غاري لينيكر... مذيع رياضي يعشق إثارة الجدل ويسخر حتى من نفسه

نجم إنجلترا السابق خلق شعوراً بالغيرة والحسد بين كثيرين عندما كشفت «بي بي سي» راتبه الخرافي

TT

غاري لينيكر... مذيع رياضي يعشق إثارة الجدل ويسخر حتى من نفسه

نادرا ما يكون من السهل التغلب على التحديات القوية التي يواجهها المشاهير في بريطانيا، ولا تنجو إلا قلة قليلة من هؤلاء المشاهير من اللوم والانتقادات، في حين ينجح عدد أقل في تجنب الاستسلام لمرارة تلك الانتقادات أو الحساسية المفرطة التي لا يعرفها سوى أولئك الذين تتصدر أخبار حياتهم الشخصية صدر صفحات الجرائد والمجلات.
وثمة استثناء لذلك، وهو القائد السابق للمنتخب الإنجليزي غاري لينيكر، الذي عاد الأسبوع الماضي لتقديم موسمه الثامن عشر من برنامجه «مباراة اليوم» أو «ماتش أوف ذا داي». ورغم أن لينيكر يقدم هذا البرنامج منذ سنوات طويلة، فلا يزال يحتفظ بحماسه الشديد وكأنه صبي صغير يسعى للبقاء دائما وأبدا في دائرة الضوء، حتى وإن كان ذلك عن طريقة السخرية اللاذعة، ولا يزال يحظى بحب شريحة كبيرة من الشعب البريطاني.
وخلال الشهر الماضي، وجد لينيكر نفسه محور حالة من الجدل الشديد عندما كشفت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن رواتب كبار موظفيها، حيث جاء لينيكر في المركز الثاني في قائمة الأعلى أجرا براتب سنوي بلغ 1.8 مليون جنيه إسترليني. وفي هذه الأيام الصعبة التي تشهد تجميدا لأجور البعض وفرض حالة من التقشف، يمكن لهذا الرقم الكبير أن يثير شعورا بالحسد، لا يمكن تفرقته في حقيقة الأمر عن شعور آخرين بالعداء الشديد للاعب السابق. لكن لينيكر قام بمناورة مميزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عندما كتب تغريدة على موقع «تويتر» يقول فيها: «الكشف عن رواتب العاملين في بي بي سي يثير شعورا بالغضب الشديد. أعني أنه كيف يحصل كريس إيفانز على راتب أعلى مني!».
وفي خطوة ذكية، تحدث لينيكر بشيء من السخرية عن حالة الجدل المثارة حول الرواتب المرتفعة ورفع من شأنه ومقداره وأقحم كريس إيفانز في الأمر. وفي الحقيقة، فإن الذكاء الذي أظهره لينيكر في تعامله مع هذا الأمر لا يختلف كثيرا عن مهاراته في كرة القدم عندما كان يسجل الأهداف بطريقة رائعة من داخل منطقة الست ياردات حتى وهو يسقط وفي حالة عدم اتزان.
وكان الهدف من ذلك هو أن يظهر لينيكر بمظهر اللاعب الذي ربما لا يتمتع بمهارة فائقة أو نادرة، لكنه دائما حاسم أمام مرمى الفرق المنافسة. وعلاوة على ذلك، لم يحصل لينيكر على أي بطاقة صفراء خلال مسيرته الطويلة في عالم كرة القدم على مدار 16 عاما. وكان دائما ما يقلل المنافسون من خطورته بسبب عدم شراسته وتعامله مع الآخرين بقوة، وهو ما كان يجعله أكثر خطورة مما يتوقع الآخرون. وهذه هي الصفات التي ساعدت لينيكر على أن يكون ضمن قائمة مقدمي البرامج الأعلى أجرا في بي بي سي. وفي حين يركز منتقدوه على التعبيرات التي يستخدمها وعلى تلاعبه بالكلمات، يعتمد لينيكر على فن الخداع في القيام بدوره كمذيع تلفزيوني بارع.
وقد تعلم لينيكر من معلمه الكبير في هذه الأمر، وهو ديس لينام، الذي كان يقدم برنامج «مباراة اليوم» عندما بدأ لينكر تحليل المباريات على استحياء عام 1995. وفي ذلك الوقت، وبعد أن كان لينيكر قد اعتزل كرة القدم للتو، ظهر في هذا البرنامج كشخص أخرق يبدو غير حريص على أن يحظى بحب الجمهور. لكن لينكر درس جيدا الجاذبية التي كان يتمتع بها لينام وكيف كان يجعل الآخرين يشعرون تجاهه بالراحة والطمأنينة، وليس فقط الجمهور الذي يشاهد البرنامج من المنزل. وقال لينيكر في وقت لاحق: «كنت أطرح الكثير من الأسئلة عن الأشياء الصغيرة التي كان يقوم بها، وتعلمت بعض الفروق الدقيقة».
