ويزيد احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة ووفيات يمكن تفاديها».

الحوثيون يفرضون حصاراً محكماً على مدينة تعز (إعلام محلي)

وأكدت الوزارة أن المرضى ينبغي ألا يدفعوا ثمن الصراع من حياتهم، وأن المستشفيات يجب أن تظل «ملاذاً آمناً لكل من يحتاج إلى العلاج، لا أن تتحول إلى مرافق عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات؛ بسبب انقطاع الإمدادات وتعذر الوصول إليها». وقالت إن «كل ساعة تأخير في وصول الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية تضاعف المخاطر، وتضيّق فرص إنقاذ الأرواح، وتزيد معاناة المرضى وأسرهم».

مطالب بفتح الطرق

حمّلت وزارة الصحة اليمنية الحوثيين المسؤولية عن الحصار وعرقلة وصول الإمدادات، وما يترتب على ذلك من تداعيات صحية وإنسانية، مطالبة برفع الحصار فوراً وفتح طرق الإمداد دون تأخير أو عوائق، وضمان المرور الآمن للمرضى والجرحى وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الصحية إلى جميع المرافق المحتاجة.

ودعت الوزارةُ الأممَ المتحدة والمنظماتِ الإنسانية والشركاءَ الدوليين والجهاتِ الداعمةَ للقطاع الصحي إلى «تحرك عاجل وفاعل يتناسب مع حجم التهديد، والعمل على إيصال الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والأكسجين والوقود بصورة فورية وآمنة إلى المرافق الصحية في مدينة تعز، بالتنسيق مع الوزارة ومكتب الصحة في المحافظة، مع إعطاء الأولوية القصوى للخدمات المنقذة للحياة وضمان استمرار تشغيل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية».

طفل يمني في مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين يبيع عبوات بنزين (أ.ف.ب)

وناشدت المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية «عدم الاكتفاء برصد التحذيرات أو التعبير عن القلق، بل اتخاذ خطوات عملية وعاجلة تحول دون انهيار الخدمات الصحية وتحمي المدنيين من تداعيات كارثة يمكن الحد منها إذا جرى التحرك في الوقت المناسب».

وشددت الوزارة على أن حماية المرضى والمرافق الصحية والعاملين فيها، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، «ليست مطالب قابلة للتأجيل، بل مسؤوليات إنسانية تقتضي التحرك الفوري». وأكدت أن «ضمان وصول الرعاية الصحية إلى المحتاجين إليها ضرورة لحماية الحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية».

وقالت إن إنقاذ تعز يبدأ برفع الحصار وفتح طرق الإمداد وضمان وصول العلاج إلى من يحتاج إليه، مشددة على أنه لا يمكن أن يصبح نقص الدواء أو انقطاع الوقود سبباً في فقدان حياة كان بالإمكان إنقاذها.

أزمة صحية تتسع

من جهتها، أكدت «منظمة الصحة العالمية» أن الخدمات الصحية في المحافظات المتضررة من الصراع تواجه صعوبات كبيرة في مواكبة الاحتياجات المتصاعدة. وقالت إن نحو نصف المرافق الصحية هناك يفتقر إلى دعم الشركاء، مع استمرار وجود فجوات حرجة في خدمات رعاية الإصابات في الخطوط الأمامية وخدمات الرعاية الصحية المتنقلة.

الحوثيون حشدوا حملة ضخمة من قواتهم لاقتحام أرياف تعز ومحاصرة المدينة (إ.ب.أ)

وقال ممثل «منظمة الصحة العالمية» لدى اليمن، سيد جعفر حسين، إن الوضع يتحول إلى حالة طوارئ معقدة، تزداد فيها الاحتياجات الصحية في وقت تعاني فيه الموارد من ضغوط هائلة.

وأضاف أن حصول المصابين بجروح خطيرة على رعاية الإصابات خلال الساعة الأولى قد يحدد فرص نجاتهم، «إلا إن نقاط تثبيت حالات المصابين على ساحل لحج وفي الضالع تفتقر إلى شركاء لتشغيلها، في حين لا تستطيع سوى وكالات قليلة تقديم رعاية الإصابات، مما يخلّف فجوات حرجة على طول خطوط المواجهة».

وذكرت «المنظمة» أنه بحلول الأسبوع الماضي، لم تتلقَّ خدماتٍ صحيةً سوى نسبة تقل عن واحد في المائة من النازحين جراء التصعيد الأخير، البالغ عددهم 198 ألف شخص.

آلاف النازحين جراء التصعيد الحوثي يعانون غياب الرعاية الصحية والمأوى (أ.ب)

وأضافت أن المستشفيات تعاني نقصاً في «المستلزمات الجراحية، ومواد التخدير، ومستلزمات بنوك الدم، والوقود، في حين أصبحت طرق إيصال الإمدادات الأساسية أبطأ وأكثر تكلفة. كما توقفت خدمات الولادة الطارئة في كل من مأرب ورأس العارة».

