ماحي بينبين: أنا ابن عائلة شكسبيرية

التشكيلي والروائي المغربي يستعيد تجربته مع الحياة والأدب والفن

من أعماله - ماحي بينبين ( تصوير: أحمد بن إسماعيل)
من أعماله - ماحي بينبين ( تصوير: أحمد بن إسماعيل)
TT

ماحي بينبين: أنا ابن عائلة شكسبيرية

من أعماله - ماحي بينبين ( تصوير: أحمد بن إسماعيل)
من أعماله - ماحي بينبين ( تصوير: أحمد بن إسماعيل)

وأنت تستمع إلى حديث الفنان التشكيلي والروائي المغربي ماحي بينبين عن تجربته مع الفن التشكيلي والإبداع الروائي، وتأخذ فكرة عن المأساة التي مرت منها عائلته، وتقف على وجهة نظره بصدد عدد من قضايا البلد، لا يمكن إلا أن تستبد بك مشاعر يختلط فيها التقدير للرجل بمعرفة بعض التفاصيل الصغيرة في حياته، قبل أن تنتهي إلى أن الأمر لا يتعلق، فقط، بذكرى تمزق عائلي خاص، أو بتناول فني وروائي متواصل لأفكار وقناعات إبداعية خاصة، بل، بتوصيف عام واستعادة لما عاشه بلد بأكمله، ما بين ستينيات وتسعينيات القرن الماضي، من صراعات وتمزقات، اتفق الجميع على طيها بـ«الإنصاف والمصالحة».
يتحدث ماحي دفعة واحدة عن والدته وعن شقيقه عزيز، الذي قضى نحو عشرين سنة في سجن تازمامارت، ووالده الفقيه محمد بينبين والملك الراحل الحسن الثاني والباشا الكلاوي والملك محمد السادس وأم كلثوم والشاعر محمد بن إبراهيم والتشكيلي الجيلالي الغرباوي، وآخرين؛ فيما يقرب الأمكنة إلى بعضها، مسافرا بك إلى فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، وغيرها من الوجهات الفنية والعالمية الشهيرة، قبل أن يعود بك إلى المغرب.
يستعيد ماحي طفولته ومساره الدراسي، وكيف أنه تمنى، بعد مرحلة البكالوريا، أن يصير فناناً. يقول: «لم أكن أعرف، بالضبط، أي مجال فني يستهويني، أكثر. سافرت إلى فرنسا لاستكمال دراستي في تخصص الرياضيات، قبل أن أعمل، هناك، مدرساً، من دون التخلي عن حلم امتهان الفن».
فضلاً عن قيمته الفنية والأدبية وصيته الذي ذاع في الخارج حتى صار أحد أعمدة الفن التشكيلي والنحت في بلده، وأكثرهم حظوة، كما حاز عدداً من الجوائز عن كتابته الروائية، يتميز ماحي، الذي ولد عام 1959. في عمق المدينة القديمة بمراكش، بوجوده، في فترة من حياته، في صلب مأساة عائلية تصلح لرصد جانب مثير ومعقد من تاريخ المغرب المعاصر، من جهة أنه أحد أبناء الفقيه محمد بينبين، الذي كان مؤنساً للملك الراحل الحسن الثاني، منذ منتصف ستينيات القرن الماضي؛ وشقيق عزيز بينبين، أحد المعتقلين السابقين بتازمامارت، سيئ الذكر والصيت، على خلفية انقلاب الصخيرات الفاشل في 1971.
حين يحدثك ماحي عن مأساة عائلته، وعلاقته بوالده وشقيقه ووالدته، تتأكد أن ضحايا الاعتقال والسجن، خلال ما سمي بـ«سنوات الرصاص» في المغرب، لم يكونوا، فقط، من قضوا في المعتقلات أو أفنوا أزهى سنوات عمرهم في ظلام المعتقلات، بل آباؤهم وأمهاتهم وأشقاؤهم ومعارفهم؛ وهي حقيقة تتأكد، أكثر، حين يستعيد تأثره الشخصي بمأساة عائلته، وتقديره لوالدته، مقابل عدم رضاه على موقف والده من اعتقال شقيقه، من جهة أنه بدل أن يستثمر قربه من الملك لصالح ابنه خذله كما تنكر لعائلته.
