أبو سهمين يكلف ميليشيات إسلامية بتأمين العاصمة

قوات عسكرية تنضم إلى جيش حفتر وتعلن حل البرلمان.. ورئيسه يعلن تسييره الأعمال من مكان آمن

جنود من الجيش الليبي يحرسون المدخل الغربي الى العاصمة طرابلس أمس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الليبي يحرسون المدخل الغربي الى العاصمة طرابلس أمس (أ.ف.ب)
TT

أبو سهمين يكلف ميليشيات إسلامية بتأمين العاصمة

جنود من الجيش الليبي يحرسون المدخل الغربي الى العاصمة طرابلس أمس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الليبي يحرسون المدخل الغربي الى العاصمة طرابلس أمس (أ.ف.ب)

اقترحت الحكومة المؤقتة في ليبيا برئاسة عبد الله الثني، مبادرة مفاجئة مساء أمس لحل الأزمة الراهنة في البلاد، تضمنت عشر نقاط وطالبت المؤتمر الوطني العام (البرلمان) بوقف عمله لحين إجراء الانتخابات العامة المقبلة بعد التصويت على ميزانية عام 2014 وإعادة انتخاب رئيس الوزراء. ولم يصدر على الفور أي تعليق مباشر من نوري أبو سهمين رئيس البرلمان الذي أصدر في وقت سابق قرارا مثيرا للجدل بتكليف «قوة درع ليبيا الوسطى» التي تضم مقاتلين إسلاميين، بالتمركز داخل العاصمة وتأمين مداخلها ومخارجها اعتبارا من أمس. ووجهت هذه القوة عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تحذيرا إلى من وصفتهم بالعابثين من أي اعتداء على مؤسسات الدولة وما يترتب عليه من ترويع للمدنين. وقالت: «إننا سنكون في العاصمة طرابلس في الوقت المناسب ولن نرحم ونتسامح في الرد ومعاقبة هؤلاء المتمردين والخارجين عن الشرعية وكما نحذر السياسيين وعبثهم بالدولة الليبية».
وفى محاولة للخروج من الأزمة السياسية وما نتج عنها من جدل قانوني حول تكليف المليونير ورجل الأعمال المحسوب على الإسلاميين، أحمد معيتيق بتشكيل الحكومة الجديدة، دعت الحكومة إلى إعادة التصويت على رئيس الحكومة الجديد في جلسة علنية بطريقة الاقتراع السري المباشر، على أن تستمر الحكومة الحالية في تسيير الأعمال في حال فشل البرلمان في ذلك إلى حين انتخاب البرلمان القادم في موعد أقصاه منتصف شهر أغسطس (آب) المقبل.
واشترطت المبادرة دخول المؤتمر الوطني في إجازة برلمانية بعد انتهاء استحقاق إقرار ميزانية الدولة الليبية عن العام الحالي، حتى يجري انتخاب البرلمان القادم وتسلم له السلطة التشريعية عند ذلك.
وخرجت بعثة الأمم المتحدة عن الصمت الذي التزمته منذ اندلاع المواجهات المسلحة بين قوات اللواء خليفة حفتر وميليشيات مسلحة في طرابلس وبنغازي، ودعت في بيان إلى الوقف الفوري للأعمال العسكرية وإلى معالجة الخلافات سياسيا.
وتوقفت المعارك والاشتباكات في العاصمة الليبية طرابلس ومدينة بنغازي بشرق ليبيا أمس بين القوات الموالية للواء خليفة حفتر وميلشيات إسلامية مسلحة داعمة للمؤتمر الوطني العام (البرلمان) وحكومته الانتقالية، بينما أكد مصدر مسؤول بوزارة الخارجية الليبية مغادرة البعثتين الدبلوماسيتين للسعودية والإمارات العربية المتحدة إلى بلديهما.
وأوضح المصدر أن مغادرة البعثتين جاءت كإجراء احترازي وبصورة مؤقتة، مشيرا إلى أن عودتهما مرتبطة بتحسن الأوضاع الأمنية في البلاد.
وقال سكان في مدينتي طرابلس وبنغازي لـ«الشرق الأوسط» إن الحياة كانت شبه طبيعية أمس في شوارع المدينتين، بينما قالت وكالة الأنباء الرسمية إن امتحانات الشهادة الإعدادية سارت بصور طبيعية، وإن المصارف والمحلات التجارية تمارس عملها الطبيعي، وحركة السير على الطرقات تسير بنفس وتيرة الأيام العادية.