وبصفتها الجهة القائدة كتلة الصحة في اليمن، قالت «منظمة الصحة العالمية» إنها تتولى تنسيق الاستجابة وتعمل «مزوّداً لخدمات الملاذ الأخير» في الحالات التي تعجز فيها أي جهة شريكة عن تقديم الخدمات. وأضافت أنها تستعد لـ«تعزيز قدرات تقديم الرعاية الطارئة وعلاج الإصابات، والاستجابة لتفشي الأمراض، وتوفير الخدمات والإمدادات الصحية الأساسية، بما في ذلك خدمات رعاية الأمهات والمواليد الجدد».


صور قتلى الحوثيين تتحول إلى تجارة مزدهرة في صنعاء

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

صور قتلى الحوثيين تتحول إلى تجارة مزدهرة في صنعاء

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

انعكست الخسائر البشرية المتزايدة التي تتكبدها الجماعة الحوثية في جبهات القتال على نشاط استوديوهات التصوير في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، مع ارتفاع الطلب على تصميم وطباعة صور القتلى، لاستخدامها في مراسم التشييع والفعاليات التعبوية، وتعليقها في الشوارع والميادين العامة.

وقال عاملون في مجال التصوير لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة كثَّفت خلال الأيام الأخيرة طلباتها لطباعة صور قتلاها بمقاسات مختلفة، موضحين أن آلاف الصور جرى تجهيزها لتلبية احتياجات مراسم التشييع والأنشطة التي تنظمها في مناطق سيطرتها.

وأشاروا إلى أن الجماعة تميّز في أحجام الصور بين القيادات العسكرية والمشرفين الميدانيين الذين تُخصَّص لهم صور كبيرة، والعناصر الأخرى التي تُطبع صورها بمقاسات أصغر، في تفاوت يستمر حتى بعد مقتلهم في الجبهات.

ويتزامن هذا النشاط مع استمرار سقوط قتلى حوثيين في جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف ولحج والضالع وغيرها، وسط مساعٍ لإبقاء صور القتلى حاضرة في الفضاء العام، وتوظيف مراسم التشييع في التعبئة العسكرية والدعوة إلى مواصلة القتال.

صورة لدورية حوثية تنقل صوراً لقتلى الجماعة (فيسبوك)

وأكدت المصادر أن المطابع التي اعتادت الجماعة الاعتماد عليها لتجهيز صور قتلاها تواجه ضغوطاً متزايدة، بفعل ارتفاع أعداد القتلى وتتابع مراسم التشييع، ما دفعها خلال الأيام العشرة الماضية إلى توسيع نطاق الطباعة، والاستعانة باستوديوهات تصوير خاصة في صنعاء.

وحسب المصادر، تُطبَع أعداد كبيرة من الصور في صنعاء قبل توزيعها على المناطق التي ينتمي إليها القتلى، لتعليقها في الشوارع والأماكن العامة، بالتزامن مع تنظيم مواكب التشييع، والإعلان عن مصرع مزيد من عناصر الجماعة.

وأضافت أن الجماعة أنفقت ملايين الريالات على طباعة الصور لدى محلات التصوير الخاصة خلال الفترة الأخيرة، في ظل ازدياد الطلب على تجهيزها بمقاسات وتصاميم متعددة.

استياء السكان

أثار هذا التحرك استياءً في أوساط السكان في صنعاء الذين استنكروا تخصيص الأموال والجهود لطباعة الصور ونشرها، معتبرين أن ذلك يعكس أولوية مواصلة التعبئة العسكرية، بدلاً من الاهتمام بالأوضاع المعيشية المتدهورة واحتياجات الأسر التي فقدت أبناءها.

وقال «زكي» -وهو عامل في استوديو للتصوير الفوتوغرافي بشارع الستين في صنعاء- إن الطلب على تصميم وطباعة صور قتلى الجماعة ارتفع خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن الطلبات تشمل صوراً بمقاسات مختلفة، تُستخدم في مراسم التشييع، وأخرى تُجهَّز للَّوحات واللافتات التي تُعلَّق في الشوارع والأحياء.

صور قتلى الحوثيين تطغى على مشهد صنعاء اليومي (الشرق الأوسط)

وأضاف أن تجهيز هذه الصور بات يشكِّل جزءاً ملحوظاً من عمل بعض الاستوديوهات؛ خصوصاً مع ازدياد الطلبات المرتبطة بمراسم التشييع والفعاليات التي تنظمها الجماعة.

