حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء

حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء
TT

حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء

حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء

«أحد الذين يقضون ليلاً بارداً في زاوية القبر، اسمه آرمان، سيبقى عالقاً في ذهني، آرمان ضائع وجدوه في القبر... العار لنا». هذه العبارة وردت في رسالة للمخرج الإيراني الفائز بالأوسكار مرتين، أصغر فرهادي، يعبر فيها عن حزنه العميق لوضع الطبقات المهمشة والفقيرة في إيران، بعد نشر تقرير صادم عن سكان القبور في طهران في فبراير (شباط) الماضي.
تعني آرمان بالفارسية الغاية المنشودة، وهنا استخدم فرهادي براعته الفنية لتقديم تراجيديا المهمشين. في جانب آخر من رسالته يؤكد أن «بعض المتلاعبين في السياسة سيجعلون من تقارير كهذه ذريعة لتسخين فرن الألاعيب السياسية والانتخابية المترهلة». ويضيف: «للأسف فإن حرارة الفرن لن تدفئ أجساد الأطفال والنساء والرجال المشردين في زوايا القبور والحدائق وتحت الجسور».
لكن رغم تحذير المخرج الإيراني، فإن الأوضاع المعيشية عامة، خصوصاً معاناة الفقراء، أصبحت بعد أشهر قليلة محور الحديث في انتخابات الرئاسة الإيرانية. قبل الدخول في إجراءات الانتخابات، تحدث المرشد الإيراني علي خامنئي مرات عدة عن ضرورة المشاركة الواسعة في الانتخابات. دعوة خامنئي لم تكن جديدة، إذ سبقتها مواقف مشابهة في الانتخابات المتتالية التي رفعت الحرج عن النظام في ظل أزمة المشروعية منذ إعلان «ولاية الفقيه» هوية للنظام الصاعد بعد ثورة 1979. لكن الجديد في مواقف المرشد الإيراني انتقادات غير مسبوقة للوضع المعيشي وأزمة البطالة في إيران.
فُهمت تلك الانتقادات على الساحة الإيرانية في سياق إصرار المحافظين على اختصار رئاسة روحاني بفترة رئاسية واحدة. لكن في الواقع، كانت مواقف خامنئي بمثابة الضوء الأخضر لمهاجمة أداء روحاني الاقتصادي وتأثيره على الوضع المعيشي، وهو ما شكل تهديداً لروحاني الذي لم يجد أمامه سوى رفع النبرة والعزف على الأوتار الخطيرة في الداخل الإيراني بتوسيع نطاق الوعود، حفاظاً على آماله في كرسي الرئاسة للمرة الثانية.
انقلب خطاب روحاني بعد المناظرة التلفزيونية الثالثة وردد شعارات التيار الإصلاحي، وتحولت حملاته الانتخابية إلى كرنفالات لترديد هتافات الثورة الخضراء. توجه إلى مناطق المكونات العرقية وبدأ خطاباته هناك باللغات المحلية. في الأحواز لجأ إلى الشعراء الشعبيين لترديد الأهازيج. وفي المناطق الأذرية تحدث باللغة التركية. وفي كرمانشاه وجه رسالة سلام إلى الكرد حول «إيران موحدة المصير» على وقع الدبكة الكردية. وتوجه إلى البلوش، أفقر شرائح المجتمع الإيراني، بوعود رفع التمييز الديني والقومي. انتقد روحاني بشكل عام تهميش القوميات، وحينذاك ذكر نائبه الأول إسحاق جهانغيري بأن «جهات» تمارس ضغوطاً لعرقلة توظيف أبناء القوميات.
وتطلبت انتقادات روحاني لوضع القوميات، رداً سريعاً من خامنئي حذر فيه من «تحريك الفوالق» في الساحة الإيرانية وإحداث «زلزال كبير في المجتمع».