وحتى كلاعب، كان لينيكر يضع لينام نصب عينيه. وفي كأس العالم 1990 الذي كان يحصل خلاله على ملاحظات خاصة عن كيفية قيام الصحافيين بعملهم، وصفه بعض زملائه بأنه «ديس لينام الصغير». وبعد أربع سنوات من «الوصاية»، حل لينيكر محل لينام في تقديم البرنامج، وبالتحديد عام 1999. وهناك الآن جيل من المشاهدين الذين رأوا لينيكر كلاعب في صفوف المنتخب الإنجليزي الذي يعد هدافه التاريخي في مسابقات كأس العالم، وفي الكثير من الأندية الكبرى مثل برشلونة وتوتنهام هوتسبير. لكن نجاح لينيكر الكبير في البرنامج التلفزيوني الذي يقدمه مساء السبت من كل أسبوع قد يطغى على تاريخه كلاعب كبير في عالم كرة القدم، لأسباب كثيرة من بينها أنه يهتم بحالة الجدل السياسي المطروحة على الساحة، على خلاف غيره من الرياضيين الذين يتجنبون الانخراط في السياسة بصورة تلقائية.
وبالنسبة لأتباعه على موقع «تويتر» (الذين يبلغ عددهم الآن نحو 6.4 مليون شخص)، كان لينيكر مناصرا قويا لبقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي، كما أدان نتيجة الاستفتاء وخروج بريطانيا من الاتحاد، وكان واضحا للغاية عندما دافع عن اللاجئين وطالب بألا يكونوا كبش فداء، كما انتقد نايجل فاراج، زعيم حزب استقلال بريطانيا، بقوة.
وعن دفاعه عن اللاجئين وفي محاولة منه لاستيعاب ردود الفعل السلبية التي بدأت عشية إخلاء مخيم «كاليه» الفرنسي للمهاجرين، استخدم لينيكر، منبر برنامجه «مباراة اليوم» عبر قناة «بي بي سي»، للتعبير عن تضامنه مع القادمين إلى الأراضي البريطانية، في حركة عدّها كثيرون لفتة إنسانية من شخص دأب على مناصرة اللاجئين وقضايا إنسانية محقة، فيما تلقاها آخرون بعدائية وبدعوة صريحة لطرده من القناة.
صحيفة فرنسية شرحت الأسباب التي دفعت النقاد في الصحافة البريطانية إلى تكثيف الهجوم على لينيكر، وقالت إن الأخير كان قد كتب تغريدة على موقع «تويتر» تتعلّق بالأولاد المهاجرين الذين وصلوا من المخيم العشوائي في شمال فرنسا، وجاء فيها: «لا أفهم أبدا تلك المواقف العنصرية التي لا رحمة فيها إزاء هؤلاء الصبية. ماذا يحدث في بلدنا؟». وأضافت: «لم تكد تنتشر صور الصبية المهاجرين حتى بدأت المواقع البريطانية في تكذيب عمر هؤلاء، رافضة اعتبارهم أطفالاً، بل ذهب بعض الصحافيين إلى التأكيد على أنّ أعمار هؤلاء تتجاوز الثامنة عشرة. ولم تقتصر تلك الأصوات العنصرية على الصحف، فقد عبّر أحد النواب عن حزب المحافظين عن رفضه استقبال هؤلاء المهاجرين، واعتبرهم «ليسوا أطفالاً، علينا أن نقيس طول أسنانهم لنتأكد من ذلك».
كعادتها تصدّرت صحيفة «الصن» دفاع لينيكر عن المهاجرين، واستغلّت تغريدة لينيكر ومواقفه الأخيرة، لتوجّه دعوة واضحة لقناة «بي بي سي» تطلب فيها طرد لينيكر، واصفة إياه بـ«المهرّج اليساري»، ما استوجب ردّاً هادئاً من لينيكر، فقال: «اليوم أنا أتعرّض لهجوم بسبب تضامني مع مهاجرين خرجوا مرغمين من بلادهم. هل لكم أن تتخيلوا أنفسكم للحظة واحدة مكان هؤلاء حيث لا مأوى ولا عمل لكم ؟».
وكما لم يتأثر لينكر باستفزازات لاعبين سابقين مثل فيني جونز الممثل حاليا عندما كان لا يزال يلعب كرة القدم، فإنه ليس من نوعية الشخصيات التي تخاف من انتقادات الصحف، ولم يغلق حسابه على موقع «تويتر» تجنبا لتلك الانتقادات. وعلى الرغم من أن وجهات نظره حول كل شيء تقريبا، بدءا من عجرفة الاتحاد البريطاني للغولف وصولا إلى الفساد «المؤسف» للاتحاد الدولي لكرة القدم، تبدو صحيحة، فإن لينيكر لا يتعامل مع العالم أو حتى مع نفسه على محمل الجد.