من جهته، قال «نعمان» -وهو اسم مستعار لأحد سكان صنعاء- إن صور القتلى باتت حاضرة في عدد من الشوارع والأحياء، مضيفاً أن كل صورة تذكِّر بأُسرة فقدت أحد أبنائها، وتثير تساؤلات بشأن ما تحصل عليه هذه الأسر من رعاية ومساعدات بعد انتهاء مراسم التشييع.

تعبئة تتجاوز التشييع

يرى مراقبون أن التوسع في طباعة صور قتلى الحوثيين يتجاوز كونه نشاطاً تجارياً مرتبطاً بمراسم التشييع، ليعكس جانباً من مساعي الجماعة لتوظيف خسائرها البشرية في تعزيز خطاب التعبئة واستمرار حشد المقاتلين، عبر إبقاء القتلى حاضرين في الشوارع والميادين والفعاليات العامة.

مسلحون حوثيون على متن عربة عسكرية خلال تجمع في صنعاء (رويترز)

ويشير هؤلاء إلى أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتعبئة يطرح تساؤلات بشأن مصير الأسر التي فقدت أبناءها في جبهات القتال، ومدى حصولها على الرعاية والدعم اللازمين؛ خصوصاً عندما يكون القتيل عائل الأسرة أو أحد مصادر دخلها.

وفي ظل تفاقم الأعباء المعيشية وتدهور الخدمات، يرى مراقبون أن الإنفاق على طباعة صور القتلى وتوزيعها يكشف اختلالاً في أولويات الجماعة، التي تواصل تسخير الموارد للأنشطة التعبوية، بينما يواجه السكان أزمات معيشية خانقة، وتكابِد أسر القتلى تداعيات فقدان أبنائها.


جبهات «فجر اليمن» تستنزف الحوثيين جواً وبراً

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
TT

جبهات «فجر اليمن» تستنزف الحوثيين جواً وبراً

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها السابع، الأحد، مع اتساع نطاق الضربات الجوية التي تستهدف مواقع الجماعة الحوثية وتعزيزاتها في جبهات تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع استمرار العمليات البرية لقوات ألوية العمالقة الجنوبية و«درع الوطن»، ومحاصرة مجموعات من الحوثيين في محيط مضيق باب المندب، وسط تقديرات عسكرية بارتفاع خسائر الجماعة إلى نحو 12 ألف قتيل وجريح خلال الأيام الستة الأولى من العملية.

وامتدت الضربات الجوية من جبهات القتال في تعز إلى مواقع وأهداف عسكرية في مناطق خاضعة للحوثيين داخل صنعاء وصعدة وحجة وإب، في مسار يعكس اتساع الضغط العسكري على الجماعة، بالتوازي مع عمليات إسناد جوي للقوات الحكومية في محاور القتال، ومحاولات حوثية لاستعادة مواقع خسرتها في الساحل الغربي.

وأعلن المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أن الطيران الحربي شن، الأحد، غارات استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية في تلال المقرمي والجَعشة والسلال شرقي مدينة تعز، إضافة إلى حصن المخعف ومنطقة بلعان في جبهة الأقروض جنوب المحافظة.

قوات الحكومة اليمنية تفرض حصاراً منذ أيام على جيوب حوثية في جبهة باب المندب (أ.ب)

وفي الساحل الغربي، أفادت قوات العمالقة الجنوبية بتدمير خمس مركبات حوثية مدرعة ومقتل من كانوا على متنها، خلال محاولة للتقدم باتجاه مطار ذوباب، كما أعلنت التصدي لهجوم حوثي على مواقعها شمال المطار، وإلحاق خسائر بشرية ومادية بالمهاجمين، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت تعزيزات دفعتها الجماعة إلى المنطقة.

وتأتي هذه المواجهات في وقت تسعى فيه القوات الحكومية إلى تثبيت سيطرتها على المناطق المحررة في باب المندب وجزيرة ميون وجبال كهبوب، ومنع الحوثيين من استعادة مواقع استراتيجية تطل على المضيق والساحل الغربي، بينما تواصل القوات البرية عملياتها لتوسيع المكاسب الميدانية وتأمين المناطق المحيطة بها.

1900 عملية استهداف خلال يوم

في تطور يعكس كثافة العمليات العسكرية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ أكثر من 1900 عملية استهداف مباشرة ودقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، في الجبهات الشرقية والغربية والجنوبية الغربية، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن الاستهدافات طالت مخازن الأسلحة والذخائر، والتحصينات والمعسكرات والمواقع العسكرية، والنقاط الواقعة على المرتفعات الحاكمة، إلى جانب مناطق الحشد والتجميع ومرابض المدفعية ووسائط نقل العناصر والإمدادات.