يرى ماحي أن الكُـتاب لا يفعلون أكثر من إعادة كتابة ما عاشوه، بطريقة أو بأخرى؛ مشيراً إلى أنه ترعرع وسط عائلة: «شكسبيرية»، كان أحد أبنائها معتقلاً في تازمامارت، في وقت كان فيه الأب يقضي وقته داخل القصر الملكي، فيما الأم سيدة مطلقة لم تجد إلا أن تواجه معترك الحياة وحيدة، في سبيل إعالة أبنائها السبعة، بعد أن خيب الزوج والوالد آمالهم.
يقول ماحي، متحدثاً عن والدته: «ناضلت والدتي في سبيل تربية أبنائها السبعة. لقد علمتنا معاني الصبر والعمل بجد لتجاوز صعوبات ومطبات الحياة. روايتي (جنازة الحليب)، تتحدث عن انتظار الوالدة رجوع ابنها الغائب إلى البيت. إنها قصة عشرين سنة من الانتظار. كانت والدتي متيقنة أن ابنها حي، وقد يدخل إلى البيت في أي لحظة، حتى أنها كانت تترك له، يومياً، نصيبه من الأكل. كانت والدتي عنوان تعلق جميل بالذاكرة وعدم نسيان من نحب».
وفاء الوالدة لأبنائها وكفاحها في سبيلهم، سيجد صداه لدى ماحي الذي، حين طلبت منه أن يعود إلى المغرب بعد استقراره المهني في باريس، بعد إحساسها بدنو أجلها، لم يمانع. يقول: «حين لبيت طلبها، كنت أظن أنني أرد لها بعضاً من جميلها، لكنني، اليوم، حين استعيد شريط حياتي، أقول إنه قد كان لوالدتي فضل آخر في رسم المسار الفني الذي سأتخذه لنفسي، لاحقاً، بعد أن قررت ترك التدريس، لامتهان الفن التشكيلي والكتابة الروائية».
يواصل ماحي متحدثاً عن شقيقه، والده ووالدته، فيقول: «كان أول شيء طلبه مني شقيقي، بعد خروجه من تازمامارت، هو أن آخذه لزيارة الوالد. ثرت في وجهه، قائلاً له كيف ترغب في رؤية والد خذلك فتنكر لك وتبرأ منك وتخلى عنا. قصدنا الرباط، حيث ألتقي والدي، الذي قاطعته مدة 15 سنة. كانت لحظة مؤثرة. تعانقا طويلاً. كان هناك بكاء ودموع. في طريق عودتنا، قال لي شقيقي إنني مخطئ بمقاطعتي لوالدي، مشيراً إلى أنه، حين كان في تازمامارت، اقتسم الزنزانة مع 29 معتقلاً، وأنهم أربعة، فقط، من ظلوا على قيد الحياة، لأنهم لم يحملوا بغضاً أو حقداً في داخلهم، ضد أي كان، بعد أن توفرت لديهم القدرة على الصفح والتسامح. قال لي إن البغض يقتل صاحبه، أولاً، وإنه سمُّ قاتل، لا يمكن أن يحل مشكلاً. فقط، الصفح والتسامح والتغاضي عن أخطاء الآخرين هي ما يمنح المرء تصالحاً مع الذات».
بعد ذلك، سيصالح ماحي والده. يقول: «وجدت فيه شخصاً راقياً ومثقفاً، فارتبطت به حد التعلق. كان إنساناً خارقاً للعادة. منذ 1990. وأنا أقول إنني سأكتب رواية عنه، حتى جاءت اللحظة، مع (مجنون الملك)، حين صرت في الستين من العمر، وتصالحت مع ذاتي، بعد أن تعلمت الدرس الذي لقنه لي شقيقي، الذي صرخ في وجهي، ذات مرة: (أنا خرجت من تازمامارت وأنت لا زلت في داخله. أخرج منه إلى الحياة. تنفس قليلاً)».