وتبدو السخرية التي يتحدث بها لينيكر وكأنها تعترف بعدم المساواة والسخافات الموجودة في الحياة الآن، والتي تتمثل إحداها بطبيعة الحال في حصول لاعب كرة قدم سابق على 1.8 مليون جنيه إسترليني سنويا لمجرد أنه يتناول أبرز الأحداث الرياضية ويحلل بعض المباريات مع لاعبين سابقين! ولم يتطوع لينيكر لكي يخفض أجره من تلقاء نفسه، ولذا ظهر كرجل يحب إثارة الجدل ويدرك تماما أبعاد ما يحدث، عندما أكد على «دعمه التام والكامل» لمقدمات البرامج في بي بي سي اللاتي يتقاضين أجرا أقل منه بكثير.
لكنه يعلم جيدا أن كتابة التغريدات على موقع «تويتر» لن تؤدي إلى تغيير الفوارق الاجتماعية أو الشعور بأنه يحظى بامتيازات أكثر من الآخرين. وقال لينيكر العام الماضي: «أعرف أنني في فقاعة صغيرة. أنتم تتحدثون الآن عن الصفوة، أليس كذلك؟ أنا لا أعرف ماذا يعني ذلك، فهل تقولون ذلك لأنكم تقومون بكل شيء بطريقة صحيحة في الحياة؟» وفي الحقيقة، يقوم لينيكر بكل شيء على ما يرام ويحصل على مقابل مادي مرتفع للغاية يعوضه عن عدم لعبه للكرة في الوقت الحالي بالأسعار الجنونية للاعبين ودخلهم السنوي الذي يجعلهم لا يحتاجون للعمل مرة أخرى بعد اعتزالهم كرة القدم. ويقال إن دخله السنوي يصل إلى 30 مليون جنيه إسترليني.
ولو كان ذلك لا يكفيه فيرى البعض من قبيل السخرية أنه في حالة بدنية تؤهله للعودة للعب مرة أخرى، وربما الانضمام للمنتخب الإنجليزي إذا استدعى الأمر! وقبل عام من الآن، استعرض لينيكر رشاقته عندما تعهد بتقديم برنامجه وهو لا يرتدي سوى السروال في حال فوز فريقه القديم ليستر سيتي بالدوري الإنجليزي الممتاز، وهو ما حدث بالفعل. ومرة أخرى، ما كان يمكن أن يكون محرجا أو سخيفا للبعض، قام به لينكر بمنتهى الثقة في النفس بالطريقة نفسها التي كان ينفذ بها ركلات الجزاء بكل هدوء في أصعب المواقف.
وربما يكون الجانب الوحيد من حياة لينكر الذي يبدو متناقضا مع شخصيته هو زواجه (الثاني) من دانييلي بوكس، وهي عارضة ملابس داخلية تصغره بـ18 عاما، التي تبدو كفتاة لعوب لا تناسب شخصية لينيكر المولع بالمزاح. وكانا لينيكر وبوكس قد انفصلا العام الماضي، على ما يبدو لأن لينكر، وهو أب لأربعة أولاد من زوجته الأولى، شعر بأنه أكبر من أن يصبح أبا لطفل جديد. لكنه ظل يحتفظ بصداقة قوية مع بوكس وتشير تقارير إلى أنه عرض عليها أن تعيش معه في منزله بعدما أعلنت عن حملها من شريكها الجديد في وقت سابق من هذا العام.
أما الكلمة التي تتبادر إلى الذهن لوصف هذا الرجل الذي ينتمي لأسرة من الطبقة العاملة من ليستر، والذي قال التقرير النهائي من مدرسته: «يجب أن يكرس وقتا أقل للرياضة إذا كان يريد أن يكون ناجحا»، فهي أنه شخص «مستنير».
وعلى عكس الكثير من لاعبي كرة القدم، الذين دخلوا في شرنقة وعزلة ولم يهتموا سوى بالأندية ووكلاء اللاعبين وفشلوا في معرفة ما يدور بالعالم الخارجي، لم يكتف لينيكر بما يدور في كرة القدم لكنه يهتم بما يحدث في العالم ككل.
وكان لينيكر أحد اللاعبين القلائل في كرة القدم الإنجليزية الذين لعبوا خارج إنجلترا في الثمانينيات من القرن الماضي، عندما كان يُنظر إلى أوروبا على أنها تلك الأراضي الموجودة في الخرائط القديمة التي يقال عنها: «هنا يكون التنين». ولعب لينكر لبرشلونة الإسباني وغمر نفسه في الثقافة المحلية وسرعان ما تعلم اللغة الإسبانية. وكان لديه الرغبة نفسها في تجربة الأشياء الجديدة، وهو ما أخذه إلى مكان بعيد عن كرة القدم. ولم يكن لديه الرغبة في أن يصبح مديرا فنيا، مثل الكثير من اللاعبين السابقين الآخرين. وربما كان أهم شيء بالنسبة للينيكر، كما قال هو ذات مرة، هو أنه لم يعان من «القلق» الذي ينتاب الآخرين. إنه حقا يبدو متوازنا ومنفتحا على الحياة ويسعى دائما للقيام بعمل جيد. وفي الحقيقة، يساعد هذا المزيج من الصفات على النجاح، لكن بعد أكثر من 20 عاما من العمل في التلفزيون، يبدو ما حققه لينيكر وكأنه شيء إعجازي.



