أحياناً تتحدّث الصحافة الغربية والعربية عن عدم وجود بديل جاهز لنظام الملالي، وتعدّ فقدان البديل الحلقة المفقودة في المعادلة الإيرانية.
وعندما يصل الأمر في المعادلة السياسية إلى موضوع البديل، فهذا معناه أن النظام الحاكم في طور الزوال.
وهذه الفكرة ناتجة عما يجري في إيران منذ نحو عام، وبعدما توسّعت دائرة الاحتجاجات والانتفاضات في مختلف أرجاء إيران. وجميع التقارير الواردة من مختلف المصادر تتفق أولاً على أن أبناء الشعب الإيراني يبحثون عن التخلّص من النظام الحاكم.
بعد فترة من شبه التمهّل عادت من جديد العمليات الإرهابية خارج إيران ضد المعارضين الإيرانيين. ولم تكن تلك الفترة وليدة تغيير ما في طبيعة نظام طهران، بل كانت نتيجة موقف حازم نسبياً من طرف الدول الأوروبية بعد إدانة بعض المسؤولين بمحكمة الجنايات في ألمانيا بسبب سلسلة اغتيالات للأكراد الإيرانيين في برلين.
شاركت قبل أيام في مؤتمر صحافي ببروكسل عقد من أجل الكشف عن معلومات جديدة بشأن المخطّط الإرهابي الذي دبّره دبلوماسي إيراني تابع سفارة طهران في النمسا ومجموعة رفيقة له بهدف تفجير المؤتمر السنوي العام للمقاومة الإيرانية في باريس يوم 30 يونيو (حزيران) من هذا العام.
بفضل مشيئة الله كان لديَّ الحظّ بعد استرجاع السيادة الوطنية عام 1962 أن أخدم الصالح العام على رأس قطاعات شتى، منها الطاقة والري والأشغال العمومية والمالية والاقتصاد والدبلوماسية ثم في آخر المطاف على مستوى رئاسة الحكومة، حيث حظيت بخبرة مهنية وسياسية متنوعة احتكت بخبرات الآخرين في عدد کثر من بلدان العالم.
تلك الخبرة بدأت تنشأ في الجزائر طبعاً وفي نفس الوقت في الشرق الأوسط والولايات المتحدة.
في هذا المضمار كنت على تواصل مع إيران في حالاتها المؤسساتية المتتالية. في عهد الشاه لم تكن هناك علاقات رسمية مكثفة بين الجزائر وإيران.
بصفتي مواطناً جزائرياً لست خادماً لأي تيار سياسي أو حركة سياسية. والقضية التي أومن بها والتزم بها هي قضية الشعوب التي اختطفت رهينةً بيد أخطر نظام في العالم.
هذه المسيرة التي أسلكها ليست مسيرة نظرية وفكرية؛ بل هي نابعة من قناعتي وتجربتي الشخصية. تجربتي في الجزائر مع إيران؛ سواء في عهد الشاه، أو حتى النظام الجديد المزعوم أنه «إسلامي»، إلى مرحلة قطع علاقاتنا معه.
تعرّفت على الإيرانيين منذ عهد الشاه. كانت علاقاتنا مع إيران الشاه علاقات باردة... تعرفت عليهم في إطار «أوبك».
وبعد الثورة كانت الجزائر ضد الحرب على إيران، وبقيت على الحياد في الحرب العراقية - الإيرانية.
بعد انتفاضة شعبية عمّت أرجاء إيران جاء آية الله خامنئي إلى الساحة ليقول كلمته في هذا الشأن، خصوصاً أن الشعارات المحورية في هذه المظاهرات كانت تستهدف شخصه بشدة قاسية، حيث إنه هو الآمر والناهي، وهو «العقل المدبّر» لنظام ولاية الفقيه، فمن المهمّ معرفة ما قال في هذا الخطاب الذي دون أدنى شكّ كان محصّلة مواقف نظامه حيال الشعب المنتفض.
كلّنا نعلم أن المسؤولين السياسيين الكبار عندما يتحدثون نصف ساعة، فليست الرسالة التي يريدون إيصالها سوى دقائق أو أسطر من الخطاب أو المقال.
إن تصاعد التوترات بين إيران والدول العربية المجاورة ينسحب بوضوح على التصعيد الواضح لأنشطة طهران داخل العالمين العربي الإسلامي، تنفيذاً لاستراتيجية توسعية كتبها دستور «ثورة 1979 - 1980» تحت غطاء نشر «الثورة الإسلامية»، لا خدمة الشعوب الإسلامية؛ بل على حسابها، ولا حباً للشيعة؛ بل استخدام الدين الحنيف لصالح تحقيق السيطرة الشاملة على العالمين العربي الإسلامي.
الحروب في سوريا والعراق واليمن قد وفّرت للنظام الإيراني مسرح عمليات أكبر. وبتمويل وتوجيه الميليشيات العميلة في كل من هذه الأماكن، بدأت طهران بالفعل في إعادة إنتاج نموذج «حزب الله» الذي لطالما كان له تأثير على السياسة والمجتمع في لبنان.
توفي بطرس بطرس غالي في أحد مستشفيات القاهرة عن عمر يناهز 93 عاما. ولا حاجة للقول إن الراحل كان دبلوماسيا مخضرمًا، وكان عربيًا وحيدًا تربع على عرش أعلى منظمة عالمية بصفته أمين عام الأمم المتحدة لخمسة أعوام.
ولأنني كانت تربطني بهذا الرجل الفذ، علاقة صداقة قديمة ترقى إلى العلاقة العائلية، أريد أن أشهد بأنه كان رجلا ذا مبدأ إنساني عميق.