وقالت مصادر بمطار طرابلس الدولي إن المطار يعمل بصورة طبيعية ورحلات الطيران الداخلية والخارجية المبرمجة تسير وفق ما هو مخطط لها ولم يحدث فيها تغيير، مشيرة إلى أن المنطقة المحيطة بالمطار يسودها هدوء كامل والحركة فيها طبيعية ولا وجود لأي من المظاهر أو التحركات العسكرية سواء للأفراد أو السيارات.
وأعلن نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني أنه موجود في مكان آمن ويقوم بتسيير الأعمال بالتنسيق الكامل مع نائبيه ورئيس الحكومة ومدير المخابرات العامة.
وقال أبو سهمين في تصريحات لقناة محلية إن تكرار الاقتحامات لمقر المؤتمر أدى إلى عدم اتخاذ أية إجراءات في السابق للحد منها والانفلات الأمني وعدم قدرة الدولة على بسط سيطرتها على مؤسساتها، خصوصا الأمنية منها، مشيرا إلى أن رئاسة الحكومة المتمثلة في وزارتي الداخلية والدفاع ورئاسة الأركان مكلفون بالقيام بتوفير الحماية الأمنية التامة للمقار السيادية في الدولة بما فيها المؤتمر الوطني والأجهزة التابعة له.
وانسحبت قوات من كتيبتي القعقاع والصواعق المولية لحفتر من شوارع العاصمة طرابلس بعد عملية مداهمة سريعة واقتحام لمقر البرلمان، وخاضت مواجهات عنيفة ضد ميلشيات داعمة للسلطات الرسمية، بينما أعلنت وزارة الصحة الليبية أن الاشتباكات التي وقعت بطرابلس أول من أمس قد أسفرت عن أربعة أشخاص وجرح 89 آخرين، مشيرة إلى أنه جرى نقل ثلاث حالات بالإسعاف الطائر إلى تونس بسبب صعوبتها.
من جهتها، رأت غرفة عمليات ثوار ليبيا، التي تضم إسلاميين داعمين للبرلمان أن عهد الانقلابات قد ولى، وهددت في بيان لها أمس بالتصدي بكل حزم لمحاولات الحالمين للوصول إلى سدة الحكم على ظهور الدبابات.
ووصفت التحركات العسكرية بمدينتي بنغازي وطرابلس، التي قالت إنها مدعومة عبر وسائل إعلام محلية وعربية، بأنها «انقلاب عسكري صريح ومكتمل الفصول على شرعية الدولة». وأضافت: «على الشعب الليبي في حال عدم الرضا عن السلطة الشرعية الحالية أن يسعى للمشاركة في انتخاب أعضاء مجلس للنواب يرتضيهم عبر انتخابات حرة ونزيهة، وأن يحسن اختيارهم وألا يقع في نفس الأخطاء من جديد».
ونقلت وكالة الأنباء المحلية عن مصدر أمني قوله إن قوة الردع والتدخل المشتركة تسيطر على الأوضاع الأمنية داخل مدينة طرابلس، ودعا المواطنين إلى التعاون وعدم التسبب في أية قلاقل والابتعاد عن التجمعات.
كما أكد العقيد محمد سويسي مدير أمن طرابلس أن عناصر الأجهزة الأمنية التابعة للمديرية موجودون في مقار أعمالهم لتأمينها وحمايتها، لافتا إلى أن جميع الأجهزة المكلفة بحماية الأهداف والمنشآت الحيوية قائمة بواجباتها وموجودة بمقارها لتأمينها وحمايتها.
وأعلنت رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي أنها مع تحقيق أهداف ثورة 17 فبراير والتزامها بالشرعية، واستهجانها للأعمال الإرهابية التي تستهدف عناصر الجيش وغيرهم من المواطنين، لافتة إلى دعمها لمن وصفتهم بالثوار الحقيقيين الذين يعملون لصالح الوطن وتحقيق إرادة الشعب.