«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)

أُوقِف 141 شخصاً، ليل الثلاثاء-الأربعاء، في باريس وضواحيها، على هامش الاحتفالات المرتبطة بمواجهة فرنسا وإسبانيا في الدور نصف النهائي من «مونديال 2026»، وفق حصيلة أولية صادرة عن مديرية شرطة باريس.

وأوضحت المديرية أن هذه التوقيفات مرتبطة، بشكل رئيس، «لاستخدام مقذوفات الألعاب النارية الموجهة ضد قوات الأمن وخدمات الطوارئ». ووفق المصدر نفسه، لم تُسجَّل إصابات خطرة.

وأُقصي المنتخب الفرنسي من المربع الذهبي للعرس الكُروي العالمي بخسارته أمام إسبانيا 0-2. وفي العام الماضي، وفي التاريخ نفسه، أُوقِف 175 شخصاً. وخلال ليلة 13- 14 يوليو (تموز) الحالي، «أُوقف 98 شخصاً، مقابل 176» العام الماضي.

ونُشر نحو 7000 عنصر من الشرطة والدرك في باريس وضواحيها يومي 13 و14 يوليو.


بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.


هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
TT

هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة بحدود مستطيلة لتسعين دقيقة، بل هي مرآة للشعوب، ومسرحاً تُصفى عليه الحسابات التي عجزت عنها أروقة الدبلوماسية. وفي مساء الأربعاء، الخامس عشر من يوليو (تموز) 2026، تتجه أنظار العالم صوب ملعب «مرسيدس بنز» في أتلانتا بالولايات المتحدة الأميركية، حيث يلتقي عملاقا الكرة الأرضية، الأرجنتين وإنجلترا، في نصف نهائي مونديال 2026، في مواجهة تتجاوز التكتيك الكروي لتنبش في دفاتر التاريخ الساخنة.

هذه الموقعة ليست مجرد بطاقة عبور للنهائي الكبير، إنها استدعاء مباشر لروح عام 1982، وتلك البقعة الصخرية الباردة في جنوب المحيط الأطلسي المعروفة بـ«جزر الفوكلاند» (أو المالوين كما يسميها الأرجنتينيون).