بدورها، كانت وعود روحاني للمرأة التي تشكل نصف المجتمع الإيراني، مغرية وغير مسبوقة، منها تشكيل وزارة خاصة بشؤون المرأة شعارها رفع التمييز وتعيين أكثر من وزيرة بعدما وجدت المرأة في 3 مناصب بين مساعديه إضافة إلى مستشارة خاصة.
كذلك قال روحاني إنه يعول على الشباب في حكومته الجديدة، إذا فاز في الانتخابات. ورد على انتقادات لأكبر حكومة إيرانية سناً بحساب متوسط أعمار وزرائها، قال إنه يتجه إلى حكومة أكثر شباباً وحيوية. كما وعد الشباب الإيرانيين برفع القيود عن الحريات العامة وتحسين أوضاع الفنون والموسيقى والسينما، مما أدى إلى تجاوب من الفنانين والشخصيات المشهورة بإصدار بيانات رفعت نسبة أصوات روحاني.
تحت تأثير الوعود، شهد الأسبوع الأخير من الانتخابات تطورات كبيرة بإصدار زعماء الإصلاحيين محمد خاتمي وميرحسين موسوي ومهدي كروبي بيانات منفصلة تأييداً لحملة روحاني في الانتخابات. بلغ تفاؤل الإصلاحيين بتعويض خسائر السنوات الماضية والعودة أقوى من السابق ورفع القيود عن المثلث القيادي كروبي - موسوي - خاتمي، أعلى المستويات، بعدما تقمص روحاني دور الزعماء الإصلاحيين وهاجم القضاء بأشد العبارات، ووصف المدعي العام السابق بالرجل الذي لا يعرف سوى الإعدام والسجن.
أكثر من ذلك، أطلق روحاني سهام انتقاداته الحادة باتجاه «الحرس الثوري» في السياسة والاقتصاد. هنا اكتملت الصورة، وفاز روحاني في الانتخابات.
انتقادات روحاني أخذت منحى تصاعدياً بعد الانتخابات، ووصف «الحرس الثوري» بـ«الحكومة التي تحمل البندقية»، وأبدى انزعاجه من عبء «الحرس» على الاستثمار الأجنبي. انتقادات روحاني رد عليها المرشد الإيراني بتحذيره من تكرار سيناريو العزل السياسي للرئيس الإيراني الأول أبو الحسن بني صدر، كما أطلق خامنئي مشروع «حرية إطلاق النار». وبموازاته، انتقد كل من قائد «الحرس الثوري» محمد علي جعفري وقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني مواقف روحاني، وحذروه من إضعاف دور «الحرس الثوري»، وكانت تلك المواقف بداية هجمة شرسة تعرض لها روحاني من كبار المسؤولين المتنفذين في السلطة وبلغت حد اتهامه ضمناً بمعاداة أجهزة الثورة.
تطور خطاب روحاني المفاجئ في أيام الانتخابات ضمن فوزه بفترة رئاسية ثانية. واستمر في التوهج في مرحلة ما بعد الانتخابات، عبر مهاجمة «الحرس الثوري» والقضاء، إلى أن أعلن الأخير اعتقال شقيقه ومستشاره الخاص حسين فريدون الشهر الماضي بيد مخابرات «الحرس الثوري» وبأوامر قضائية، قبل الإفراج عنه بكفالة مالية. وجاء الاعتقال في وقت كان فيه روحاني يجري مشاورات مع حلقته الخاصة لاختيار التشكيلة الحكومية ومراسم اليمين الدستورية.
قبل شهر من إعلان تشكيلة الحكومة، كشفت وكالات الأنباء عن لقاء جرى بين روحاني وخامنئي حول اختيار الوزراء. لم تنشر تفاصيل عن اللقاء. لكن مكتب المرشد الإيراني رد لاحقاً على اتهامه بفرض تشكيلة حكومية، بإصدار بيان قبل أسبوعين من مصادقة خامنئي على نتيجة انتخابات الرئاسة. أشار البيان إلى أن المرشد لا يتدخل في انتخاب الوزراء إنما دوره «استشاري» في اختيار 3 وزارات، هي الخارجية والاستخبارات والدفاع. وأضاف أن المرشد لديه «حساسيات خاصة» حول وزارات أخرى مثل التعليم والثقافة والإعلام والتعليم العالي.
