الصحافة في إيران... مهنة شائكة وغير مجدية

في يومها السنوي بحثت أهم التحديات

الصحافة في إيران... مهنة شائكة وغير مجدية
TT

الصحافة في إيران... مهنة شائكة وغير مجدية

الصحافة في إيران... مهنة شائكة وغير مجدية

تزامن يوم السلطة الرابعة في إيران هذا العام بالحدثين البارزين هذا الأسبوع، اليمين الدستوري للرئيس الإيراني وإعلان تشكيلة الحكومة. لكن الأحداث السياسية لم تمنع الصحافة الإيرانية والأوساط الإعلامية من الاحتفال بيومها بنكهة مختلفة مقارنة بالأعوام الماضية. المناسبة دفعت أغلب الصحف الصادرة الثلاثاء، لفتح الباب على مصراعيه أمام حديث ذي شجون لأصحاب المهنة عن أحوال الصحافة الإيرانية والهواجس والتحديات والتهديدات المتربصة بالصحافيين كما استغل الخبراء في مجال الإعلام الفرصة للحديث عن قطار الصحافة الذي خرج عن سكة الاحترافية.
وفي ظل ضغوط النظام الحاكم وأجهزته المخابراتية والتكنولوجيا الحديثة التي تلزم الصحافة بتمزيق ثياب الأمس وضبط الإعدادات بما يناسب العصر، لا مناص أمام الصحافي الإيراني سوى الحفاظ على وجوده بأقل ما يملك من إمكانيات والبحث عن حلول جذرية للأزمة الحالية التي تعيشها الأوساط الإعلامية الإيرانية.
«عمل صعب وموقع مزلزل ومشوه» هكذا تصف صحيفة «إيران» الناطقة باسم الحكومة الوضع الحالي للصحافة وأهلها في إيران. لسان حال الصحافي في هذا اليوم «أكتب على مدار العام عن مشكلات الآخرين، يجب أن أكتب عن معاناتي في اليوم الخاص بي». يتفق خبراء الإعلام الإيرانيون على أن العمل الصحافي أشبه بالسير في ميادين الألغام.
تعددت القضايا التي تطرقت لها الصحف الإيرانية، ركزت أغلب الملاحق على الوضع المهني والوضع الهش للصحافيين وضعف قانون الصحافة في حماية الصحافي من المضايقات الأمنية إضافة إلى تردي الوضع المعيشي وتراجع مستوى الاحترافية واستقلالية الصحافي بسبب غياب الصحافة المستقلة والنمو المتزايد للإعلام الحكومي.

الصحف تحتفي بيومها
وتناولت صحيفة «آفتاب يزد» اليوم الصحافي علی صفحتها الأولى برسم كاريكاتير يظهر الصحافي في زورق ورقي في بحر متلاطم تحت عنوان «الزمن الرمادي للصحافيين». وفي ملف نشرته بهذه المناسبة، وجهت الصحيفة انتقادا ضمنيا إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني لعدم تنفيذ وعوده لتحسين أوضاع الصحافة. واستطلعت الصحيفة آراء بعض الصحافيين الإيرانيين حول أوضاع العمل في ظل إدارة روحاني.
في نفس الاتجاه، خصصت صحيفة «جهان صنعت» الاقتصادية صفحاتها الأولى والأخيرة لنشر هموم الصحافيين في البلاد بما فيها رفض السلطات نشاط نقابة الصحافيين منذ ثمانية أعوام ونشرت على الصفحة الأولى رسما كاريكاتيريا في إشارة للمضايقات الأمنية التي يتعرض لها الصحافيون كما نشرت أجزاء من رسالة مفتوحة وجهها أعضاء في اتحاد الصحافيين إلى الرئيس الإيراني.
من جانبها، نشرت صحيفة «همدلي» كاريكاتيرا على صفحتها الأولى حول يوم الصحافي تحت عنوان «الصحافة في ميدان الألغام» ورسمت الصحافي في زورق ورقي بين أسماك القرش. في نفس السياق، تناولت صحيفة «آرمان أمروز» في صفحتين أهم قضايا الصحافة الإيرانية مع خبراء وأساتذة جامعيين وتشير الصحيفة إلى مشكلة تزايد وكالات الأنباء الحكومية وأثرها السلبي على الصحافة.
صحفیة «بهار» في ملفها الرئيسي تشير إلى أول مؤتمر صحافي لحسن روحاني بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2013 وأسئلة وجهت له حول أوضاع الصحافة رد عليها بالوعود. من بين أسئلة الصحافيين حول رفع القيود المفروضة منذ فترة الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد على نشاط اتحاد الصحافيين المحظور بأوامر قضائية.

قانون الصحافة لا يحمي الصحافيين

صحيفة «قانون» الإيرانية فتحت أحد الملفات الشائكة في إيران حول أمن الصحافيين وقانون الصحافة الذي يقتصر على ضمان صاحب الامتياز من دون أن يشمل رؤساء التحرير والمحررين والصحافيين.
وبعد مقدمة تاريخية مطولة عن علاقة الصحافيين بالسلطة واغتيالات طالت الصحافيين على مدى القرن الماضي في إيران، يرى كاتب المقدمة أن علاقة الوسط الإعلامي في مواجهة السلطة تتراوح بين النسبية والمطلقة وسبب ذلك هو رسالة الصحافي والصحافة في حين حاولت الحكومات الإيرانية المتعاقبة عرقلة النشاط الفكري في الأوساط الإعلامية والنخبوية وعلى حد تعبير الصحيفة حاولوا إعماء العين البصيرة للمجتمع.
انطلاقا من ذلك لجأت الصحيفة إلى قانونيين ومحامين امتهنوا الصحافة وعاشوا معاناة الصحافي لشرح الوضع القانوني للصحافيين ومسار قانون الصحافة، بهدف مطالبة المشرعين والمسؤولين بوضع حد للمشكلات الصحافية والحيلولة دون المضايقات التي يتعرض لها الصحافيون. في هذا الخصوص، يشرح أستاذ الجامعة والمحامي والصحافي، نعمت أحمدي، دور الصحافة في إنجاح الثورة وما واجه الصحف لاحقا من منع وقمع الصحافيين على يد محكمة «الثورة». ويعتبر نعمت زادة أن ظهور صحيفتي «سلام» و«جامعة» كانت ولادة جديدة للصحافة في إيران بعد الثورة وإن منعتهما السلطات من الإصدار بعد سنوات من النشر.
ويعتقد نعمت زادة أن الفترة الذهبية للصحافة الإيرانية بعد الثورة بدأت بوصول محمد خاتمي للرئاسة إلى نهاية فترته الرئاسية الأولى وهي الفترة التي شهدت ولادة صحف مثل «صبح أمروز» و«جامعة» و«خرداد» و«عصر ازادغان» و«نشاط» (جميعها موقوفة). بحسب الأستاذ الجامعي فإن أشخاصا مسؤولين دقوا آخر مسمار في نعش حرية التعبير وقانون الصحافة في ذلك الحين. وتحديدا بعد تعديل المادة 168 من قانون الصحافة واختصارها على أصحاب الامتياز وحرمان الكوادر التحريرية مثل الصحافيين والكتاب ورؤساء التحرير من القانون. وفق نعمت زادة قانون الصحافة الحالي لا يقدم أي حماية للصحافيين كما أنه لا يتطابق مع الظروف والإمكانيات الصحافية الحالية. ويضيف قائلا: إن قنوات التواصل الاجتماعي تنشر حاليا أنواعا شتى من الأخبار بينما المسؤولون ما زالوا يواصلون السياسات السلبية والإقصائية بحق الصحافيين. ويعتقد أن استمرار الأخطاء جعل مهمة الصحافيين والإعلاميين في النشاط الحر مستحيلة، مضيفا أنه «يجب ألا نتوقع أن يثق الرأي العام بالسلطة». ويلفت إلى أن المواجهة القضائية مع الصحافيين جعلت الصحف في إيران أرضا سبخة.
لكن المحامي عبد الصمد خرمشاهي في حديثه للصحافة قال بأن السلطات لم تتعامل سلميا مع الصحافة خلال السنوات الأخيرة ويقول: إن الصحافي يواجه التهم بمجرد قيامه بالمهام الصحافية. من جانب آخر يشير إلى الخطر المحدق بالصحافة بسبب وقف إصدار الصحف مشددا على أن القضاة يفسرون القانون بشكل شخصي في القضايا المتعلقة بقانون الصحافة وبناء على النظرة الشخصية يصدرون أحكاما قاسية ضد الصحافيين لدوافع سياسية خلف الستار. ومن بين التهم الخطيرة التي تهدد الصحافيين الإيرانيين «تهديد الأمن القومي» وهي تهمة يملك القضاء تعيين حدود العقوبة لها.
ويحذر المحامي الإيراني من تبعات تجاهل أمن الصحافيين المهني والنفسي على صعيدين أساسيين الأول هو خيبة أمل أصحاب الصحف لإنتاج المواد الإخبارية الدقيقة والموثوقة والثاني تشكيك الإيرانيين بوجود حرية التعبير في البلاد.