صورة ترصد الفرقاطة البريطانية «إتش إم إس برودسورد» وهي تبحر بجانب حاملة الطائرات «إتش إم إس هيرميس» في مياه جنوب المحيط الأطلسي خلال مشاركتهما في عمليات حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

النزاع العسكري العنيف الذي دار بين البلدين، والذي خلَّف جراحاً غائرة في الوجدان النرجسي لـ«التانغو» وسيادة «التاج البريطاني»، يعود ليفرض ظلاله السياسية والوجدانية على عقول اللاعبين والجماهير على حد سواء.

صورة توثق أكواماً من الأسلحة والمعدات العسكرية التي خلَّفها الجنود الأرجنتينيون وراءهم في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلامهم للقوات البريطانية وانتهاء حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

صراع الجزر والسيادة: الجرح الذي لم تندمل ندوبه

في ربيع عام 1982، اندلعت حرب مباغتة دامت 74 يوماً بين بريطانيا والأرجنتين حول السيطرة على جزر الفوكلاند. انتهت المعارك بانتصار عسكري إنجليزي حاسم واستعادة لندن للسيطرة على الجزر، مما خلّف مئات الضحايا الأرجنتينيين، ومعهم مرارة وطنية جارفة في بوينس آيرس.

صورة التُقطت في 19 مايو 1982 تُظهر طائرات «هاريير جي آر 3» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وطائرات «سي هاريير إف آر إس 1» التابعة للبحرية الملكية مصطفَّةً على ظهر حاملة الطائرات «إتش إس هيرميس» خلال توجهها لخوض معارك حرب الفوكلاند (ويكيبيديا)

بالنسبة للأرجنتينيين، لم تكن الهزيمة العسكرية نهاية المطاف، بل تحولت «المالوين» إلى عقيدة شعبية وقضية أرض مغتصبة تُرجمت لاحقاً في كل محفل يجمع اللونين الأزرق السماوي والأبيض، ضد اللون الأبيض الإنجليزي.

صورة توثق أسرى الحرب الأرجنتينيين في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلام القوات الأرجنتينية للقوات البريطانية في نهاية حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

من خنادق المالوين إلى عشب «أزتيكا»: معجزة مارادونا 1986

بين جيلَي مارادونا وميسي... هل تستمر تبعات أزمة فوكلاند عند مواجهة إنجلترا (رويترز)

لم ينتظر الأرجنتينيون طويلاً لتصفية الحساب الرمزي. ففي عام 1986، وعلى أرض المكسيك، التقى المنتخبان في ربع النهائي. هناك، تقمص الأسطورة الراحل دييغو أرماندو مارادونا دور «المنتقم الشعبي»، لم يكتفِ بإقصاء الإنجليز، بل فعل ذلك بطريقة تداخلت فيها الخديعة بالعبقرية الساحرة.

هدف مارادونا الذي لا يزال يعدُّ أكثر لقطات المونديال جدلاً في التاريخ (د.ب.أ)

من «يد الله» التي هزت شباك بيتر شيلتون، إلى هدف القرن الذي راوغ فيه نصف إنجلترا، صرّح مارادونا لاحقاً بوضوح: «كنا نقول إن المباراة لا علاقة لها بالحرب، لكننا كنا نعلم أن شباننا ماتوا هناك.. لقد كانت حرباً بالنسبة لنا».

هذا الإرث هو ما يمنح مواجهة اليوم ثقلاً دراماتيكياً لا يتكرر في أي ديربي آخر حول العالم.

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

لغة الأرقام تبوح بأسرارها: تفوق إنجليزي تاريخي تبدده عُقدة «الإقصاء» الأرجنتينية

لا تتوقف الإثارة عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد إلى دفاتر «فيفا» التي تكشف عن صراع أرقام محموم، إذ التقى العملاقان تاريخياً في 15 مواجهة بين مونديالية وودية، تميل فيها الكفة الإحصائية العامة لصالح «الأسود الثلاثة» بستة انتصارات مقابل أربعة لـ«التانغو»، بينما خيّم التعادل على خمس مواجهات أخرى.

ورغم هذا التفوق الرقمي الإنجليزي في الحصيلة العامة، فإن الموازين النفسية والتاريخية تتبدل تماماً بمجرد وضع هذا التاريخ تحت مجهر الأدوار الإقصائية الحاسمة في كأس العالم.

منتخب إنجلترا (رويترز)

فمنذ موقعة عام 1966 المثيرة للجدل التي حسمتها إنجلترا على أرضها، عجز الإنجليز تماماً عن إقصاء الأرجنتين في أي دور لخروج المغلوب، حيث كانت الأرجنتين دائماً صاحبة الكلمة الدرامية العليا والضربة القاضية، سواء تجلى ذلك في عبقرية مارادونا الفذة وتمرده التاريخي في المكسيك عام 1986، أو عبر ركلات الترجيح القاتلة في فرنسا عام 1998 التي شهدت طرد ديفيد بيكهام وانكسار جيل بريطاني ذهبي كامل.

صورة مركَّبة تجمع بين حارس الأرجنتين إميليانو مارتينيز وحارس إنجلترا جوردان بيكفورد (أ.ف.ب)

هذا التناقض الصارخ بين التفوق الإنجليزي الشرفي وعقدة «الحياة أو الموت» أمام الأرجنتين، يمنح موقعة أتلانتا بعداً نفسياً مرعباً، يضع كتيبة توخيل أمام تحدي كسر اللعنة التاريخية، بينما يمنح رفاق ميسي ثقة متوارثة بأن الأرجنتين في مواجهات كسر العظم تظل دائماً الرقم الصعب الذي لا يلين.

أتلانتا 2026: رقصة ميسي الأخيرة في مواجهة طموح بلاد الضباب

في هذا المنعطف التاريخي من مونديال 2026، تبدو الحسابات الفنية معقدة ومشحونة بالطموحات الكبرى:

كتيبة الأرجنتين والدفاع عن العرش

يدخل رجال المدرب ليونيل سكالوني المباراة بصفتهم حاملي اللقب، وفي أذهانهم هدف واحد يتمثل في منح الأسطورة ليونيل ميسي نهاية سينمائية لقصته المونديالية الاستثنائية.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

الأرجنتين التي عانت الأمرين للوصول إلى هذا الدور بعد تجاوزها عقبة سويسرا في ربع النهائي، ومصر في ثمن النهائي، بروح قتالية عالية، تعتمد على دهاء ميسي، وتحركات إيماليانو مارتينيز في حراسة المرمى، والشباب النابض في خط الوسط، لإحباط المخطط الإنجليزي.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

طموح إنجلترا وإنهاء 60 عاماً من العقدة

على الجانب الآخر، يقف الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنجلترا، الذي أعاد صياغة شخصية «الأسود الثلاثة» ببراعة وتطلّب صارم.

تسعى إنجلترا لإنهاء ستة عقود من العقدة التاريخية والغياب عن منصات التتويج العالمية منذ عام 1966.

الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا وقائده هاري كين (رويترز)

الفريق الذي يرتكز على صلابة النجم الشاب جود بيلينغهام، الذي قاد الفريق ببراعة أمام المكسيك والنرويج والهداف الخبير هاري كين، يرى في هذه الموقعة البوابة الشرعية لكتابة تاريخ جديد يتجاوز عقدة الماضي.

صراع العقول التكتيكية: سكالوني وتوخيل على رقعة الشطرنج

سكالوني في حديث مع القائد ميسي (رويترز)

المواجهة لن تكون داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل ستكون معركة تكتيكية معقدة بين عقلين مختلفين تماماً، إذ يراهن سكالوني على العاطفة الجياشة الممزوجة بالصبر التكتيكي، والتحولات السريعة التي تخدم عبقرية ميسي في الثلث الأخير.

توماس توخيل وجود بيلينغهام (رويترز)

في المقابل، يفرض توخيل أسلوباً براغماتياً صارماً، يركز على الهيمنة البدنية، والضغط العالي، واستغلال أنصاف الفرص عبر تحركات بيلينغهام القادم من الخلف.

صورة مركَّبة تجمع بين لاعب وسط إنجلترا جود بيلينغهام ومهاجم الأرجنتين لاوتارو مارتينيز (أ.ف.ب)

ستنطلق صافرة البداية في أتلانتا، ممتصةً كل صخب مدرجات «مرسيدس بنز»، لكنها لن تحجب أصوات الماضي الجاثم في الصدور. فالإنجليز يبحثون عن مجد كروي طال انتظاره، بينما يلعب الأرجنتينيون كعادتهم من أجل الكبرياء، ومن أجل ميسي، ومن أجل الأرواح التي غادرت يوماً في صقيع الفوكلاند.