بعد ذلك، التقى روحاني الخمسة الأبرز من قادة «الحرس الثوري»، ولم تمضِ أيام حتى أعلن مكتبه لقاء برئيس القضاء صادق لاريجاني ورئيس البرلمان علي لاريجاني. وخرج من اللقاء أنهم بحثوا الملفات الإيرانية الساخنة على المستوى الداخلي والإقليمي، وقانون العقوبات الأميركية الجديد.
وبعد تلك الأحداث، دخل روحاني في مرحلة هدنة مع المعسكر المتنفذ في النظام، وعلى رأسه المرشد، في حين ظهرت مؤشرات على تصدع التحالف بينه وبين المعسكر الإصلاحي. فعقب الانتخابات، أصر الإصلاحيون على ضرورة إبعاد عدد من الوزراء وتسمية وزراء يتناسبون مع شعارات روحاني للقيام بإصلاحات اقتصادية وسياسية وتحسين الحريات العامة.
في الثالث من أغسطس (آب)، صادق خامنئي على رئاسة روحاني. وفي المراسم التقليدية تحدث الرئيس عن برامجه وتمسكه بالاتفاق النووي وسياسة التعامل مع العالم، وختم خامنئي المراسم بالحديث عن أولويات إيرانية «الثورية»، وضرورة وجود سياسة خارجية تتعامل مع العالم كله، وفي الوقت نفسه طالب إدارة روحاني بمواجهة أميركا. وهو الذي كان رسم في بداية ولاية روحاني الأولى، الخطوط العريضة للسياسة الخارجية بتأكيد على «المرونة البطولية» التي شكلت نقطة انطلاق لعودة طهران إلى طاولة المفاوضات النووية والكشف عن مفاوضات سرية سبقت فوز روحاني آنذاك.
السبت الماضي، أزاح روحاني الستار عن خطابه الجديد، وقال إنه سيعلن حكومة «المصلحة والاعتدال». وفي أقل من 3 أيام، أرسل روحاني قائمة الحكومة التي طال انتظارها بين حلفائه. وأظهرت التشكيلة احتفاظه بنسبة كبيرة من أعضاء حكومته السابقة. بقي 9 وزراء مقابل 8 وزراء جدد. وبدا واضحاً أن عملية انتخاب الوزراء شارك فيها عملياً لاعبون عدة في النظام، وأنها أوسع من أن تقتصر على حزب «العدالة والتنمية» الذي يقوده روحاني. من جانب آخر، فإن فريقاً من المحللين يميل إلى أن روحاني بانتخابه التشكيلة الحالية، يظهر رغبته بعدم اختزال حزبه في التحالف مع الإصلاحيين.
حافظ روحاني على وزير الخارجية والاستخبارات، وهو ما يعني قبول خامنئي ببقاء محمد جواد ظريف ومحمود علوي في منصبيهما. بقي وزير النفط بيجن زنغنة. وشرح ظريف برنامجه قبل أيام أمام كتلة «الولاية» المحافظة، وأوضح أنه عين مساعداً له لتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية. إعادة اختيار الثنائي ظريف وزنغنة توضح أن حكومة روحاني تتجه لسياسة خارجية تركز على العلاقات التجارية.
ردود الأفعال الأولية أوضحت الانقسام في معسكر حلفاء روحاني. فوفق مراقبين للشأن الإيراني، لم ينل روحاني هدنة كاملة مع التيار المحافظ، فيما كانت اختياراته دون توقعات حلفائه الإصلاحيين الذين انقسموا حول تشكيلة الحكومة.
راهن روحاني على لعب دور البراغماتي الذي يسعى إلى نيل رضا الجميع. لكن مقارنة تشكيلة الحكومة بالشعارات الكبيرة التي رفعها الرئيس الإيراني خلال الحملات الانتخابية وبعد فوزه، شكلت انتكاسة وأدت إلى تذمر بين الأطراف التي دعمت برامجه في الانتخابات.
خلال الشهر الماضي، خرجت خلافات روحاني وحلفائه الإصلاحيين مرات عدة إلى وسائل الإعلام. فبينما شدد روحاني في أكثر من مناسبة على أنه يتطلع إلى حكومة غير محسوبة على تيار واحد، انتقده رئيس كتلة «الأمل» الإصلاحية محمد رضا عارف الذي اعتبر أن الرئيس يدين للإصلاحيين بفترتين فاز بهما. وخرجت تصريحات مشابهة من أسرة الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني إلى وسائل الإعلام.
ورداً على ذلك، وجه فريق روحاني تهماً إلى الحلفاء المنتقدين. وقال إنهم يطالبون بحصة في الحكومة، وهو ما نفاه بشدة قادة التيار الإصلاحي. مواقف عارف رد عليها بعض النواب الإصلاحيين في البرلمان، وهو ما أثار شكوكاً بانقسام الإصلاحيين تجاه روحاني.
وربما كان أبرز مؤشر على تخلي روحاني عن وعوده هو الحفاظ على وزير الداخلية رغم المطالب الواسعة من الإصلاحيين بتغييره. كذلك تخلى الرئيس عن وعده بتعيين وزيرة من بين النساء، بعدما قالت مساعدته السابقة لشؤون المرأة إنه وعد بتأسيس وزارة خاصة بالنساء، وتعيين أكثر من امرأة في الحكومة. وكان 157 نائباً طالبوا بتعيين وزيرة.
وعلى صعيد الحريات العامة، فإن تحقق وعود روحاني مستبعد إلى حد كبير بعد تعيين محمد جواد آذري جهرمي (36 عاماً) وزيراً للاتصالات، وهو الذي شغل منصب رئيس دائرة التنصت في وزارة الاستخبارات.
وبغض النظر عن تخلي روحاني عن وعد بتعيين وزير من القوميات والسنّة، فإن تجاهل دعوة ممثلي السنة إلى مراسم المصادقة على نتائج الانتخابات بحضور خامنئي، وبعدها اليمين الدستورية، أثار تذمر تلك الشرائح. وفي السياق نفسه، فإن اختياره وزير الطاقة حبيب الله بيطرف الذي شغل سابقاً منصب وزير الطاقة في حكومة رفسنجاني، كان بمثابة صدمة لأهل المناطق المتضررة من سياسة بناء السدود في الأحواز وأذربيجان.
حتى الآن، أوضحت غالبية المواقف من تشكيلة روحاني الثانية أنها لا تتناسب مع شعاراته الداخلية، وأنها سجلت تراجعاً ملحوظاً عن وعوده الانتخابية. ولا يعول المراقبون على أن تجد التشكيلة الحالية حلولاً عاجلة للأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية في الداخل.
وعلى ما يبدو، اختار روحاني التراجع عن وعوده بانتخاب تشكيلة تعرض مستقبله السياسي للخطر مع حلفائه الإصلاحيين. عودة روحاني إلى المنزل الأول (المحافظين) ربما أصدق ما اتفقت عليه ردود الأفعال الإصلاحية والمحافظة بعد إعلان تشكيلة إدارته.
كان الإصلاحيون يأملون بأن يتوجه بتشكيلة أفضل من تشكيلة السنوات الأربع الماضية، نظراً إلى تغير بنية البرلمان لمصلحته مقارنة ببداية ولايته السابقة. لكن انقلاب روحاني المفاجئ على وعوده، أغضب الإعلام الإصلاحي الذي اتهمه باختيار مصالحه الشخصية ومستقبله السياسي والنظر إلى مناصب أبعد من الرئيس، ربما بينها كرسي الرئاسة في مجلس تشخيص مصلحة النظام بدل رفسنجاني.
في اللحظات الأخيرة من إعلان تشكيلة الحكومة، وجه الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي رسالة إلى روحاني. لكن الاعتقاد السائد الآن أن خاتمي لم يعد يمثل جميع الإصلاحيين. رغم ذلك حاولت كتلة «الأمل» أن تظهر أنها ما زالت تحافظ على التحالف مع روحاني والتأثير عليه، وأن العلاقات مستمرة رغم التشكيلة المخيبة لآمال الإصلاحيين. ونقلت وكالة أنباء «إيلنا» الإصلاحية عن عضو الكتلة قاسم ميرزايي أن خاتمي التقى رئيس مكتب روحاني الجديد محمود واعظي ووزير العمل علي ربيعي. وبحسب ميرزايي، فإن موفدي روحاني شرحا برامج الحكومة لخاتمي الذي أعلن تأييده للحكومة الجديدة. وقبل يومين، نفت قائمة «الأمل» الإصلاحية أن تكون طلبت من بعض الوزراء الإصلاحيين المقترحين من قبل روحاني، الانسحاب من تشكيلته الوزارية.
في المقابل، فإن تغيير روحاني المفاجئ أثار حيرة الإعلام المحافظ، فوصفت مجلة «مثلث» المحافظة انقلاب روحاني على حلفائه الإصلاحيين بالعملية الجراحية في التركيبة السياسية الإيرانية. واعتبرت أن روحاني «مختص بمفاجأة الجميع». ففي وقت ذهبت فيه التوقعات إلى تقديم روحاني حكومة مقربة من الإصلاحيين، انقلبت بوصلة حكومته من حلفائه إلى المحافظين.
ورأت «مثلث» أن الاصطفافات السياسية في البلد تشغل روحاني أكثر من تشكيلة الحكومة. ويعني ذلك أن الرئيس يبحث إعادة تعريف نفسه في السياسة الإيرانية. واعتبرت أن 6 عوامل دفعت روحاني إلى اتخاذ القرار، أولها التأثير على التركيبة السياسية، ثم تقديم شخصية جديدة في محاولة لأخذ مكان رفسنجاني، وثالثاً: محاولة خلق التوازن في التقسيمات السياسية، ورابعاً: توثيق العلاقات بأركان النظام ودوائر صنع القرار العليا، وخامساً: تعميق الانقسام في التيار المتشدد والعمل على انهيار المعسكر، وأخيراً: إضعاف دور الإصلاحيين السياسي والإبقاء على الوضع الحالي. وخلصت المجلة التي تعبر عن وجهة نظر أوساط المحافظين إلى أن ما حدث يعزز مكانة اليمين المعتدل أكثر من السابق.
وأظهرت حكومة روحاني، وفق محللين، أن نتائج الانتخابات ليست العامل الأهم في تسمية الوزراء، إنما المعادلات السياسية والتحالفات داخل السلطة. وروحاني، وإن قبل بأن يكون متحالفاً مع الإصلاحيين، فإنه سياسي من التيار المحافظ وحليف استراتيجي لرئيس البرلمان علي لاريجاني. وبالعودة إلى أيام الانتخابات، كان لاريجاني وناطق نوري أعلنا افتتاح مكاتب للمحافظين المعتدلين لدعم حملة روحاني في الانتخابات. وبينت ردود الأفعال أن فريق رئيس البرلمان علي لاريجاني هو الرابح الأكبر من التحرك السياسي ومعادلة الانتخابات.
ومن المفترض أن يتجه روحاني هذا الأسبوع مع فريق وزرائه المقترحين للحصول على ثقة البرلمان. ما سيجري في الجلسة وما سيتبعها من تصريحات ومواقف من الكتلة النيابية، سيظهر مزيداً من ردود الأفعال على تراجع روحاني عن نسخته الإصلاحية في الانتخابات الأخيرة إلى دوره الطبيعي في المعسكر المحافظ. ولكن ما اتضح حتى الآن أن روحاني خسر كثيراً من مؤيديه في الشارع قبل أن تنال حكومته ثقة البرلمان.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.