وأكدت رئاسة الأركان في بيان بثته وكالة الأنباء الليبية أنها تراقب الأحداث الدامية التي تشهدها مدن عدة في ليبيا، وكشفت النقاب عن مساع غير معلنة للتفاوض، حيث أعربت عن «دعمها المطلق للجهود التي يبذلها الخيرون في ليبيا من أجل التهدئة والحوار الجاد الذي يقطع الطريق أمام أعداء الوطن في الداخل والخارج»، داعية الليبيين للانضمام إليهم والمشاركة في الحوار للوصول إلى المصالحة التي تحقق الأمن. وكان العقيد مختار فرنانة قائد الشرطة العسكرية قد أعلن مساء أول من أمس في بيان باسم الجيش الوطني الموالي للواء حفتر تجميد عمل المؤتمر الوطني وتكليف لجنة الستين، المنوط بها صياغة الدستور بالمهام التشريعية والرقابية «في أضيق نطاق».
ودعا البيان الحكومة إلى الاستمرار في عملها حتى انتخاب البرلمان والرئاسة، معتبرا أن ما جرى من «حراك في طرابلس ليس انقلابا على السلطة، بل هو انحياز لإرادة الشعب الليبي».
لكن الحكومة الانتقالية التي يترأسها وزير الدفاع عبد الله الثني قالت في المقابل إنها تستنكر التعبير عن الرأي السياسي باستخدام القوة المسلحة من كل الأطراف، وطلبت التوقف فورا عن استخدام الترسانة العسكرية التي يمتلكها الشعب الليبي للاقتتال تعبيرا عن الرأي السياسي.
وقالت في بيان تلاه وزير العدل الليبي صلاح الميرغني في ساعة مبكرة من صباح أمس في أعقاب هجوم على البرلمان إن وزارة الداخلية وقوات الأمن تبذل كل ما في وسعها للحفاظ على هذا الأمن الذي ينشده المواطن وطمأنة الشعب إلى أن مسؤوليتها الأمن بقوتها الظاهرة ودورياتها المدنية المستترة وذلك رغم صعوبة الظروف.
وعدت الحكومة أن ما وقع في مدينة طرابلس لا يحمل أي علامات حقيقية تربطه بما وقع في مدينة بنغازي من اقتتال يوم الجمعة الماضي الذي راح ضحيته العشرات، ودعت في المقابل الجميع للتحلي بالمسؤولية التاريخية والوطنية وعدم جر البلاد لمواجهات واقتتالات تؤدي إلى سفك المزيد من الدماء.
وأعلنت كتيبة للجيش الليبي في الجنوب، بالإضافة إلى قاعدة جوية في مدينة طبرق بشرق ليبيا في بيانين منفصلين الانضمام إلى قوات حفتر، في وقت حثت فيه القوات الخاصة التابعة للجيش الليبي في مدينة بنغازي المواطنين في كل المدن الليبية على الخروج في مظاهرات تؤيد ما وصفته بالحراك الوطني للدفاع عن الوطن، في إشارة إلى دعمها عملية الكرامة التي تشنها قوات حفتر ضد معسكرات تابعة لتنظيمات إسلامية متطرفة. وحسمت القوات الخاصة بهذا البيان موقفها الذي أثار جدلا منذ اندلاع المواجهات بين قوات حفتر والمتطرفين، حيث لم تشارك في هذه المعارك واكتفت بتأمين مقراتها. وأعلنت القوات الخاصة التي تضم نخبة من مقاتلي الصاعقة والمظلات بقيادة العقيد ونيس بوخمادة أنها في قتال مستمر منذ أكثر من عام في ضرب أوكار الإرهاب والجريمة، لافتة إلى أنها قدمت سلسلة متواصلة ويومية من الشهداء والمفقودين والجرحى. وأضاف البيان: «وكما عاهدنا شعبنا العظيم بأننا لن نخون ولن نخذلهم ولن نتهاون ولن نسلم الوطن إلى هذه الثلة من المجرمين التكفيريين الخارجة عن الملة، إما نحن وإما هم في هذا الوطن، الذي لا يسع الاثنين». وذكرت مصادر عسكرية بقاعدة بنينا الجوية في بنغازي أن ثلاثة صواريخ من نوع غراد متوسطة الحجم سقطت على المهبط القديم للقاعدة دون أن تسفر عن أضرار.
وأكد العقيد محمد حجازي الناطق الرسمي باسم قوات حفتر أنه جرى ضبط سيارة عليها مدفع رباعي موجه باتجاه القاعدة بإحدى المناطق، مشيرا إلى أن القوات الخاصة المكلفة بحماية القاعدة ردت بإطلاق الأسلحة الثقيلة.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.