الرقابة والأمن الوظيفي وتراجع الاحترافية

الضغوط الأمنية التي يتعرض لها الصحافي في إيران، تثير مخاوف الخبراء من فرض رقابة ذاتية نتيجة الخوف على المستقبل والتبعات التي لا تحمد عقباها في بلد لا توجد به ضمانات لحماية الصحافيين من الأجهزة الأمنية. بحسب الخبير القانوني بهمن كشاورز فإن المجتمع ضحية عدم انتشار الأخبار الصحيحة نتيجة الرقابة الذاتية.
وأشارت الصحف الإيرانية التي توقفت عند أهم المشكلات الحالية إلى أن إغلاق الصحف تسبب في حالة من عدم الاستقرار الوظيفي بين الصحافيين.
بدورها تعتقد صحيفة «إيران» الناطقة باسم الحكومة أن النظرة الاقتصادية في المجتمع الإيراني للعلاقات الاجتماعية تدفع الصحافيين المحترفين إلى هجرة المهنة إلى مجالات أخرى وأن من يفتقرون للخبرة لا يقلقون المسؤولين.
وفي حين تتعرض حكومة الرئيس الإيراني لانتقادات الصحافيين بسبب تأخر وعوده السابقة في الاهتمام بأحوال الصحافيين فإن صحيفة «إيران» الناطقة باسم إدارته حاورت عددا من رؤساء التحرير في الصحف الإيرانية لتسليط الضوء على أبرز تلك المشكلات ويتحدث رئيس تحرير صحيفة «اعتماد» جواد دليري عن «النظرة القاسية والأداتية والدعائية للصحافة». باعتقاده أن النظرة الضيفة تفوت على الصحافيين فرصة تجريب الصحافة الحرة والمستقلة والتعددية مشددا على أنها مشكلات قديمة تعاني منها الصحافة الإيرانية منذ الولادة.
ويقول دليري إن صحف إيران تعاني من مشكلات قانونية وسياسية واقتصادية وتعليمية. بنفس الوقت يشير إلى أن المشكلات الاحترافية تتلخص في الخطوط الحمر التي تواجه الصحف الإيرانية. ويرى أنه كلما كانت القيود أقل في المقابل يزداد تأثير الصحف. ويتابع أن «الخطوط الحمر» أفقدت الصحف الإيرانية فاعليتها وقدرتها على التأثير في الشارع الإيراني.
كما لفت دليري الانتباه إلى تراجع المستوى الاحترافي الصحافي في البلد بسبب القوانين وحرمان الصحف من استقطاب الطاقات المختصة وعدم تطوير قدرات الإعلاميين.
من جانبه يقول رئيس تحرير صحيفة «شهروند» مهدي افروزمنش إن الصحافة الإيرانية تمر بمرحلة متأزمة لأنها عاجزة عن توفير التعليم المطلوب لتطوير قدرات الصحافيين. ومن المشكلات أيضا عدم الانتقال الصحي للخبرات بسبب انقطاع الأجيال القديمة والجديدة، مشيرا إلى أبعاد مختلفة من معاناة الصحافة ويقول «الصحافي يفقد كل شيء: اسمه الأمن وهو مصدر كل المشكلات».
وباعتقاد افروزمنش فإن فقدان الأمن الوظيفي في السنوات الأخيرة أدى إلى هجرة الصحافي المحترف إلى قطاعات أخرى في أول فرصة متاحة أمامه، وذلك لأسباب اقتصادية ومالية. ويتحدث عن تدهور أحوال الصحافة بعد هجرة الصحافيين إثر ملاحقة الصحافيين في أثناء احتجاجات الحركة الخضراء في 2009، موضحا أن «الصحافة بلغت مستوى يفضل أصحاب الامتياز إدارة الصحف بأقل النفقات». وفق الصحافي الإيراني فإن الحالة زادت من حظوظ الصحافيين قليلي الخبرة بينما يواجه الصحافيون المحترفون فرصا أقل في الحصول على وظيفة.
استقلالية الصحافي مهددة
في حديثه لصحيفة «ابتكار» يرفض أستاذ الإعلام في جامعات طهران فريدون صديقي تسييس الصحافي ويقول: إن من حق الصحافي أن تكون له علاقاته الحزبية وسلوكه الشخصي واعتقاداته واتجاهه الخاص لكن في إطار العمل الصحافي يجب ألا يعلن حضوره في السياسة.
كذلك يرفض وجود صحافيين إصلاحيين أو محافظين في البلاد ويقول: إن التسميات تحت تأثير الاتجاهات السياسية لوسائل الإعلام إلا أنه بنفس الوقت يذكر أن الصحافي المستقل غير مرحب به في إيران وهو الصحافي الذي يقول الواقع ويطرح تساؤلات ومطالب الشعب من المسؤولين وينقل رسائل المسؤولين إلى الشعب. نتيجة لذلك تعاني الصحف من الضعف والخمول وتخفق في بلوغ الأهداف على حد تعبيره.
من جانبها تقول رئيس تحرير وكالة «إيلنا» فاطمة مهدياني في تصريح لصحيفة «إيران»: إن تعرض الصحافيين للمشكلات النقابية والمعيشية يعرض استقلاليتهم للخطر وفي إشارة إلى الهواجس الأساسية للصحافيين في فقدان الأمن الوظيفي، تنتقد الازدواجية في تعامل الأجهزة الأمنية مع الصحافيين وتقول: إن الأجهزة الأمنية تستهدف صحافيين ينتمون لتيار سياسي بعينه في حال يتمتع صحافيو التيار المقابل بالحصانة.
من جهته، يوجه أستاذ الإعلام في جامعة طهران جلال خوش جهره في تصريح لصحيفة «قانون»، الاتهام إلى وسائل الإعلام واتجاهاتها السياسية التي تحول الصحافي إلى أداة بيد الأحزاب لكي يحافظ على لقمة العيش. من جهة ثانية يقف عند معاناة الصحافيين المستقلين وكيف أن من يفتقرون للخبرة يتقدمون على حساب صحافيين يرفضون التنازل للانتماءات الحزبية.



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.