مائة يوم من رئاسة ماكرون: نجاحات في الخارج وتساؤلات في الداخل

الرئيس الشاب يريد استعادة دور باريس في حل الأزمات الدولية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت في قصر الإليزيه الشهر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت في قصر الإليزيه الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

مائة يوم من رئاسة ماكرون: نجاحات في الخارج وتساؤلات في الداخل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت في قصر الإليزيه الشهر الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت في قصر الإليزيه الشهر الماضي (أ.ف.ب)

قبل مائة يوم، انتخب إيمانويل ماكرون أصغر رئيس للجمهورية الفرنسية عن عمر لا يتجاوز 39 عاماً. وقد أثار انتخابه موجة من التفاؤل لما جاء به من وعود، مثل ضخ دماء جديدة إلى الحياة السياسية، وتخطي الحواجز بين اليمين واليسار، وإصلاح النظام الفرنسي إصلاحاً جذرياً، وإعادة تشغيل الدورة الاقتصادية، وتوفير فرص عمل لمواجهة نسب البطالة المرتفعة، ووضع فرنسا مجدداً في قلب خريطة الدبلوماسية الدولية.
ولكن بعد 100 يوم على وصوله إلى الرئاسة، تهاوت شعبية ماكرون إلى 36 في المائة، وفق آخر استطلاعات الرأي. كذلك، فقد ثقة ثلثي مواطنيه لجهة تأييد أولى خطواته، وفق استطلاعين للرأي آخرهما نشرت نتائجه صحيفة «لو فيغارو» اليمينية يوم السبت.
يلاحظ المحللون أن تدهور شعبية ماكرون بدأ مع إعلان الحكومة عن مجموعة من القرارات «غير الشعبية»، التي تتناول خفض عجز الميزانية، وتدابير تقشفية تتناول كل القطاعات بما فيها القوات المسلحة. وصعب على الفرنسيين، خصوصاً الطبقتين الوسطى والدنيا، تفهم قرار الحكومة تقليص المساعدة المقدمة للطلاب وذوي الدخل المحدود لتوفير السكن، في الوقت الذي تنوي فيه إلغاء ضريبة الثروة. كذلك، يتخوف الموظفون والعمال من عزم العهد الجديد على «إصلاح» قانون العمل عن طريق المراسيم وليس المرور في البرلمان. وينبع تخوفهم من أن تفرط الإصلاحات المرتقبة بعدد من الضمانات المتوفرة لهم، وأن تكون لصالح رب العمل وعلى حساب الموظفين.
ومنذ العاشر من الشهر الجاري، هجر ماكرون وزوجته بريجيت قصر الإليزيه لعطلة صيفية سنوية في مدينة مرسيليا المتوسطية، على أن يستأنف نشاطه في 23 أغسطس (آب) بجولة على 3 بلدان في أوروبا الشرقية. وخلال هذه الفترة، تتعطل الحياة السياسية في فرنسا وتفرغ الوزارات والبرلمان من شاغليها. ومنذ اليوم، يقرع جرس الإنذار حكوميا، إذ إن كل استطلاعات الرأي تتوقع خريفا «حاميا» سياسيا واجتماعيا، بحيث إن الرئاسة والحكومة ستدخلان فعليا في قلب الأزمات. وما حصل في الأيام المائة الأولى ليس سوى «مقدمات».
لكن المفارقة أنه في الوقت الذي تقوى فيه شكوك الفرنسيين إزاء ما ينتظرهم من تدابير وإجراءات في الأسابيع والأشهر القادمة، إلا أنهم، في الوقت عينه، ينظرون بكثير من الرضا إلى الخطوات الأولى التي خطاها ماكرون على الصعيد الدبلوماسي والخارجي. فالرئيس الشاب الذي شغل لفترة قصيرة نسبيا منصب وزير الاقتصاد في حكومة مانويل فالس، كان يظن أنه يفتقر للخبرة في السياسة الخارجية. لكن ما حصل هو أنه استفاد عقب انتخابه مباشرة من روزنامة لقاءات دولية مكنته سريعا من أن ينضم إلى نادي كبار رؤساء الدول والحكومات. فمن قمة الحلف الأطلسي في بروكسل يوم 25 مايو (أيار)، إلى قمة قادة البلدان السبع الأكثر تصنيعا في العالم في مدينة تاورمينا الإيطالية، نجح ماكرون في امتحان الدخول خصوصا في لقاءاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وعقب ذلك، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضيفا على ماكرون في قصر فرساي التاريخي. واكتمل العقد بمناسبة قمة العشرين التي استضافتها مدينة هامبورغ الألمانية يوم 7 يوليو (تموز)، وبقبول ترمب الدعوة التي وجهت إليه لحضور الاحتفال العسكري في جادة الشانزليزيه بمناسبة العيد الوطني الفرنسي، الأمر الذي وفر للرئيسين المناسبة لمحادثات مطولة في قصر الإليزيه. وبين هذه القمة وتلك، التقى ماكرون المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عدة مرات وكذلك نظراءه الأوروبيين، كما استقبل العديد من قادة الدول في باريس الذين جاءوا للتعرف على «الظاهرة» السياسية التي نبتت في فرنسا من لا شيء.
بيد أن المهم بالنسبة للرئيس الفرنسي لم يكن فقط انضمامه إلى النادي «المغلق» بل أن تكون لفرنسا دبلوماسية «نشطة» ومؤثرة في أوروبا ولكن أيضا في الفضاء الأوسع. وتقول مصادر دبلوماسية فرنسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إن ماكرون «طموح»، ويريد لباريس أن تعود «طرفا فاعلا في الأزمات الدولية».
لذا، فإن العلاقات المباشرة التي بناها مع الرئيسين ترمب وبوتين يريد تسخيرها لتكون «صلة الوصل» في زمن التوتر بينهما، ولتلعب فرنسا بالتالي دور «الوسيط». كذلك، بدأ الرئيس الفرنسي بإطلاق مبادرات دبلوماسية كان أبرزها حتى الآن نجاحه في حمل رئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج وقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر على المجيء إلى باريس والتوافق على «خريطة طريق» للخروج من الأزمة الحادة في ليبيا، التي يرى الرئيس الفرنسي أن لها انعكاسات مباشرة ليس فقط على شمال أفريقيا واستقرار بلدان الساحل، بل أيضا على فرنسا وأوروبا، بسبب موضوعي الإرهاب والهجرات المكثفة المنطلقة من الشواطئ الليبية.
تقول المصادر الفرنسية إن ماكرون يعتبر أنه، بفضل العلاقات التي نسجها مع واشنطن وموسكو، قادر على أن يلعب دورا مؤثرا في الملف السوري الذي أخرجت منه فرنسا وأوروبا معا منذ التدخل الروسي المكثف نهاية صيف عام 2015. ويعتبر ماكرون أنه يتعين على باريس «إعادة النظر» في سياستها السورية، بمعنى التراجع عن بعض المواقف التي التزمت بها حكومات الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولندا، والتي تميزت بالدعم المطلق للمعارضة السورية. لكن الحقائق الميدانية والرغبة في التقارب مع موسكو، دفعت بـ«الدبلوماسية الفرنسية الجديدة» محاولة اكتشاف سبل جديدة. وما يسعى إليه الرئيس الفرنسي، وما كشف عنه مباشرة هو تشكيل «مجموعة اتصال» تتكون من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وإلى جانبها الدول الإقليمية المعنية بالأزمة والفاعلة فيها، مثل تركيا والسعودية وإيران والأردن وربما العراق إضافة إلى النظام والمعارضة. وبرأي باريس، فإن اجتماعات جنيف وتلك التي تحصل في آستانة لن تأتي بالحل السياسي وهي قاصرة، وبالتالي يتعين إيجاد «غطاء» دولي توفر الشروط الضرورية لوضع حد للحرب في سوريا وللسير بالحل السياسي.
وكما في ليبيا وسوريا، فإن ماكرون يعتبر أن بلاده قادرة على أن يكون لها دور في إخراج ملف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية من الطريق المسدود الذي وصلت إليه منذ ربيع عام 2014 عندما وضع وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري عمليا حدا لوساطته، بعد أن اصطدم بالعراقيل الإسرائيلية. وهنا أيضا، لم يتبن ماكرون تماما سياسة سلفه هولندا، إذ إنه تخلى عن فكرة المؤتمر الدولي وعن مشروع الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية لا بل إنه ذهب، خلال وجود نتنياهو في باريس في شهر يوليو الماضي إلى حد اعتبار مناهضة الصهيونية جزءا من معاداة السامية، وهو ما لم يسبق أن قاله أي رئيس سابق.
بالإضافة إلى هذه الملفات الساخنة، يريد ماكرون لبلاده دورا أكثر فاعلية في مسائل أخرى عديدة، لعل أبرزها الدفاع عن اتفاق باريس الخاص بالمناخ وارتفاع حرارة الأرض وفي إعادة إطلاق المشروع الأوروبي. وستتوافر له الفرصة لشرح كل توجهاته بمناسبة المؤتمر السنوي لسفراء فرنسا عبر العالم، الذي ينعقد تقليديا نهاية الشهر الجاري.
هل سينجح ماكرون؟ السؤال مطروح والتحديات صعبة والمسائل قديمة وبالغة التعقيد والأهم أن الوسائل والأدوات المتوافرة لديه ليست كثيرة. لكن الرئيس الشاب يراهن على ديناميته وعلى قدرته على التأقلم في محاولاته الدبلوماسية. ولذا، فإذا أصاب نجاحا، فإنه سيحسب لرصيده وإن لم يصب، فإنه يكون قد حاول مثلما حاول كثيرون قبله ولم ينجحوا.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...