ضربات جوية على مواقع الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (إعلام محلي)

وأضاف النزيلي أن العمليات استهدفت أيضاً أهدافاً عسكرية وصفها بالمشروعة وعالية القيمة في عمق المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مشيراً إلى أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1150 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب أكثر من 180 آلية ووسيلة قتالية ونقل وإمداد خلال الفترة ذاتها.

وأكد المتحدث العسكري أن القوات البرية واصلت تطوير هجومها، محققة تقدماً ميدانياً جديداً، ومستعيدة مواقع إضافية، ومثبتة سيطرتها على مرتفعات ومواقع حاكمة، في إطار مساعيها لتعزيز المكاسب التي تحققت منذ انطلاق العملية.

وفي تعز، اتسعت المواجهات لتشمل محاور متعددة جنوب شرقي المدينة وغربها، حيث أفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية واصلتا التصدي لهجمات الحوثيين وتنفيذ عمليات استهداف ضد تجمعاتهم وتحركاتهم.

وذكر موقع «سبتمبر نت»، التابع لوزارة الدفاع اليمنية، أن المواجهات تركزت خلال الساعات الماضية في جبهات الشقب والأقروض جنوب شرقي المدينة، وجبل حبشي غرباً. وتمكنت القوات الحكومية من كسر هجوم حوثي على مواقعها في جبهة الشقب، مما أسفر، وفق الموقع، عن مقتل أكثر من 25 عنصراً من الجماعة وإصابة آخرين.

كما نفذت وحدات عسكرية ومجموعات من المقاومة الشعبية كمائن في جبهات المسراخ والبيرين جنوب المحافظة، وجبل حبشي غرباً، قالت إنها أوقعت عشرات القتلى والجرحى في صفوف الحوثيين.

وقدمت الطائرات المسيَّرة التابعة لمحور تعز إسناداً جوياً للقوات الحكومية، مستهدفة عناصر الجماعة وأسلحتها وتعزيزاتها، بينما أعلنت القوات إسقاط طائرة مسيَّرة انتحارية حوثية شرقي المدينة.

وامتد الإسناد الجوي إلى مديرية سامع شرقي المحافظة، حيث استهدف الطيران تجمعاً لعناصر الحوثيين ومواقع أخرى، إضافة إلى مدفع في منطقة مسلقة بمديرية جبل حبشي. كما نفذ ثلاث غارات على مواقع وتجمعات للجماعة في جبهتي الأقروض وجبل سامع.

تمسك حكومي باستعادة الدولة

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عزم القيادة اليمنية على مواصلة عملية «فجر اليمن» لإنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على المضي في العملية مهما كلف ذلك من تضحيات.

وقال رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني إن العملية تمضي بثبات نحو تحقيق أهدافها، مشيراً إلى استمرار التقدم الميداني لقوات العمالقة الجنوبية و«درع الوطن»، بدعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، لتأمين باب المندب وذوباب وجبال كهبوب بعد تحريرها من الحوثيين.

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفع شعارات الجماعة وأعلام إيران وحزب الله اللبناني (إ.ب.أ)

وأضاف الزنداني أن المكاسب الميدانية تجسد إرادة اليمنيين في إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، وأن تضحيات القوات المسلحة والمقاومة الشعبية تمثل ركيزة أساسية في معركة استعادة الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار.

وقال رئيس الوزراء اليمني إن الحوثيين يواصلون استهداف المدنيين والأعيان المدنية، مشيراً إلى الهجوم الأخير على مطار عدن الدولي، إلى جانب الهجمات والانتهاكات في محافظة تعز. وقال إن هذه الممارسات تكشف عن نهج قائم على العنف والإضرار بمقدرات البلاد، في محاولة لكسر إرادة اليمنيين ومنعهم من استعادة دولتهم.

وجدد الزنداني تقدير الحكومة للدعم السعودي، مؤكداً أن إسناد تحالف دعم الشرعية يمثل عاملاً مهماً في معركة استعادة مؤسسات الدولة وحماية أمن اليمن واستقراره.

وفي موازاة التطورات العسكرية، صعَّد مجلس الوزراء اليمني لهجته إزاء توسيع الحوثيين نطاق الحصار على تعز، محذراً من أن التصعيد الأخير بات يهدد حياة وأمن ومعيشة أكثر من ستة ملايين مواطن في المحافظة.

ووجَّه المجلس الجهات الحكومية والأمنية والعسكرية بالتنسيق مع السلطة المحلية لحماية السكان، وضمان استمرار الخدمات الأساسية ووصول المساعدات الإنسانية، والاستعداد للتصدي للتهديدات الأمنية، مع الالتزام بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني.

كما دعا المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى ممارسة الضغط على الحوثيين لوقف الهجمات ورفع الحصار، مجدداً التزام الحكومة باستعادة سلطة الدولة وإنهاء الانقلاب، وتحقيق أهداف عملية «فجر اليمن» التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي.