كوشنر يؤكد التزام بلاده «سلاماً يحقق الازدهار»

ولي العهد السعودي هاتف الرئيس الفلسطيني... ورام الله تظاهرت ضد تجاهل واشنطن حل الدولتين

متظاهرون فلسطينيون يرفعون ملصقاً خلال احتجاجات شهدتها رام الله ضد الموقف الأميركي
متظاهرون فلسطينيون يرفعون ملصقاً خلال احتجاجات شهدتها رام الله ضد الموقف الأميركي
TT

كوشنر يؤكد التزام بلاده «سلاماً يحقق الازدهار»

متظاهرون فلسطينيون يرفعون ملصقاً خلال احتجاجات شهدتها رام الله ضد الموقف الأميركي
متظاهرون فلسطينيون يرفعون ملصقاً خلال احتجاجات شهدتها رام الله ضد الموقف الأميركي

قال جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بعد جولة طويلة قادته إلى دول عربية مؤثرة، وانتهت بلقاء نتنياهو والرئيس الفلسطيني أمس، أن الرئيس الأميركي «ملتزم جدا تحقيق السلام في المنطقة».
وأَضاف كوشنر في مستهل لقاءات جمعته أمس، برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو أولا والرئيس الفلسطيني محمود عباس، لاحقا: «إن الرئيس ملتزم بإيجاد حل يؤدي إلى تحقيق الازدهار والسلام لجميع الشعوب في المنطقة». إلا أنه لم يقدم خطة عمل لأي من الطرفين، من أجل دفع عملية سلام جديدة، في تأكيد على اتهامات فلسطينية للأميركيين بأنهم «لا يحملون شيئا» معهم.
وبدأ كوشنر الذي رأس وفدا ضم كلا من المبعوث الأميركي جيسون غرينبلات، ونائبة مستشار الأمن القومي دينا باول، والسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، اجتماعاته أمس بنتنياهو، ثم انتقل إلى رام الله للقاء عباس.
وقال نتنياهو لدى استقباله كوشنر: «لدينا أشياء كثيرة يجب أن نبحثها: كيف يمكن دفع السلام والاستقرار والأمن والازدهار في منطقتنا، وأعتقد أن جميع هذه الأهداف هي في متناول اليد. يسرني أن أراك وأرى الجهود التي تبذلها نيابة عن الرئيس، مع جيسون وبقية أعضاء الطاقم. أعتقد أن هذا يعكس التحالف المتين القائم بيننا والأهداف المهمة التي ترشدنا».
وفي رام الله، استقبل عباس كوشنر بالترحيب، قائلا: «نقدر عاليا جهود الرئيس ترمب الذي أعلن، منذ البداية، أنه سيعمل على عقد صفقة سلام تاريخية، وكرر هذا الكلام أكثر من مرة خلال لقاءاتنا التي حصلت سواء في واشنطن أو الرياض أو بيت لحم».
وأَضاف: «نحن نؤكد أن هذا الوفد يعمل من أجل السلام، ونحن نعمل معه من أجل الوصول قريبا لما سماه الرئيس ترمب صفقة سلام. نعرف أن الأمور صعبة ومعقدة، ولكن لا يوجد مستحيل أمام الجهود الطيبة».
ووصل كوشنر ووفده إلى إسرائيل بعد جولة شملت دولا عدة، بينها المملكة السعودية ومصر والأردن.
واتصل أمس ولي عهد المملكة العربية السعودية، الأمير محمد بن سلمان، بالرئيس عباس، وأطلعه على نتائج زيارة الوفد الأميركي للملكة، كما اتصل وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، للسبب نفسه.
وقال بيان مقتضب إن الاتصالين جاءا في سياق التنسيق المشترك بين القيادتين الفلسطينية والسعودية.
وشكر الرئيس عباس، الأمير محمد بن سلمان والجبير على الدور المهم الذي تقوم به السعودية في المنطقة، وبخاصة ما يتعلق بدعم الشعب الفلسطيني على المستوى السياسي ومختلف المجالات.
ويجري عباس تنسيقا عاليا مع المملكة السعودية والمملكة الأردنية ومصر من أجل موقف عربي واحد وواضح بشأن مرجعية أي عملية سياسية. وكان عباس تشاور كذلك مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
ويريد عباس أن تكون مبادرة السلام العربية أساسا ومرجعية لأي عملية سلمية وليس شيئا آخر، بما في ذلك سلام إقليمي.
كما يصر عباس على بدء مفاوضات وفق حل الدولتين وجدول زمني محدد لإنهاء الصراع.
وتجنب كوشنر التطرق في إسرائيل أو رام الله إلى حل الدولتين، وهو الموقف الذي يغضب الفلسطينيين.
وقال المسؤول الفلسطيني واصل أبو يوسف لـ«الشرق الأوسط»: «إنهم (الأميركيين) طرف منحاز».
وأضاف: «فقدنا الثقة بإمكانية صنع سلام تحت المظلة الأميركية».
كما اتهم نائب عباس في قيادة حركة فتح، محمود العالول، الوفد الأميركي بممارسة الضغوط على عباس في قضايا هامشية بعد أن يستمعوا إلى «أكاذيب» المسؤولين الإسرائيليين، قائلا: إنهم لن يخرجوا بنتيجة لأنهم لا يحملون أي شيء.
وحذر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أحمد مجدلاني، من أن للفلسطينيين خيارات أخرى، متهما الأميركيين بأنهم سعاة بريد لإسرائيل.
وقال مجدلاني خلال استقباله القنصل السياسي للقنصلية البريطانية لدى دولة فلسطين، جاك فتزجيرالد: «الأمر القائم لم يعد يحتمل، دولة الاحتلال كل يوم تنتهك القانون الدولي، وتسارع بالاستيطان، بالإضافة إلى التحريض المستمر من قبل نتنياهو ووزراء حكومته. وبالمقابل الإدارة الأميركية لم تقدم أي شيء ملموس حتى الآن».
وأضاف: إن «القيادة الفلسطينية لديها خيارات كثيرة، وإن على الإدارة الأميركية التوقف عن تبني المواقف الإسرائيلية؛ فهي ليست ساعي بريد ينقل وجهات نظر الاحتلال، هناك قضايا واضحة ضمن قرارات الشرعية الدولية، ومتطلبات والتزامات على حكومة الاحتلال تنفيذها إذا أرادت عملية سياسية، هدفها إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية».
وانعكس غضب المسؤولين الفلسطينيين من الوفد الأميركي على الشارع كذلك.
واحتج أمس متظاهرون فلسطينيون على «التحيز» الأميركي لإسرائيل قبل وصول كوشنر. وشارك في المظاهرة مسؤولون في منظمة التحرير الفلسطينية، ورفع المتظاهرون لافتات ترفض أي رعاية أميركية للمفاوضات وتتهم واشنطن بالرعاية الرسمية للاستيطان.
وردت الخارجية الأميركية على الغضب الفلسطيني من مسألة «حل الدولتين»، بقولها إن تبني ذلك سيكون مثل «انحياز».
وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر نويرت «الالتزام بحل الدولتين بمثابة انحياز من قبل واشنطن»، وأضافت: «لن نحدد ما يجب أن تكون النتيجة، يجب أن يتمكن كلا الطرفين من ذلك. هذا أفضل رأي كي لا يتم الانحياز إلى طرف فضلا عن الآخر، ولضمان قدرتهم على تحقيقه».
وتابعت: «إن فرض مواقف الولايات المتحدة على المفاوضات لن يؤدي إلى اتفاق. بل الإسرائيليون والفلسطينيون وحدهم يمكنهم التوصل إلى حل دائم».
وأردفت «لقد مرت عقود عددية، كما تعلمون، ولم تتمكن الأطراف من التوصل إلى أي اتفاق جيد وحل مستدام؛ لذا نترك الأمور لهم».
ويعقّد الموقف الأميركي من إمكانية استئناف عملية السلام.
وقال أبو يوسف إنه من دون أن يكون هناك مرجعية واضحة أساسها إنهاء الاحتلال وحل الدولتين ضمن سقف زمني محدد، فلا مجال للعودة إلى مفاوضات من أجل المفاوضات. وأضاف: «سيتوجب أيضا وقف الاستيطان الإسرائيلي وكل أشكال العدوان».
ويدعم العرب موقف السلطة الفلسطيني من مسألة حل الدولتين.
ويوم الثلاثاء، قال العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، لطاقم كوشنر أن حل الدولتين هو الطريقة الوحيدة لحل النزاع.
وقال مسؤول في البيت الأبيض، طالبا عدم الكشف عن اسمه، إنه «حتى وإن استغرق الأمر وقتا، وشهد أياما جيدة وأخرى سيئة، فإن العمل من أجل التوصل إلى اتفاق سلام يبقى على رأس أولويات ترمب الذي قال إنه لا يزال متفائلا».
وأضاف: «مهمتنا تتركز الآن وبعد جولة شملت محطات عدة في الشرق الأوسط منذ يناير (كانون الثاني) على العمل على الانتقال نحو مباحثات سلام حول المسائل الجوهرية».
وأوضح مصدر دبلوماسي أميركي آخر «الرئيس يريد أن تركز المباحثات على الانتقال إلى مفاوضات السلام، الأوضاع في غزة، بما يشمل طريقة تخفيف الأزمة الإنسانية هناك، والخطوات الاقتصادية التي يمكن اتخاذها».
ويقول الفلسطينيون إن أي مقترحات لسلام إقليمي أو اقتصادي أو ما شابه لن ترى النور أبدا.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.