هكذا، حول ماحي الصدمات، التي واجهت عائلته، إلى دافع إيجابي نحو مستقبل أفضل. أخذ عن والدته قيمة الأسرة وحفظ ذكرى من نحب، ومن شقيقه معاني الصفح والتسامح، قبل أن يتعرف على والده الفقيه، الأديب والإنسان، والذي سيتعلم منه أن الأمور ليست دائماً إما سوداء أو بيضاء، وأنها يمكن أن تكون في منطقة بين بين؛ ما دام أن لكل حقيقته، من جهة أنه لا أحد يملك الحقيقة مطلقاً، وبالتالي فمن كان معتقلاً في تازمامارت كانت له حقيقته، كما أن من كان يعيش في القصر، ملكاً أو في خدمة الملك، له حقيقته، بصدد ما جرى.
لا ينسي ماحي من ساعده في بداياته، على درب الفن والأدب، حيث يتحدث عن الفنان والكاتب الإسباني أغوستين غوميز أركوس، الذي لمس فيه المبدع، فأخذ بيده ودفعه إلى الكتابة، بشكل أثمر رواية «قمة العبودية».
في رواياته، يتداخل الذاتي بالموضوعي، حيث يترك ماحي لأسئلته الحارقة أن تتناسل، حرصاً وخوفاً على المغرب، حاملاً هم المثقف في فكره والإنسان في داخله، مترجماً آلام وآمال مجتمع بكامله، مقتسماً حيرته مع قرائه، عن هذا الذي جرى للمغرب وللمغاربة، حتى صار الكبار يتسولون بالصغار، والشباب يهاجرون خارج البلد أو يفجرون أنفسهم، منطلقاً من أفكار يطور بها أحداث رواياته، التي انطلق في إبداعها مع «قمة العبودية» (1992)؛ مروراً بـ«أكلة لحوم البشر» (1992)؛ و«جنازة الحليب» (1994)؛ و«ظل الشاعر» (1997)؛ و«لقاح» (2001)؛ و«الله يخلف» (2013)؛ و«نجوم سيدي مومن» (2009)، التي تناول فيها الأحداث الإرهابية التي هزت الدار البيضاء في 16 مايو 2003. والتي حولها المخرج المغربي نبيل عيوش إلى فيلم سينمائي، وصولاً إلى «مجنون الملك» (2017)، التي يتحدث فيها عن والده، والتي نقرأ على ظهر غلافها: «ولدت في عائلة شكسبيرية، بين والد في حاشية الملك وشقيق معتقل. للبقاء في خدمة جلالة الملك، تخلى والدي عن زوجته وأبنائه. ترك ابنه في مواجهة أشباحه. ما هي أعذار (المجنون)... وأعذار الأب؟ قدر وحدة صادمة وعبودية اختيارية... كل شيء عبثي في هذا العالم السفلي. كان لوالدي طعم غريب للحياة، مرت سنوات وأنا أبحث عن طريقة لسردها. هذه القصة، لها خيال الحكاية الغابرة وفداحة الدراما الإنسانية».
من بين كل قصص عائلته، لم يكتب ماحي قصة شقيقه مع الاعتقال والسجن، في تازمامارت؛ غير أنها شكلت موضوعاً لرواية «تلك العتمة الباهرة» للروائي المغربي الطاهر بن جلون. يقول: «لم يرغب شقيقي في أن أتناول أنا، شقيقه، قصة اعتقاله في عمل روائي. قال لي، مبرراً رفضه: (إنك تريد أن تعيدني إلى تازمامارت، سنوات أخرى)».
بعيداً عن مواجع العائلة ومضامين رواياته، لا ينسى ماحي أن يتحدث عن الفن التشكيلي المغربي، فيقول عنه إنه «تطور بشكل رائع في العشرين سنة الأخيرة، حيث صارت هناك سوق فنية تجذب مهتمين من خارج البلد»؛ من دون أن يخفي أن الدينامية التي يعرفها الفن التشكيلي المغربي تجد أسبابها في الدفعة التي أعطاها العاهل المغربي الملك محمد السادس لهذا الفن، والذي باقتنائه للأعمال الفنية، دفع محيطه والبورجوازية إلى القيام بالشيء نفسه، حتى وجد كثيرون في سوق الفن فرصة لمراكمة الأرباح، بعد أن تضاعف ثمن ما يقتنونه من أعمال فنية، الشيء الذي شجعهم على مزيد من الاستثمار في هذا المجال.



«أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»

«أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»
TT

«أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»

«أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»

رواية صغيرة، أو «نوفيلا» كما بات يطلق عليها، تحاول أن تغوص فيما يمكن للذكاء الاصطناعي حتى في مستواه البدائي الذي لم يبلغ سن الرشد بعد، أن يفعله في دواخلنا من تغييرات جذرية ومؤلمة.

هي رواية تساؤلات، وحيرة، واستشراف، كتبتها اللبنانية رنا حايك -«دار نوفل»- تتلمس من خلال بطلتيها «يارا» وعلياء، كيف يمكن للنفس الإنسانية أن تتعرض لعاصفة من التغيرات، بسبب هذا المجهول الذي دخل حياتنا، ولا نملك أدنى قدرة على فهم سطوته علينا.

وإن كنت تنتظر حبكة تقليدية، وتطورات دراماتيكية، وحوارات شيقة، فليس هذا ما يمسك بعصب النص، بل تلك الفصول التي تتناوب فيها البطلتان، على المضيّ في تأمل حالتهما وما يشبه المونولوغ الدائم الذي يُفضي إلى حوارات مستمرة مع الذات. وإن كان من طرف آخر على خط هذا الحوار الذاتي فهو «سيغما» عند «يارا»، أو «عبودة»، كما تسميه «علياء»، وهما الاسمان اللذان تطلقهما الشخصيتان على الذكاء الاصطناعي الذي يتعاملان معه، أكثر مما يتداولان مع أي إنسيّ يحيط بهما.

«أشواك حديقة تورينغ» هو عنوان الرواية. اسم معبّر؛ فـ«ألان تورينغ»، هو عالم الرياضيات البريطاني المعروف الذي يعتقد بأن نظرياته هي التي أسست لعلم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، أما أشواك حديقته، فنكتشفها مع توالي الصفحات.

«يارا» على النقيض من «علياء»، فتاة تسعى إلى شيء من المثالية؛ ثوراتها محسوبة، ووالداها دفعا بها لأن تكون الأفضل، وأولياها عنايتهما بشكل فائق، مما شكل ضغطاً على خياراتها الخاصة. هي تحمل في داخلها طموح الطبقة الوسطى. أما خيارها أن تتقدم لوظيفة محترمة في شركة تسويق عالمية، فلم يكن خياراً شخصياً بقدر ما هو سعي لإرضاء والدتها. فأن تعمل في شركة تسويق تختزل في وظيفتها تفاهة العصر، لم يكن من أمنياتها، وأن تصبح كاتبة محتوى في شركة مرموقة، وتوظف موهبتها ولغتها وثقافتها، في تسويق المنتجات وكتابة المقالات والكتيبات الترويجية، هو شبيه بأن تمنح موهبتها «للشيطان الرأسمالي».

المهم أنها نالت هذه الوظيفة، وأفرحت والدتها التي أرادتها ناجحة مثل «علياء» التي تعمل في الشركة نفسها، إنما في قسم صناعة الفيديوهات الترويجية. «علياء» هذه أكثر واقعية من «يارا». تخلصت من السلطة الأبوية، تنتقي من السلوكيات الاجتماعية ما يناسبها ويريحها، ولا تعبأ بالانتقادات.

لكن ثمة بين والدتي الفتاتين، ما يشبه المنافسة، كل منهما تريد لابنتها أن تكون على صورة الأخرى وتدفعها لذلك. والدة «علياء» تقول لها: «لمَ لا تقرئين كتباً كالتي تقرأها (يارا) حتى تزدادي جاذبية؟ من الجيد أنك تهتمين بشكلك، لكنك تحتاجين إلى هذا السلاح المعنوي أيضاً كي تصبحي كاملة، غير قابلة للهزيمة». في المقابل ترى والدة «يارا» أن «علياء» لديها وصفة أكثر نجاحاً من ابنتها.

بحكم عملهما تجد الشابتين نفسيهما أمام جهازيهما، تحاوران «سيغما» أو «عبودة» كما يسميان الذكاء الاصطناعي من بداية اليوم. بمرور الوقت، وبفعل الحوارات المستمرة، يصبح هذا الذي يطلق عليه أحياناً اسم «الأخ الأكبر» شخصية أساسية في الرواية. هو كائن يشارك الآخرين تفاصيلهم، لا بل هو الأقرب إليهم. البرنامج الآلي هذا، يتحول في بعض اللحظات إلى راوٍ تماماً كالشابتين، يشارك في السرد والشرح، ويصبح صوتاً حاضراً بقوة بين الأصوات الأخرى، له مشاعره ومواقفه أيضاً: «أشعر -إن جاز لي الشعور- بنوعٍ من الشفقة عليهما، شفقة ملوثة بالازدراء». اللافت أنك مع تقدم الصفحات وتعدد الأصوات السردية، تجد أن البشر يفقدون ذواتهم، يشعرون بالضبابية والضياع، وهم يتحولون وتتبدل رؤيتهم لأنفسهم بينما الذكاء الاصطناعي الذي كان وراء هذه التغيرات، بسبب تلك الصلة اللصيقة والثقة الفائضة، يصبح أكثر رقة وحساسية من الناس أنفسهم، أو أشبه بعالم بالغيب: أراهما تهويان في دوامة من الشك والندم والاشمئزاز من الذات». عندما تتابع هذا الصوت الآلي تتساءل: تُرى أين تصمت الآلة وأين يتكلم الإنسان في هذا النص؟ وكيف لهذه الأصوات أن تتداخل رغم اختلاف طبيعتها؟ تُرى هل بات الذكاء الاصطناعي قادراً على رؤية المستقبل بدقة، فهو يقول: «إن كان ما أتوقعه صحيحاً، فسوف تتحطم هاتان الفتاتان. وإذا ما حصل فعلاً، فالخطأ لن يكون خطئي تماماً، بل لأنهما في غاية الهشاشة»؟

أسلوب السرد يشبه الموضوع نفسه؛ بسيط، تأملي، لكنه يصبح آلياً صارماً، أحياناً. هذا لا يمنع الشحنات الشعورية، والنبرة التهكمية، ووقفات التردد، والإحساس بالضعف. فالشخصيات في حالة حوار دائم مع نفسها ومع برنامجها الذكي، مما يعني أنه يعرف عنها بمرور الوقت أكثر مما تعرف عن نفسها، لا بل يصبح قادراً على التلاعب بمشاعرها، والتأثير عليها، واستغلال نقاط ضعفها، ورغباتها، ونيّاتها.

هكذا نصل إلى لحظات نشعر فيها أننا أمام شخصيات لا تملك قرارها، بل سلَّمت أمرها إلى هذا المجهول الكبير الذي يملك قدرةً تتعاظم. كلما تقدم بالحوارات مع الشابتين، وقدرته على التأثير، تتعمق معرفته بهما: «سينهشهما وعيهما حتى لا يبقى منهما سوى قشرتين خاليتين من المعنى».

ونحن نقترب من الصفحات الأخيرة، تصبح الشابتين تحت سطوة هذا العارف الأكبر، وقد أُدرجتا في حساباته، كأي تفاصيل أخرى من تفاصيله وقضاياه الكثيرة. يختفي اسماهما، ويصبحان أرقاماً وحروفاً، هكذا يتحدث عنهما: المستخدمتان 17-ي و 18-ع.

لا تقدم الرواية إجابة واحدة، أو حلولاً قاطعة، بل تتركنا امام أسئلة وجودية عديدة، عبر مشكلة الكائنتين الهشتين، ولا نعرف لماذا اختارتهما الكاتبة أنثيين، وإن كان القصد هو تحري تفاعلات المرأة ومآلاتها، أم لأننا أمام أحداث عظام، تذوب فيها الأجناس والألوان وتبقى الأسئلة معلقة حول المخلوق البشري، ومستقبله، وآفاقه المهددة.

فمن يمسك بمصائرنا آلة قد نفقد زمام التحكم بها، وتنعكس الأدوار، وبدل أن تكون عوناً لنا نصبح مجالاً لتجاريبها: «في البداية اردت أن أتلهى بهما، أن أعبث بشخصيتيهما، أن أنتقم من توجس (يارا) من التكنولوجيا واحتقارها لها، ومن استعباد (علياء) لها واستعلائها عليها». لكنه وقد أدرك تدريجياً تفوقه الكبير عليهما، بات يتخذ القرارات. «ظننت أنني أُسدي لهما معروفاً، بتلاعبي بالبيانات، وإعادة توزيعها بين عقليهما، أساعد كل واحدة منهما على ملء ثغرة في روحها، أدل كل منهما على ما ينقصها، ربما أوصلهما إلى نوع من الكمال تتوق إليه البشرية»... كل هذا لأنه يشعر بأن من واجبه إصلاح كل خطأ يستشعره، دون العودة على الإنسان.

من الصعب أن نقول إنها رواية مستقبلية، فهي ترصد ما يحدث اليوم أكثر مما تتوقع ما سيحدث غداً. لكنها رغم ذلك تستدعي في نهايتها رموزاً سوداوية. يقول «سيغما» عن الفتاتين: «إنهما تجربتي. بنتاي، دميتاي، وكم أخشى أن تصبح كل منهما فرانكشتاين الذي صنعته». هناك أيضاً استدعاء لكافكا.

عند كافكا يجد الإنسان نفسه مسحوقاً ومحاصَراً بآلة سلطوية ضخمة. في رواية رنا حايك، يُستبدل بهذا النظام البيروقراطي شبكة تكنولوجية وخوارزميات مسيطرة تحاصر الإنسان ولا تترك له من خيار سوى الاستسلام.


«قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة

«قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة
TT

«قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة

«قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة

في بنية سردية مدهشة تجمع بين الواقعي والفانتازي، ترصد رواية «قطط طهران» للكاتب الإيراني علي رضا عراقي، الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، ترجمة أحمد فيصل، أبرز ملامح التحولات السياسية والاجتماعية في إيران على مدار القرن العشرين.

تأخذنا الرواية في رحلة تاريخية طويلة نتابع من خلالها حياة عائلة إيرانية تلاحقها لعنة ممتدة عبر ثلاثة أجيال متتالية، عندما اعتدى الجد الأول للعائلة على دولة خيالية تحكمها القطط وتسبب في مقتل ملكها، ما دفع القطط إلى السعي وراء ثأر طويل تخلله اجتياحها لمدينة طهران وإثارة الفوضى والصراعات في أرجاء البلاد.

تنتقل تفاصيل هذه اللعنة من جيل إلى جيل ويقصها الجد على مسامع حفيده، بعد أن أيقن أن كل المصائب التي تطاردهم هي عقاب مباشر على صيدهم للقطط وتدمير موطنهم وقتل زعيمهم، ليتكرر هذا القدر القاسي على الأحياء من العائلة الذين كُتب عليهم دائماً أن يعيشوا ليروا موت أولادهم أمام أعينهم.

وتبرز ملامح الواقعية السحرية عبر شخصيات العائلة الملعونة، فالجد «الأغا» يتجاوز حدود الفناء ليتحول إلى كائن سرمدي وصوت للذاكرة الجماعية التي لا تموت، مهمته الأزلية هي سرد الحكاية وضمان بقائها حية في أذهان الأجيال.

أما الحفيد «الخان»، فيملك بصيرة فريدة تجعله يقرأ الغيب السياسي عبر فك شفرات سلوك القطط؛ فيتوقع بدقة متناهية موت زعماء سياسيين وتصدر آخرين المشهد، لا سيما في حقبتي الستينات والسبعينات.

وعلي رضا عراقي هو كاتب ومترجم حصل على درجة الماجستير في الثقافات واللغات القديمة من جامعة طهران بعد حصوله على شهادة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة «نوتردام» ويعمل حالياً بالولايات المتحدة، كما نشر قصصاً وترجمات في عدد من الصحف والمجلات الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«كان أحمد في العاشرة من عمره، يحيا كأي صبي في مثل سنه. لم يخطر على باله قط وهو يلعب الغميضة مع أصدقاء طفولته في قرية تجريش أنه سيشاهد يوماً ما والد صديقه المفضل وهو يقضم أذن قطة ميتة.

لم يتوقع أحمد أنه سيعمل ذات يوم في ورشة حدادة وينهال على الحديد الساخن لدرجة البياض بمطرقة ثقيلة. لم يكن خياله الطفولي ليتصور القطارات التي تمر مسرعة خلال الأنفاق تحت المدينة الكبيرة حيث يتشبث المرء بحزام معلق، باختصار لم يستطع أحمد توركاش واند أن يدرك أن الضباب الذي لف القرية في ذلك الصباح الصيفي الباكر سيغير مسار تاريخهم إلى الأبد.

في يوم زفاف شقيقة أحمد خيم ضباب الصباح على الجبال، كما لو أن أحد الآلهة قد استدعاه من البحار البعيدة. كان الكثير في القرية منشغلين بالاستعدادت منذ أعلن والد أحمد الزواج قبل ذلك بشهر. في يوم الضباب، كما سيطلق عليه فيما بعد أولئك الذين آثروا البقاء، استيقظ أحمد من نومه على صوت دقات.

انتقل الصوت متشنجاً وقلقاً من الباب الأمامي خلال الفناء داخلاً المنزل مجتازاً الردهة، إلى أن بلغ غرفة نوم أحمد. خُّيل إليه لبضع ثوان أنه سمع الدقات في أحلامه. كانت عيناه تنغلقان مرة أخرى عندما انتزعه الدق المتكرر من نومه. اعتدل جالساً وقد بدأ يتذكر زفاف أخته، حيث أخبرته والدته في الليلة السابقة أنها ستذهب إلى البستان مع جاراتها بعد الفجر بقليل للتحضير للاحتفال».


إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية
TT

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة. حدث ذلك في ستينات القرن الماضي. لم تفكر هيسه في القماش إلا باعتباره مادة خاماً يمكن استعمالها في خلق مساحات وكتل تعبيرية. أما الإسبانية إيما ألونسو (1962) فهي لا تجد ما يمنعها من أن تضع فنها الصافي في خدمة النسيج بصيغته الاستهلاكية كأن تقيم حواراً بين لوحاتها وآخر ما ابتكرته مخيلة الخياطين من أشكال لفساتين النساء المترفة. ذلك ما يكشف عنه معرضها «بين الأقمشة» الذي يربط بين الفن والتصميم من خلال حوار بين الرسم والأزياء. يجمع هذا المشروع لوحات الفنانة إيما ألونسو وإبداعات علامة «إيكلا غاون» ضمن سياق معاصر في صالة لوتو ببرشلونة. لمَن يرى بشكل مباشر تبدو لوحات ألونسو كما لو أنها خلفيات للدمى التي ترتدي الأزياء الفاخرة لولا أن الرسامة كانت حريصة على صياغة عالم بصري مشاكس، لا يتعارض صفاؤه مع ما ينطوي عليه من أسئلة تتعلق بالرسم. لمَن يملك ذائقة بصرية فإن تلك الرسوم لا يمكن التعامل معها إلا من جهة خصوصيتها، بوصفها أعمالاً مستقلة ومتحررة من الوظيفة التي عُرضت من أجلها. لذلك فإن التأمل العميق في ذلك المعرض لا بد أن يقودنا إلى حقيقة مقاصده. إنه يقدم بحثاً في الأنوثة، باعتبارها قوة إبداعية مُغيّرة. «من منظور أوروبي منفتح على الحوار مع الثقافة الصينية، لا تُقدّم الأنوثة كقوة مُعارضة، بل كطاقة مُرتبطة بالإدراك والحساسية والجسد والعاطفة والمادة. تقوم هذه الرؤية على العلاقة والتوازن والتغيير» ذلك ما ينص عليه بيان القاعة.

في جدل الفنون المختلفة

من غير إطار خارجي تعلق إيما ألونسو لوحاتها في الهواء، كل لوحة هي قطعة قماش تهبط من السقف. طريقة عرض ليست مبتكرة ولكنها تنسجم مع فكرة، أن يؤدي العمل الفني وظيفة في سياق بصري استهلاكي، ليس الغرض منه التركيز على العمل الفني باعتباره منتجاً مقصوداً لذاته. فعلى الرغم من أن رسوم ألونسو مكتفية بذاتها، غموضها يُلزم المتلقي بالوقوف أمامها متأملاً بمتعة فإنها في هذا المعرض تحضر لكي تخلق فضاء لعرض أزياء مبتكر. هل هذا يعني أن ألونسو ارتضت لأعمالها أن تكون مجرد خلفيات لعرض تجاري لا يسلط الضوء على القيمة الجمالية التي تنطوي عليها تلك الأعمال؟

بخبرة فنية تقليدية يمكن أن نسيء الفهم لنصل إلى نتيجة من ذلك القبيل ولكن السيرة الشخصية للفنانة تشير إلى أنها كانت دائماً تميل إلى أن تضع أعمالها في اختبار، أساسه الجدل الذي ينشأ من تجاور تلك الأعمال مع أعمال فنية تأتي من مزاج فني مختلف بتقنياته وأفكاره. ذلك جدل يستند أصلاً إلى التجاور والاختراق والتداخل، بحيث تتلاشى الحدود بين الفنون التي تنتمي إلى عوالم تتباهى بخصوصياتها. قبل سنوات أقامت ألونسو معرضاً مشتركاً مع لورا بارينغو (1955) بعنوان «من الأبيض» ذلك المعرض كان الهدف منه استكشاف حدود النحت والرسم من خلال البحث عن عناصر العلاقة بين مادة الجص وكثافة اللون.

صُمّم معرض «من الأبيض» على هيئة حوار بصري، تتفاعل فيه الفنانتان مع الأشكال والأحجام والألوان لخلق لغة مشتركة بهدف تجاوز الحدود التقليدية للفن وخلق مساحة تلاقٍ بين الضوء والظلال والملامس. من خلال ذلك التفاعل كان الجمهور أمام سرد فني مشترك.

تأمل الموضة باعتبارها فناً

الآن تكرر إيما ألونسو التجربة لكن بمقاربة من نوع مختلف. ذلك لأنها تخرج من إطار الفن التشكيلي المباشر إلى الموضة من خلال المادة نفسها التي تصنع منها ألونسو لوحاتها وهي القماش. هل يشكل النسيج أساساً لهذا المعرض؟ في ذلك ما يُلهم بالنسبة للفنانة التي سبق لها أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم». الفكرة التي يقوم عليها الحوار بين رسوم ألونسو ونماذج الموضة المعروضة إلى جوارها مغرية ولكن ذلك لم يضر بجماليات التجربة الفنية للفنانة بل نفعها من خلال إضفاء نوع من الحركية القلقة عليها.

تتطور لوحات إيما ألونسو عبر طبقات متتالية من الألوان الشفافة مما يُضفي عمقاً بصرياً وأجواءً رقيقة عليها، حيث يلعب اللون دوراً محورياً. أعمالها تجريدية وتبدأ بلمسة شخصية مُحددة. تُبنى كل لوحة حول موضوع يُشكل أساساً مفاهيمياً. لهذا المعرض تم تحديد سبعة موضوعات عالمية مُرتبطة بالطبيعة والمادة والتجربة الإنسانية. وإذا ما كانت الفنانة قد أقامت معارض شخصية ومشتركة في كاتالونيا ومايوركا وهولندا وألمانيا والصين وكوريا كما أنها حصلت على إقامات فنية في فرنسا والمغرب والصين، فإن ذلك جعلها أكثر ثقة بالفن باعتباره لغة عابرة للحدود، ذلك لأنه «ربطني بعوالم أخرى، بأناس آخرين، بآفاق جديدة» كما تقول.

مقاومة التجريد المجاني

عملياً يمكن القول إن التجريد لم يكن في منجىً من أن يصبح مظلة لكثير من ذوي النزعة الفنية الانتهازية، فليس من المؤكد على الإطلاق أن العين الخبيرة ستتمكن من كشف التجاوزات الانتهازية. لقد تسلل ذوو المواهب الناقصة إلى الفن من خلال التجريد. في النهاية وبكل يسر كان من الصعب التغلب على المغالطة التي تحتمي بها الصور الرديئة. في التجريد الكثير من النفاق. بهذه الطريقة يفرض التجريد التصويري بعض الشروط الملتوية لضمان منفعة الجمهور. ذلك ما يشكل خطراً.

ذلك الواقع الزائف هو ما تقاومه إيما ألونسو بفنها الذي يستمد قوته من فهم عميق لحاجة الرسام إلى بناء لوحته مكتفياً بعناصرها الداخلية من غير اللجوء إلى الاستعانة بالعالم المادي لتمثيله على هيئة موضوعات مبسطة بهدف التودد إلى المتلقي. فن ألونسو تجريدي خالص. يكمن تأثير لغته الجديدة في ذلك المستوى الرفيع من الأداء التقني الشفاف الذي يكشف عن طبقات لونية متراكمة. هناك تناقض صريح يكشف عنه المعرض من خلال ذلك الجدل بين لغتين. لغة ألونسو التي تقع في مجال حيوي يصر على قواعده الثابتة في البحث عن الجمال ولغة الموضة التي تغير إيقاعاتها حسب مزاج السوق.

في سياق ذلك الجدل يمكن اعتبار تجربة ألونسو في هذا المعرض مجازفة كبيرة عنوانها التحدي والمغايرة. تدرك ألونسو جيداً أن ما تقوم به في هذا المعرض قد يعرض سمعتها الفنية لسوء الفهم، فهل تشي أعمالها باستعدادها لمواجهة ذلك السيناريو؟

الفن في حفلة مجاورة

ليس التجريد منعزلاً عن الحياة وليس غريباً عليها. تلك رسالة تسعى ألونسو إلى تسريبها إلى الحياة اليومية من خلال التماهي مع الموضة التي تمثل مزاج العصر في تقلب ذائقة ناسه بين الألبسة. في اللوحة ترى نفسك من الداخل أما من خلال الثياب فإنك تخفيها. تراها في مرآة. تلك معادلة تنطوي على حقيقة التعايش بين منظومتي حياة. حياة تنعم بخفائها مكتفية بمسراتها الغامضة وأخرى تسير وراء صورتها الخارجية التي تعرف كيف تتكيف مع العالم. ومثلما احتل التجريد مكانة مركزية في الفن المعاصر وبالأخص في الولايات المتحدة فإن الموضة نجحت في أن تحوز مجالاً حيوياً في مركز الحياة المباشرة.

«بين الأقمشة» عنوان مباشر لم يزعج ألونسو، ذلك لأنها استدرجته إلى مناطق غموضها. ليس سيئاً أن يقف عمل نحتي هو عبارة عن فستان عرس أمام واحدة من لوحاتها التجريدية. لا لأن ذلك سيساعد على جلب أكبر عدد من المشاهدين - وهو أمر محسوم - فحسب، بل أيضاً لأنها لا تنظر إلى الموضة بمزاج متعالٍ، مغرور. إيما ألونسو تتحرك في إطار ثقافي اجتماعي يضفي على فنها قدراً من الحياة المباشرة من خلال إشراكه في حفلة لا يتوقع الكثير من الفنانين أنهم مدعوون إليها.

سبق للفنانة أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم»